الطائفية في اجازة quot;رياضيةquot;
شباب لبناني يستبدل صراعاته السياسية باخرى quot;كرويةquot;

استبدال الاعلام الحزبية بالاعلام الرياضية

عصام سحمراني من بيروت : وكأنّ اللبنانيين على موعد كلّ أربع سنوات مع المونديال يحلّ في ربوعهم وتقام مبارياته على ملاعب بلادهم. وكأنّهم اعتادوا على الألوان الزاهية لأعلام المنتخبات العالمية كالبرازيل وألمانيا وإيطاليا وفرنسا وهولندا والأرجنتين وأسبانيا حتى تشيكيا والمكسيك والبرتغال تطلّ من شرفات منازلهم وتخترق أجواء شوارعهم وتلوّح في أنتينات (هوائيات) سياراتهم. وكأنّهم تآلفوا مع أبواق السيّارات الليلية والمفرقعات النارية المتعالية في أجواء مناطقهم عند فوز مرجعياتهم الكروية من المنتخبات العريقة.

فالمونديال نعمة تحلّ على اللبنانيين فيقولبونه بقالبهم وطابعهم الخاص بما يتناسب مع أجوائهم الجميلة الطيبة التي تنسيهم خلافاتهم السياسية وطاولات الحوار والتحقيقات الدولية وتعيدهم إخوة كما هم في الأساس مسلمين مسيحيين يتوحّدون ويختلفون على تشجيعهم لفرق المونديال لا غير. هل هنالك أجمل من ذلك!!؟

إذاً فحمّى المونديال تجتاح المناطق اللبنانية ولا تجد من مضاد حيوي لها فتتغلغل في الشؤون الحياتية للبنانيين لتعيد لهم حيوية محبة مسالمة تنتشلهم من أدران السياسة وأقذارها ذات الطابع اللبناني.يستعرض علاء العلم المونديالي الضخم لإيطاليا بعدما أنجزه في مشغل الخياطة الذي يعمل فيه. العلم بلغت مساحته بالأمتار 20 بـ 10 تغطي رأس البناية التي يقوم المشغل فيها، quot;ما السفارة الإيطالية نقلت الى هناquot; يعلّق علاء. صاحب عمل علاء هو من طلب منه إنجاز العلم كي يتباهى على أصحاب الأعلام الأخرى في الحيّ الذي اختفت ألوانه الأصلية ndash;ذات اللون الحزبي الواحد عادة- وحلّت مكانها نعمة الألوان العالمية.


أمّا الأجمل من ذلك فهو الإتفاق الذي حصل في أحد الأحياء الأخرى التي زيّنت كذلك بالرايات المونديالية. فقد نصّ الإتفاق بين المتنافسين من مشجعي الفرق المختلفة في الحيّ بحسب سامر الهولندي على أن quot;يحرق علم المنتخب الذي يخرج من المونديال!quot;. إتفاق شمل الجميع ولم يخرج عنه أحد من الأقطاب رغم قيام أحدهم وهو كميل بابتكار قد ينقذه من إحراق علم فريقه الأسباني في حال خروجه. كميل قام بطلاء جدار منزل أهله الخارجي كلّياً بألوان المنتخب الأسباني عوضاً عن تعليق علم قماشي قابل للحرق، quot;واحرقوا لقلّكن!quot;. يتحدّى كميل أصدقاءه الذين خبّأوا عنه خطة ستفسد عليه فرحته لا شكّ، quot;بكلّ بساطة نرمي على الحائط طلاء اسود quot; يهمس سامر الهولندي.

