قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إلى الإعلاميين في كل مكان ممن استشهدوا من أجل تغطية الحق.

ينبغي أن نعترف بأن الإعلام العراقي في ظل دولة ثيوقراطية تُحكَم من وراء العمامة الشيعية والقفطان السني- من المؤسف انخرط في هذا التصنيف حتى التيارات غير الدينية- لا يمكن أن يتمتع بالاستقلالية والمهنية أبداً. ولا يمكن أن يطرح خطاباً يُوثَق بمقدماته الفكرية، بسبب الاختراق الطائفي، وبسبب تحوّل الإعلام إلى وسيلة من وسائل الدعاية الحزبية، ففي العراق عدد واسع من وسائل الإعلام هي وسائل عائدة إلى أحزاب سياسية في الأصل. وفي مقابل ذلك، ثمة مشاكل على صعيد التشريع القانوني الإعلامي، وثمة مشاكل إدارية كثيرة تعمل المحاصصة الطائفية المقيتة على استمرارها.


إنّ الإعلام العراقي يعاني من إدارة تفتقر إلى خبرة العمل الصحفي وتقاليده وشروطه ومؤهلاته، مما تسبب في خلق صورة سيئة عن إعلام المرحلة الراهنة. وراحت الإدارة الجديدة تمارس مركزية متصلبة تستمد قوتها من الأحزاب والتيارات التي تقف خلفها. فقد تسلّم إدارة شبكة الإعلام العراقي حبيب الصدر، وهو لم يكن كاتباً أو إعلامياً، بل فضيلته هي أنه أخو السياسي العراقي ورجل الدين حسين الصدر، وهذه القرابة شفعت له بامتلاك هذا المنصب الحسّاس، وراح الرجل تارة يحوّل الشبكة إلى بوق دعاية في حملة إعادة انتخاب إياد علاوي الذي كان رئيساً للوزراء حينئذ، وتارة يحول الشبكة كلها إلى كاميرا صحفية ترافق كل نشاطات رئيس الوزراء إبراهيم الجعفري، ثم ينقلب عليه، وكان من ضحايا هذا التخبط أن أعطى أوامره إلى عدد من الجنود لطرد الشاعر والصحفي جمعة الحلفي رئيس تحرير جريدة الصباح آنذاك وحمله على الاستقالة تحت رهبة السلاح. وهكذا صرنا نعيد إنتاج ثقافة المرحلة الدكتاتورية، فليس ثمة كبير فرق بين تولّي عدي لقناة الشباب التلفازية أو رئاسته التجمع الثقافي العام في العراق، وتولي أشخاص لا علاقة لهم بالعمل الإعلامي لمؤسسات إعلامية في العراق الجديد. وكان هذا الحادث يؤشر إلى الحرب التي ابتدأت على كل المثقفين غير الدينيين، كالكتّاب والإعلاميين الليبراليين أو اليساريين أو العلمانيين. والغريب أن إقصاء جمعة الحلفي ليس على خلفية تقصير في عمل الرجل، إنما بسبب خلاف شخصي بينه وبين حبيب الصدر، ناتج من عن افتقار المدير العام إلى المؤهلات الإعلامية والثقافية، وهكذا ذهب بجريرة هذا القرار عدد من الصحفيين المعروفين الذين كانوا يعملون في الصباح في ذلك الوقت.


