في صالات قصر "كابوديمونتى" التاريخي في مدينة نابولي الايطالية، يقام معرض فني كبير لعدد من اعمال الفنان الاسباني فيلاسكيس، حتى نهاية شهر حزيران القادم. الفنان ديغو دي سيلفا فيلاسكيس( 1599- 1660) الذي أطلق عليه لقب "فنان الفنانين" الذي تعتبره اسبانيا أعظم رسام انجبته الامة الاسبانية في عصورها الذهبية يعتبر رائد الواقعية الأسبانية في الفن التشكيلي في القرن السابع عشر اوجد اسلوباً فنياً خاصا به ضمن عمالقة الفن الذين عاصروه وعلى رأسهم كارافاجو وتيتسيان ورامبرت وروبنز وبوسان، وحقق حضوراً متميزاً وسطهم باعتباره استاذاً قديراً في استخدام اللون وهو ينفذ ببصيرته الواقعية في الطبيعة والواقع ليشيد عوالم من حركة الاجساد البشرية في ارهاصاتها التعبيرية الواقعية على الرغم من واقعيته هذه كانت على الدوام مأسورة بحياته الخاصة باعتباره رسام البلاط الرسمي.
وواقعية فيلاسكيس التي أثارت على كل القيم الجمالية المتصنعة وبدأت تعكس الوجه الآخر لما يسمى بالبشاعة والقبح، اعطت دفعاً جديداً للتخلي عن القيم الكلاسيكية في تصويرها للموضوعات المحيطة بالانسان بدون تملق، ذلك لأن واقعيته هذه مع انها انحصرت في رسم العائلة المالكة في البلاط الا انها اتجهت أيضاً لرسم الناس العاملين والخدم كما في لوحة الحداد وعمال النسيج السكارى.
وقد اختلطت واقعيته التجريبية بالعناصر الرمزية فأدخل الاشخاص الاسطوريين وكأنهم جزء من الواقع اليومي كما في لوحته الشهيرة "اخوة النبي يوسف" حيث نرى في اللوحة الاخوة وهم يحاولون ايهام ابيهم يعقوب بأنهم جلبوا قميص يوسف الذي زعموا ان الذئب اكله.
وباعتباره اب الواقعية الانسانية وممثل الانعطاف التاريخي في الكلاسيكية التي انبثقت عنها تيارات وأفكار متعددة فقد اهتم بالمساحة اللونية في بناء الكتلة وخلق توازناتها وتناغماتها اذ لم يعر أهمية كبيرة لدور الضوء في عملية تشكيله للكتلة كما هي الحال عند كارافاجو، الا انه كان ينفذ مهاراته بالاعتماد على اللون وتدرجاته بإحساس عميق وببراعة وحرية كبيرة حيث فتح عصراً جديداً للانطباعية بالشكل وأفسح المجال امام الفراغ المحيط بهذا الشكل ليلعب دوره المتميز ووجوده المستقل عن الانسان، ولهذا كانت لوحته متماسكة في معظم جوانبها في الوقت الذي كان الرسم قبل فيلاسكيس يركز على الموضوع الاساسي ويهمل بقية الأجزاء. ولهذا السبب أصبح المرجع الرئيسي لمعظم الفنانين الذين أعادوا رسم لوحاته مرات عديدة من رينوار الى مونيه ومن غويا الى بيكاسو ودلاكروا وغيرهم.
ويمكن تقسيم حياته الفنية الى ثلاث مراحل رئيسية اولها في شبابه بمدينة اشبيلية التي ولد فيها وهو من اصول برتغالية حيث استوطن والده هذه المدينة وتزوج امرأة اسبانية حمل الفنان فيما بعد لقبها كاسم له.
رسم فيلاسكيس في بداية شبابه موضوعات كانت على صلة وثيقة بالحياة اليومية في استلهامها للواقع، وتتميز هذه المرحلة بجدية وقوة التعبير الاكاديمي ومتانة البناء التكويني للوحة، وكان متأثراً بالفنان الايطالي كارافاجو وخاصة تأنيقيته الضوئية في بناء سطح اللوحة التي حاول على الدوام ان تكون بنيتها دائرية كي تساعده على ادماج عناصر اللوحة ببعضها للحد الذي يحول دون انفصال اشخاصها في روعة وحساسية المشاهد، وكذلك لاعطاء العمل احساساً مكتملاً بالحياة الفعلية للأبعاد الثلاثة التي تحملها اللوحة.
أبرز عمل فني تمثله هذه المرحلة لوحة "بائع المياه في اشبيلية" التي تعكس احد المشاهد الحياتية اليومية العادية حيث يبدو الناس في هذه اللوحة وكأنهم بشر أحياء رسمهم بأمانة تعبيرية وتعاطف انساني كبيرين. ومن لوحات هذه الفترة ايضاً "الموسيقيون" و"المسيح عند مارتا" و" القديس يوحنا" "المسيح في عمواس" و"عبادة المجوس".
