أكبر خطأ ارتكبته حماس، بعدما رفضت السعودية تقديم الدعم الأعمى لها في ظل الانقسام والتشرذم المدعوم إسرائيلياً وأميركياً بهدف الضغط على السلطة الفلسطينية، هو دخولها الانتخابات وفوزها في عام 2006، ومن ثم إدارة غزة من أجل عرقلة مساعي تحقيق الدولة الفلسطينية وفق المبادرة العربية في بيروت 2002، وتالياً رفض التوافق بينها وبين منظمة التحرير برعاية سعودية، وانضمامها إلى محور ما يسمى المقاومة التابع لإيران.
بالطبع، ظنَّت حماس أنَّ إيران ووكلاءها يؤمنون بوحدة المواجهة، وهو ما أزعجها عندما نفذت عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول (أكتوبر)، معتقدة أن حزب الله سيشعل الجبهة الشمالية لفلسطين، لكنها فوجئت أنَّ إيران ترفض المشاركة في مثل هذه الحرب، وظهر جلياً أنها لا تحارب نيابة عن العرب، ولا تدافع عن الفلسطينيين.
لقد عرَّت هذه الحرب محور الممانعة، الذي يستخدم تحرير القدس شعاراً. وهذا ما أكده حسن نصر الله بالذات، حين قال إن وحدة الساحات لا تعني وحدة المواجهة، إذ يخشى على مخزونه من الصواريخ التي أرسلتها إيران من أجل الدفاع عن إيران إذا تعرضت لهجوم، وليس دفاعاً عن القضية الفلسطينية أو العرب.
أرادت إسرائيل تصفية نائب رئيس حماس صالح العاروري في الضاحية الجنوبية لبيروت، دون غيره من قادة حماس في الخارج، بسبب ارتباطه الشديد بإيران وحزب الله، والتصفية تتمة لتصفية القائد في الحرس الثوري الإيراني رضي موسوي في سوريا في 25 كانون الأول (ديسمبر)، في ضربة ثانية قوية موجهة إلى إيران وأذرعها التي تسعى إلى تهريب الصواريخ إلى غزة لإسناد حماس في الحرب المستمرة منذ ثلاثة أشهر، وهي تود من خلف ذلك إفهام إيران أن عدم اشتراكها في الحرب غير كاف، بل عليها أيضاً أن تتوقف عن تقديم أي دعم لحماس وبقية العناصر الفلسطينية.
نفذت إسرائيل استعراضاً للقوة بعد تلقيها ضربات موجعة في غزة، وفي نفس الوقت وضعت مصداقية التوعد بالرد من قبل حزب الله على المحك. ويأتي الاغتيال أيضاً تعبيراً عن انزعاج إسرائيلي من قرار واشنطن سحب حاملة الطائرات جيرالد فورد من منطقة الشرق الأوسط إلى مينائها الرئيسي في الولايات المتحدة الأميركية، حيث اعتبرت تل أبيب أن هذا الانسحاب يأتي في وقت غير مناسب لإسرائيل، في حين أن الانسحاب مثل رسالة مفادها أنَّ أميركا لا تريد توسيع الحرب إلى إقليمية، وترغب بإنهاء حرب غزة للتفرغ للعمل الدبلوماسي في الانتخابات الأميركيَّة القادمة.
أيضاً، جاء التفجير الداخلي قرب ضريح قاسم سليماني لهز ثقة إيران بمنعتها الأمنية وقوة استخباراتها، في وقت تتصرف فيه وكأنها بمنأى عما يحدث في المنطقة. وقتل في الانفجارين أكثر من 100 شخص، بعدما وقعا بفارق دقائق في جنوب إيران واستهدفا حشوداً كانت تحيي الذكرى السنوية الرابعة لمقتل سليماني بضربة أميركية قرب مقبرة الشهداء في محافظة كرمان.
لا تريد إيران ولا حزب الله حرباً شاملة مع إسرائيل، وطبيعة الرد ستكون محدودة جداً أو مدوية، لكن ما حدث من قبل إسرائيل باغتيال صالح العاروري يعد خرقاً لقواعد الاشتباك بين إسرائيل وحزب الله. لقد تم الاغتيال في عرين الأسد، وتود إسرائيل من تنفيذه رفع مستوى الاشتباك لإبقاء جذوة الحماسة الأميركية لدعم إسرائيل متقدة. لكن أميركا سحبت حاملة الطائرات، ولا تغيب عن ذاكرتها عملية "فرس النهر" التي نفذتها في 1988 عندما اصطدم زورق أميركي بلغم في مضيق هرمز، فقامت أميركا بتدمير نصف الأسطول الإيراني بما فيه منصة بترول. لذلك، لا تود إيران التورط أكثر، وإذا قامت بأي عمل فستقوم به بالوكالة، حتى لا يعطي إسرائيل أي مصوغ باستهداف إيران أو لبنان، ما يجعل يد إيران وحزب الله مكبلة.
لذلك، وجه نصر الله في خطابه الأخير لوكلاء المقاومة في حماس والحوثي وفي بقية الجبهات التي تسمى بالسبع جبهات يؤكد لهم أن ليس هناك قيادة مركزية لقيادة المقاومة كما يسميها، باعتبار أن لكل جبهة مصالحها وقد لا تلتقي مع الأخرى، وهذا نهج جديد يعني أن إيران وأذرعها لا يهمها الدفاع عن القضية الفلسطينية، فتلك فقط للمتاجرة. كل ذلك يخدم السعودية في توجهاتها بعدم السماح بتوسع رقعة الحرب إقليمياً، ووقف النار فوراً في غزة، بالتلاقي مع التوجهات الأميركية.
إسرائيل تريد تغيير قواعد الاشتباك مع حزب الله، لأنها تريد أن ينسحب إلى خلف مجرى نهر الليطاني شمالاً بنحو 5 كيلومترات وفق القرار 1701، خصوصاً إذا لم تنجح الجهود الدبلوماسية الأميركية والفرنسية، لذلك نجد أن نصر الله في خطابه لم يطلق أي تهديد انتقامي لاغتيال العاروري، وفي نفس الوقت طمأنت إسرائيل حزب الله أنها استهدفت حماس فقط ولم تستهدف أحداً من حزب الله، وانتظرت حتى يغادر موفدوه الاجتماع ثم أقدمت على قصف العاروري ومن معه من حماس.















التعليقات