عاد النجم الكوميدي جيم كاري لصدارة قائمة ايرادات الافلام بامريكا الشمالية بفيلمه الجديد (سلسلة أحداث ليموني سنيكت السيئة) (Lemony Snicket's A Series of Unfortunate Events) وحقق مبيعات تذاكر قدرها 30.2 مليون".طرح العرض من خلال نص للكاتب المسرحي فلاح شاكر وعنوانه "في أعالي الحب" احد أوجه المجتمع العراقي المأساوية أيام الحرب العراقية الإيرانية ،حيث مزج الأسطورة بالواقع والحدث الحياتي المعاش بالفنطازيا في شكل نص معبر غني بالمعاني والدلالات الإنسانية . نجح المخرج الهولندي في قراءة النص المترجم إلى الهولندية، ترجمه "الشاعر شعلان شريف" إخراجاً وخصوصاً لدور الجني الذي أدتهالممثلة الهولندية الشابة أنا ماريا بحرفيه عالية متعت المشاهد بذكاء أدائها وخفتها وتجسيدها لمفردات الشخصية،حيث تستحق منا أن نرفع لها القبعة عالياً، بينما كانت قراءته لدور الشخصية الثانية في العرض وهي المرأة ( زوجة الشهيد ) التي أدت دورها الممثلة الهولندية بيترنيل بول مان ضعيفاً ولم يرتق لما في النص من قيمة فنية أراد من خلالها الكاتب فلاح شاكر أن يظهرها للقارئ . فضفتا النص الجني والمرأة، كانتا غنيتين بالدلالات والمعاني التي تجسد حالا من اللا معقول في الواقع العراقي أيام الحرب وهذه هي الثيمة الرئيسة في النص، فتصوروا امرأة يخرج لها جني يسألها عن أمنياتها فتقول له: لا أريد شيئاً ، وعندما تطلب منه ثانية بعد توسل الجني لها يكون طلبها اكبر من أن ينفذه جني بائس،وهنا تبدأ المفارقة، جني يعرض خدماته على امرأة وحيدة فتطلب طلبا أكبر من قدرات الجني.

الجني: شبيك لبيك عبدك بين أيديك، أأمريني فألبي.
المرأة: وماذا أريد.
الجني: (بارتباك واستغراب) ،أي شيء، أي شيء تطلبينه يامولاتي.
المرأة: لا أريد شيئاً.
الجني: ماذا. ......
المرأة (ببرود) هل لك أن تنفذ أمراً أريده.
الجني: (بفرح) مولاتي ..يسعدني أن...
المرأة: أوقف هذه الحرب المجنونة(يقف الجني مترددا) لم لا تفعل؟ .

بهذه الفنطازيا وبهذه القوة افتتح فلاح شكر نص مسرحيته" في أعالي الحب" ،ليضع أمامنا وبقوة ثلاثة محاور رئيسية في العمل ستستمر معه حتى النهاية ،الأول: الحرب وتداعياتها وما سيبنى عليها من أحداث لاحقاً، وثانياً:المرأة التي تمثل نصف مجتمع مدمر جعلته الحرب منغلقا على نفسه يداوي جراحه ،وثالثاً: جني مشاكس يشكو ظلم القانون الذي يحكمه بسبب أنه لم يقدر على حل مشكلة سابقة لامتناعه عن تنفيذ رغبة لرجل سابق لقتل امرأة يحبها.(كأنما يقول أن حتى الجان في العراق لهم مواقف وقضايا ويستطيعون ان يرفضوا وهم المجبولين على الطاعة). تستمر أحداث العرض لتتحول العلاقة إلى حب بين جني له تجاربه الفاشلة في أرضاء أسيادة السابقين ، وبين امرأة أفقدتها الدنيا كل شيء سوى قلب ينبض بالحياة فأحست بجني خرج من قمقم بداية جديدة لها كدلاله على حب وهمي بين أنس وجان .

المرأة:أيها الغبي أنك تعرف.
الجني: أعرف ماذا؟
المرأة: تعرف أني أحبك.
الجني: (بفزع وكأنه لسع) لا رجوتك سيدتي لا ... ابعدي هذا الوهم عن ذهنك، دعي قلبك خارجنا،أنا ...أنا لا أعرف الحب ،لا قلب لي .
المرأة: لا قلب؟ عصيانك لأسيادك السابقين يضع في صدرك أجمل قلب.


أننا أمام واقع جديد فالمرأة التي فقدت حبيبها أثناء الحرب شهيدا، اختارت أن تكون لا مبالية أول الأمر، لتعود وبتأثير أمانيها ورغباتها وتجاوب الجني معها كقضية وكإنسانه إلى أن تحب من جديد. ولكن حتى هذا الحب هو نوع من الفنطازيا واللامعقول، فهي تحب جنيا رغم أنه لم يفصح عن حبه أول الأمر وإن أعترف لها بحبها في النهاية. فالجني كان يستعطف سليمان النبي في تحويله إلى إنسان نتيجة ما شعره من حب للمرأة . فالحب الذي يغمره الآن يفوق خشيته من ان يحترق إذا ما عصى .