كلما كبر العلم كلما كانت quot;النكاية quot; اكبر

يدير حسين شبكة مراهنات على المونديال في مقهاه المبتدع في أحد الشوارع الشعبية في ضواحي العاصمة، ولا تتعدّى الرهانات فيها حاجز quot;العشاء والأركيلةquot; يقول حسين. وعلى الرغم من بساطة الرهانات فالعشاء له عدد من الشروط أهمّها أنّه، quot;من المطعم مش من البيت متل صاحبنا!quot; يشير حسين إلى أحد الجالسين الذي أكّد له باستهزاء أنّه اختار العشاء البيتي بعد خسارته للرهان لأنّه quot;صحّي ولا اريد ان اكون السبب وراء اي عسر هضم يصيب اي من الشباب بسبب طعام المطاعم !quot;. واعتمدت وجبات العشاء الرهان بمعايير محدّدة لجهة الكمّية أيضا quot;لأنّه وكما ترى روادنا من اصحاب الاوزان الثقيلة .. ما شاء اللهquot; يضيف حسين المدير.
ناصر أرسل زوجته وأولاده الثلاثة إلى منزل أهلها في الشمال كي يتسنى له مشاهدة مباريات المونديال quot;من دون مضايقاتquot; يقول ناصر الذي يسكن في بيروت ويشجع المنتخب الألماني. فالزوجة تكره كرة القدم بشكل رهيب حتى أنّها منعته من مشاهدة المباريات اللبنانية داخل الملاعب فاكتفى بالتلفزيون. quot;لكن أن يجلس شهراً كاملاً أمام التلفزيون يشاهد ثلاث مباريات كلّ يوم فهو أمر لا يطاقquot; هذا كان لسان حال زوجته بحسب ناصر الذي سيرتاح منها طيلة المونديال الذي ربطه تاريخياً بزواجه الذي تمّ في المونديال الماضي وتأخر حملها يومها حتى نهاية المباريات ونهاية النكسة التي حلت بناصر مع خسارة ألمانيا للبطولة أمام البرازيل. لنأمل أن لا ينتهي هذا الزواج بسبب المونديال الحالي.
عماد ينتظر هذا العام نهاية المونديال كي يتسنى له نيل إجازة الآداب في الجامعة اللبنانية. quot;المونديال أخذ كلّ وقتيquot; يؤكّد عماد إدمانه. هو يقوم بتقديم بعض الإمتحانات في الدورة الأولى للإمتحانات ويحضّر للمواد quot;بين المبارياتquot; ويترك أمر نجاحه للدورة الثانية التي يراهن عليها في ظلّ عدم تزامن بطولة كبيرة معها، quot;مين قلّك . بعدها سيبدأ الدوري الإيطالي والإنكليزي والأسباني وتصفيات أوروبا . لا مجال للهرب quot; يستسلم. ولا يجد عماد طريقة يستطيع من خلالها تخفيف إدمانه هذا والتركيز على الأولويات الخاصة بشهادته، quot;حاولت ببطولة أوروبا 2004 ولم انجح وعدت الكرة هذه السنة!quot; يؤكّد عماد المشبع بحبّ الكرة وخاصة منتخب البرازيل quot;الساحر الفنانquot; الذي يشجعه.
دارين أقنعت أخاها الذي يملك صالوناً للحلاقة الرجالية بفكرة درّت عليه مدخولاً كبيراً مع استمرار أيّام المونديال، quot;أكثر من عمله الأصليquot; تقول دارين. الفكرة كانت الإعلان عن صبغ شعر الشبّان بألوان المنتخبات التي يشجعونها. وبالفعل كانت الفكرة quot;عظيمةquot; تتباهى دارين، فقد تدفّق الشبّان من الحيّ ومن الأحياء المجاورة إلى الصالون الذي تحوّل إلى مركز للألوان المختلفة والمتنوّعة تصبغ رؤوس الشبّان بعد خروجهم منه وهم راضون على أمرين؛ quot;الرأس الملوّن وانخفاض التكلفةquot; حيث يقوم سامي بصبغ الرؤوس بعشرة آلاف ليرة لا غير.
أمّا الطريف بالموضوع فهو قيام دارين بعمل داخل المحلّ يختصّ برسم بعض الشعارات فوق الرؤوس المصبوغة بواسطة الألوان الزائلة بسبب عدم قدرة أخيها على الرسم. فدارين التي لم تعمل منذ تخرجها قبل عامين من معهد الفنون الجميلة وجدت لنفسها عملاً إلى جانب أخيها بسبب المونديال.

تنضمّ فاطمة إلى سبع فتيات صديقات مزركشات الألوان بطريقة تبرز الإنتماء المونديالي لكلّ منهن. تنزل الفتيات كلّما سنحت لهنّ الفرصة إلى أحد مقاهي وسط المدينة لمشاهدة المباريات مع أصدقائهن الشبّان من الجامعة في أجواء جميلة تختصرها فاطمة بعبارة؛ quot;كأنّنا في الملعبquot;. فاطمة لا تفهم اللعبة كثيراً ولا تهتمّ بهذا الأمر أصلاً فتركيزها ينصبّ على الحالة التي يخلّفها المونديال بالأجواء اللبنانية quot;والتيشيرتز والأعلام والزمامير والفرقيع، كلّ شي أحلى بالمونديالquot;.

عدد كبير من اللبنانيين يشجعون المنتخب البرازيلي
يمرّ أسامة كالسهم في الشارع الذي يقطنه وهو يقود دراجته الناريّة ويطلق البوق بطريقة مزعجة بالإضافة إلى صوت دراجته المزعج أصلاً. لا يعير أسامة انتباهاً للشتائم التي يكيلها له السكّان غير المهتمّين بالمونديال ومعظمهم من الكبار في السنّ والتي تطال أمّه وأباه وأخواته بسبب الإزعاج الذي لحق بالسكان منه. لا وقت عنده لمثل هذه الأمور فالوقت وقت احتفال بفوز البرازيل بالمباراة الأولى لها أمام كرواتيا. الفوز الذي بلغت أصداؤه سماء المنطقة التي يقطنها أسامة عبر مفرقعات نارية من العيار الثقيل عند الثانية عشر ليلاً وفي يوم عمل عادي (ليلة الثلاثاء- الأربعاء) أضاءت السماء وأيقظت من كان نائماً أو ينوي النوم على ثورة ضدّ أسامة وغيره من البرازيليين؛ quot;يا ولاد الـ... بدنا ننامquot; تصل الشتائم إلى الشبّان فيزيدون من حماسهم في الإحتفال؛ quot;مرّة كلّ أربع سنين.. يسمحولنا فيها معقول هيك!!؟quot; يستغرب أسامة انزعاج السكان.

تلك مشاهد من أجواء المونديال الذي حلّ في بيروت ولبنان ككلّ وكأنّ لبنان هو المستضيف. ذلك عرض بسيط لأجواء الأسبوع الأوّل قبل انتهائه حتى، ولا شكّ أنّ نوادر المونديال وطرائفه في المدن اللبنانية تتعدّى هذا العرض البسيط لتشكّل جرائد كاملة.أمّا اللبنانيون الذين ما زالوا يقرنون علم بلادهم بعلم المنتخب الذي يشجعونه بعض الأحيان فما زالوا أيضاً يمنون النفس بوصول منتخبهم يوماً ما إلى المونديال كي يرفع علم لبنان في هذا المحفل العالمي الكبير ويدرج اسمه في السجلات الكروية العالمية لا في قرارات مجلس الأمن فحسب..
فلنتابع المونديال ولنترك كوابيس السياسة جانباً..

[email protected]

جولة مصورة :تصوير عصام سحمراني