ومع ذلك، فإن الإعلاميين العراقيين استطاعوا أن يكونوا في أحيان كثيرة رقيباً وناقداً لسياسة الحكومة، وعبروا عن موقف ضد العنف والإرهاب وتسلط رجال الدين، ومن أجل ذلك قدم الإعلام العراقي نسبة عالية من الشهداء بين صفوقه ممن انخرطوا في مهمة كشف الحقائق.
لكن الإعلام العراقي طبعاً، إنما هو رئة تتنفس الهواء الملوث في العراق، هواء النزاع السياسي والطائفي والثقافي. هذا يعني، أنه يتحرك ضمن اشتراطات البنية، وليس بوسعه أن يقوّض هذه البنية على نحو سافر. ويبدو أن هذه الفرضية هي التي خلقت سلسلة من المضايقات لإنتاج عمل إعلامي متميز في صحف: المدى، الزمان، الصباح، النهضة، الصحف الأبرز في العراق. أو في قنوات فضائية كـ: العراقية، البغدادية، السومرية، الشرقية.
ومع اعترافنا بوجود قنوات مؤسَّسة على خطاب طائفي صِرْف، كالفرات، وبغداد، والأنوار، لكن هذا لا يمكن أن يكون مدخلاً لتقييم حالة الإعلام في العراق الآن، هل يمكن أن نحكم على الإعلام اللبناني مثلاً من خلال فضائية المنار؟ أو أن نحكم على الإعلام العربي عموماً من خلال فضائية المجد؟. لكن من ناحية ثانية، لا يمكن أن نسمي ذلك إعلاماً من وجهة نظري، لأن الشرط الذي لا يمكن التنازل عنه وهو الذي يجيز أن نسمي هذا إعلاماً أو لا، هو شرط إمكانية التغطية للحدث من دون الخضوع لاعتبارات طائفية أو فكرية مسبقة. وبما أن هذا مستحيل حتى في الإعلام المنتج في الغرب لأغراض تبشيرية مثلاً، فإن الأجدى أن نسمي هذا الإعلام محطة لإذاعة البيانات الخاصة، أو محطة للتعريف وعمل دعاية فكرية معينة.
أنا لا أدافع عن الإعلام العراقي، بل انتقده بقوة، لكن هنالك حقائق يجب أن تُذكر، وفي ظني أن الإعلام الذي يتمكن من طرح السؤال النقدي الجذري في السياسة والدين والمجتمع هو الإعلام الذي يستحق أن يكون مقروءاً أو مسموعاً أو مرئياً، ولذلك كنت دائماً أطالب ndash; في مقالاتي وندواتي- الحكومةَ أن تعبّر عن موقفها من شرعية السؤال النقدي وأحقية طرحه من قبل أجهزة الإعلام والكتّاب والمثقفين. وعندما كنت أعمل في مجلة جدل التي تصدر ببغداد، كتبت افتتاحيتين لأول أربعة أعداد صدرت منها، طرحت فيهما تساؤلاً ناقداً للحكومة يتعلق بشرعيتها على نحو مباشر، بل بشرعية الأحزاب والتيارات قاطبة، إذ تساءلت: هل ستكون هذه الديمقراطية محطة لمراجعة الفكر السياسي لهذه الاحزاب والحركات والتيارات؟ وتسفر المراجعة عن منح الحق الكامل لكل الناس والمثقفين والسياسيين أن يساهموا في خلق قاعدة نقدية غير خاضعة لأية محظورات.


لكن من ناحية أخرى، ينبغي أن نعترف بأن الإعلام العراقي بكل سلبياته، استطاع أن يميط اللثام عن واحدة من أخطر القضايا التي ظلت خافية على معظم المحللين السياسيين الذين يدلون بدلوهم حول المشكلة العراقية العويصة، التي تزداد اعتياصاً يوماً بعد يوم، وهي نجاح الإعلام العربي المتخاذل مع الديكتاتور في حجب حقيقة المأساة الأسطورية التي تعرّض لها الشعب العراقي على يد أعتى سلطة دكتاتورية في العالم. وكما يعلم الجميع، أنّ هذا النجاح مردّه إلى سخاء العطايا والهبات الممنوحة إلى كثرة كاثرة من (المثقفين والإعلاميين والكتّاب العرب، من الذين يرتزقون من الثقافة)، علاوة على النشاط التعبوي المحموم الذي كانت تؤديه وزارتا (الثقافة، والإعلام)، بجعل كل المنافذ والمؤسسات والأشخاص ضمن بطانتهما السياسية، ينطقون بما تشاء، ويسوّغون ما تشاء، ويغوون النفوس غير المحصنة، للإيمان بأيديولوجيا النظام السياسيّ. وهكذا سقط في تهمة الموالاة عدد واسع من الشعراء، والروائيين، والصحفيين، والمؤرخين، والفنانين التشكيليين، وأساتذة الجامعات، والباحثين في الشؤون السياسية والعسكرية، وعدد من السياسيين العرب الخارجين على التقاعد وحصلوا على راتب مجزٍ من النظام، وشمل الولاء كذلك جمهرة من المغنين والمغنيات، والممثلين والممثلات. هذا يجعلنا نتساءل عن مصداقية وأخلاقية الثقافة العربية المعاصرة، التي يتسابق معظم أقطابها على موائد المستبدين، متخلين عن مبدئية الخلق الثقافي الذي يقتضي نزاهة الكلمة ونزاهة السيرة والانحياز إلى الناس في كشف زيف الأنظمة الاستبدادية، ووسائلها لخداع الناس. لكن عندما تكون الثقافة- التي هي الحصن الحصين الذي يحتمي به الناس- بهذا الانحطاط فبمن يلوذ الضعفاء؟.