الجني: أبدا...الدموع حاضرة ،أينما دارت أبصارنا نجد سبباً للبكاء...ودائماً نحلم بسعادتنا... سعادة مؤجلة...نقترب أليها ونبتعد في كل خطوة نقول اقتربنا...ونجد مآقينا تسقينا ،أننا مؤجلون حتى جنة القيامة أو القيامة ستهدينا جهنمها فتحترق دموعنا ونرتاح .. نرتاح...نرتمي في ألم أبدي لا يقظ مضجعة أحلام تراودنا وتغادر ...لا تبكي يا حبيبة(المرأة باندهاش وفرح غير مسيطر عليه)
المرأة: حبيبة؟
الجني: (بارتباك ) هكذا كان سيقول لو عاد من موته أو لم يكن قد مات.
المرأة: أنه أنت
الجني:أنا جني
المرأة: لم تكن كذلك قبل لحظات
الجني: (بارتباك وألم) كنت...كنت أمثل...امثل لو أنه
المرأة: لو أنك
الجني: لا ...رجوتك ...يا مولاتي
المرأة: بل ...بل أنت مولاي
الجني: أغثني يا سيدي سليمان ...شفاعة حولني إلى إنسان..أعرف ...أعرف..أني مرهون إلى قمقمي ولكن ...رحمة بي خذوا خوارقي وأهدوا القلب وهنه أو موته ...اريدني أنساناً يا سليمان الحكيم( صمت بانتظار رد سليمان) لا صوت ...ذلك قدري ... مرهون إلى قدرتي وأعزل من قلبي... سيدتي...ظلام قمقمي أرحم من أجدك جديرة بأن أغير جنسي ولا أستطيع، ذاك حرقي أو جهنمي أرضى بهذا ولكن أريد معك البقاء طويلاً ..لا ...لا أستطيع أن أستشهد.

عموما كان الإخراج موفقا في بعض النواحي ،لكنه لم يعط لشخصية المرأة دورها الذي تستحقه من العرض ،فقد كان الأداء فقيراً وفي كثير من الأحيان أشبه بالإلقاء فقط، لا حركة ولا تعبير يوحي بالذي تنطقه الشفاه ، إلا في مرة او مرتين وخصوصا في المشهد الذي جمعها مع الجني في الجبهة والقصف وأصوات الرصاص، ومشهد الأم وهي تحتضن طفلها الوهمي ،حيث شاهدنا أداء جيدا ومعبرا للممثلة بيترنيل بول مان، كما أن حذف المخرج لبعض الأجزاء من حوار المرأة الموجود في النص الأصلي، وهو حر بالطبع ، كان سبباً أضافياً في ضعف دورها مقارنه بضفة النص الأخرى (الجني) .أما بالنسبة للديكور فقد كان بسيطاً ومعبراً في الوقت نفسه ،فهو كثير التنوع والتلوين بحسب النص ،فهو ساحة للمعركة، وهو بيت، وهو مكان لقمقم الجني، وهو موعد لتلاقي الحبيبين ...الخ ،أما الملابس فكانت ملائمة جداً لطبيعة الشخصيات أعطت حق كل منهما،أما الإنارة فلم يكن لها دور يذكر ولا أعرف لماذا!! لا بل أنها أثرت على العرض عندما لم تتعامل مع مفردات النص بأي شكل من الأشكال ،حيث كان حضورها ضرورياً في كثير من المشاهد من مثل الجبهة وحوار المرأة عندما دخلت إلى قمقم الجني والجني جالس فوقه، والمشهد الذي يسبق خروج الجني من القمقم، ومشهد حوار الأم مع طفلها وغيرها ،وأثرت كذلك على شاشة العرض الخلفية الكبيرة التي ارتسمت عليها بعض الصور والأحداث من ذكريات تنقلك لزمن الحوار في بعض مفاصلة وتعود بك مرة أخرى بصورة عكسية لزمن أخر،حيث كانت غير واضحة بسبب الإنارة القوية التي أفقدتها عمقها وتأثيرها كحدث يتجسد أمام المشاهد.
الموسيقى كانت حاضرة بقوة في العرض من خلال العزف المميز للعراقي ستار الساعدي الذي استخدم آلات عدة لتجسيد الحرب تارة والمواقف الإنسانية تارة أخرى ولكن يحسب على المخرج هنا أيضا، هو جعله لستار متواجداً على خشبة العرض وهو يؤدي وصلاته الموسيقية حيث كان سبباً في تشتت رؤية المشاهد للعرض ،عموماً هناك الكثير الذي يمكن أن يعاد النظر فيه من قبل المخرج وخصوصاً الإنارة ودور المرأة فلو أعطيا اهتماماً أكبر في تجسيد دوريهما لكان لنا كلام آخر.