اما المرحلة الثانية فهي تتمثل في الفترة التي انتقل فيها الفنان الى مدينة مدريد قبل ان يصبح الرسام الرسمي للملك "فيليب الرابع" الذي منحه وسام صليب سانتياغو عام 1658، واصبح من اقرب اصدقاء الملك واحتل منصب المدير المساعد للاشغال العامة، وتعكس هذه المرحلة الاختلاط الخارجي بالوسط الفني العالمي والذي تمثل في زيارته لايطاليا عام 1629 للدراسة الفنية، فشاهد عن قرب اعمال الفنانين الايطاليين قادة عصر النهضة الذين ركزوا مجهوداتهم الفنية على هيئة الانسان الذي كانوا يعتبرونه أساس الكون، وابتدعوا حوله فراغاً حجمياً ليظهر بكل روعته وعظمته، كما توصلوا إلى إظهار الانسان وهم على علم تام بتركيبه الداخلي ثم اضفوا عليه شيئاً من القوة بإظهار الحركات معبرين عن الاتجاهات الروحية بواسطة الحركات البدنية.
أبرز عمل انجزه في هذه الفترة والذي أشاع شهرته هو "كورة الحداد فولكان" والذي رسمه في روما ويمثل احد أهم المشاهد في الحياة اليومية قدم من خلاله احدى القصص الاسطورية الشائعة.
أما المرحلة الثالثة التي تحول بها الى الرسام الخاص للملك حيث رسمه وحاشيته بأجمل الصور التي عكست مقدرته الفائقة في رسم الوجوه. وأغلب اللوحات التي رسمها للملك فيليب الرابع كانت تطولانية اذ عمد الى تطويل القامة اكثر من الواقع ليعطيها القوة والعظمة، وكان متأثراً بالفنان الاسباني الكريكو "الاغريقي" الذي كان يركز على الجانب الروحي في حين ركز فيلاسكيس على الجانب الواقعي.
وأبرز الاعمال الفنية التي تمثلها هذه المرحلة لوحة "السكيرون" وهي تصور مجموعة من الناس يشربون الخمر، وقد جلست معهم الآلهة باخوس الهة الخمر عند اليونانيين. ومن أشهر أعماله الاخرى لوحة "استسلام مدينة بريدا" و"الرماح" التي تصور احدى المعارك بين الاسبان والهولنديين للاستيلاء على مدينة "بريدا" التي استسلمت عام 1625 مستنداً في رسمها على الوثائق والرواة عن طبيعة المعركة، فقد اختار لحظة لقاء القائدين وهما يتفاوضان لوضع حد لهذه الحرب حيث يقوم حاكم بريدا بتسليم مفاتيح المدينة التي تقع في احدى المقاطعات في جنوب هولندا الى القائد سبينولا في مشهد انساني عامر بالمشاعر النبيلة، وكأنه يريد القول باعتذار القائدين عن الحرب ليس فيها منتصر ومهزوم، انها لوحة الاعتذار عن الحروب بكل ما تحمله من دمار، ولم يسبق لفنان ان صور مثل هذا الموضوع بهذا القدر من الذكاء والفطنة في تاريخ الرسم الكلاسيكي.
وبعد سفرة فيلاسكيس الثانية الى روما لحضور أحد المؤتمرات لخيرة الفنانين العالميين، عاد محملاً بتأثيرات جديدة من كنوز عصر النهضة، فانجز رائعته "فينوس والمرأة" التي رسمها من الخلف وهي أمام المرآة التي رفعها لها الآلهة الاغريقي كيوبيد وتمثل هذه اللوحة الرصانة الفنية التي تختلف عن كل ما انتجه الفنان الهولندي روبنز الذي كان يصر على إبراز الجسد الانثوي بلدانة وثراء، اما فيلاسكيس فرسم فينوس لوحدها بدون اي اتجاه جنسي بل ركز على المساحات الضوئية، فينوس تسترخي امام مرآتها وكأنها حالمة، وكيوبيد يسند لها المرآة ليكشف لنا ولها عن مفاتن صدرها المخفي، ويبدو ان فيلاسكيس عندما رسم هذه اللوحة كان واثقاً من حماية الملك فيليب الرابع له. ويذكر بأن هذه اللوحة من ممتلكات متحف لندن الوطني وهي اللوحة العارية الوحيدة التي رسمها فيلاسكيس وقد أثارت اباحيتها غضب احدى رائدات الحركة النسائية في لندن الى درجة انها شوهت اللوحة المعلقة عام 1913، ثم اجريت عليها الترميمات من قبل مجموعة مشتركة من الفنانين الاسبان والانجليز.
وقد اتخذ المسؤولون في متحف "برادو" في العاصمة الاسبانية مدريد، احتياطات مشددة لحماية وصول اللوحة ولم يعلنوا عن موعد وصولها ومن المطار انتقلت الى متحف برادو التاريخي بمركبة مدرعة تحرسها طائرات الهيلكوبتر.
أما رائعته الشهيرة "لاس مينياس" او وصيفات الشرف التي اصبحت احدى اللوحات العظيمة في حول الفن الواقعي الرمزي، فقد رسمها بطريقة تنم عن ذكاء خارق، فرسم الاميرة مارغريتا بشعرها الاشقر وفستانها الابيض وملامحها العذبة وهي تتوسط الوصيفتين، احدهما تقدم لها كوباً من الشراب تصبه في اناء احمر فوق صينية ذهبية، وإلى اليسار مجموعة مكونة من وصيفة اخرى وقزمين من أقزام البلاط، يداعب احدهما الكلب ومجموعة من الاشخاص في وضع يشبه البورتريت الجماعي، وتتجمع كل خطوط النظر حولها لانها مركز الاضاءة في وسط اللوحة الكبيرة، ووقفت الوصيفتان وجميع الشخصيات التسعة الذين تضمهم اللوحة فلا نجد اي حوار بين هذه الشخصيات، وقد رسم الفنان نفسه وهم امام اللوحة وظهر الملك والملكة في المرآة الخلفية، ولكي يقيم التوازن في لوحته الرائعة هذه اضاف وصيفة تحاور احد رجال الحاشية الى يسار اللوحة، كما رسم فيلاسكيس نفسه الى يمين اللوحة وقد طرز وسام صليب سانتيغو الذي منحه اياه الملك. وكان يقصد من وراء ذلك ان يعطي حركة غير عادية في تحريك اجواء وزمن اللوحة.
وقد تزامنت هذه اللوحة في بعدها السيكولوجي الذي يتجاوز الافق التشكيلي مع لوحة الفنان الهولندي فيرمير رسمها عام 1666 اطلق عليها اسم "المحترف، أو التعبير المجازي عن الرسم" وفيها شخصيتان هما الرسام والموديل التي كان يرسمها، حيث نظم فيرمير هذه اللوحة في شكل يجعل الناظر اليها يستوعب في آن واحد الموديل التي ترسم والرسام الذي يتولى نقل ملامحها الى لوحته، مبتكراً مفهوم النظرة الثلاثية. وقد أعاد رسم هذه اللوحة العديد من الفنانين المعاصرين ومنهم بيكاسو الذي تناولها بالتحليل عام 1950 في 44 دراسة منها 14 اختص بها الاميرة مارغريتا وحدها فضلاً عن دراسات للوجوه والشخوص المفردة.
وقد تحول فيلاسكيس العظيم الذي عرف عن دماثة خلقه وتواضعه الجم ورقته البالغة في اواخر حياته مثل العديد من رسامي عصر النهضة الايطاليين الى الاستخدام الرمزي والنفسي للأساطير الدينية، الا انه ظل حتى النهاية واحد من الواقعيين الكلاسيكيين الكبار، وكانت واقعيته تتسم بالجرأة مبنية على فهم اللون واضعاً في اعتباره التوزيعات والتقابلات ومزج النغمات الفعلية بشفافية طبقات الألوان وقدرتها على اصطياد الضوء او عكسه، فكان لفرشاته سحر السطوع الذي يشع اضاءة على كل بقعة من سطوح لوحاته، اذ تميزت غالبية اعماله باعتبارات لمسة الفرشاة هذه واثرها الرفيع او العريض على عين المتلقي لتحدد الأشكال والعضلات وتبين المشهد المصور وتوزع الظل والظلال بصدق ووقار كبيرين فتحيل أية عتمة الى منطقة ضياء مشعة.
ومع انه كان مقل للغاية في الرسم اذ قدر عدد اللوحات التي انجزها طيلة حياته نحو مئة لوحة فقط الا اننا نكتشف في أعماله العملاقة، حسا اكبر بالزمان والمكان وبلحظة التفكير والاحساس وهو ما يشكل عنفوان قوته الفنية ويعطيه المقامة المتميزة عن روحانية من سبقوه لأنه ظل فنان الرؤى الخارجية لا الدفينة الداخلية. تظل اعمال فيلاسكيس بمثابة درس من الحياة والفن فتح الطريق لواقعية من نمط جديد تركزت على صدق التعبير الفني الذي ظل بالنسبة له مرهوناً بصدق درجة اللون، وقد أكد حرية الفنان في فحص الحياة ومناقشتها والاخلاص لها، قد عكست انتصاراً لهذا الاسلوب الذي بدأ يحيا من جديد في اوروبا في الوقت الراهن، فباعتقاد العديد من الفنانين المعاصرين ان الاسلوب الواقعي في الفن، انتصار للعقل الثاقب والعين الرائية.
- آخر تحديث :




التعليقات