ووسط هذه الموجة من الحناجر التي خُتِم على أفواهها بالضلالة والدجل والزور والبهتان، ظلت القضية العراقية، تُعرَض في الفضائيات العربية بحسب مقتضيات سياسية غير موضوعية. وقد لعبت قناة الجزيرة الواقعة تحت هيمنة نفوذ عدد من العرب المؤيدين للنظام السابق، دوراً كبيراً في تضليل الرأي العام العربي بحقيقة الأوضاع المزرية التي يتعرّض لها الشعب العراقي، وكلنا يتذكر الحلقة الخاصة عن العراق التي قدّمها (أسعد طه) في برنامجه (نقطة ساخنة)، وفيها أراد أن يترك انطباعاً لدى المشاهد العربي بأنّ المأساة المريعة التي يتعرض لها المجتمع، إنما المسؤول المباشر عنها هو السياسة الأمريكية التي تكيل بمكيالين؛ واحد لإسرائيل، وواحد للعرب، من دون أن ينصف التاريخ والحقيقة فيكشف دور النظام السياسي في خلق مأساة الشعب العراقي بعنترياته الفارغة وحروبه وغزواته للكويت وايران وتضخم ذاته الرمزية. ولم تجرؤ هذه القناة التي تدّعي أنّ (أحكامها مبنية على الاستنتاجات) كما يصرّح القيّمون عليها، أنْ توجه أصابع الاتهام ولو بالإشارة إلى النظام السابق، وتحمله مسؤولية ما يجري. ومن المؤسف، أنّ أسعد طه نفسه، المذيع الذي يتمتع بلغة شاعرية في كتابة تقاريره، قد عاد إلى العراق بعد سقوط النظام، مستغلاً الفوضى الأمنية، وعدم الرقابة، فقدّم حلقة خاصة حول العراق بعد الاحتلال الأمريكي في 9/4، اتُّهِمَ فيها بعدم حياديته في عرض القضية، علاوة على نظرته الطائفية الضيقة، التي ساهمت في إشعال الفتنة الطائفية.
وبإزاء هذا، كنا نفتقر إلى مؤسسة إعلامية عراقية، تحسن عرض المأساة بصورة مقنعة لملايين المشاهدين الذين يجهلون تماماً ماذا يجري في العراق من قتل جماعي منظم، بسبب الأبواق الإعلامية المنتشرة في مختلف البلدان العربية، والتي تُجازى على ذلك من عائدات النفط العراقي، كما هو موثّق في وثائق رسمية، تمّ كشفها مؤخراً أمام القاصي والداني في جريدة المدى.


لكنّ الناظر اليوم، إلى أداء عدد واسع من العراقيين، من مثقفين، وسياسيين، وكتّاب، وإعلاميين، وشخصيات عامة وخاصة، سوف يشعر بالارتياح لتحملهم المسؤولية في كشف المستور الذي يُغضِب أصحاب الكوبونات ويُرضي الحقيقة المرة هي أن أخواننا تركوا ظهرنا عارياً واتجهوا للدكتاتور وكوبوناته. وقد حققت الصحافة العراقية قفزة نوعية، بعد تحقيق قسم منها سبقاً صحفياً مثيراً للجدل، كالسبق الذي حققته جريدة (المدى) في نشر فضائح كوبونات النفط. أو في التغطية الميدانية للخبر، ونقل الرؤية الاجتماعية لتطور الأحداث السياسية كما هي. ومن ناحية ثانية، شهدت الأشهر التي تلت سقوط النظام السابق، ولادة عدد من الفضائيات العراقية، التي تحرص على تغطية (الأخبار المحلية العراقية) بكل تفاصيلها، لأنها أحداث ساخنة، ومحطّ أنظار العالم، ولأنها تشبع حاجة المشاهد العراقي المتابع لأحداث بلده.


إنّ ما يُقَدَّم الآن من وثائق ودراسات واعترافات وشهادات في أجهزة الإعلام العراقية؛ أعني الوثائق غير المزيفة، إنما هو مقدمة صالحة لكل من يريد أن يؤرخ لهذه المرحلة من تاريخ العراق. وإذا أردنا أن نقدِّم تاريخاً مثيراً حقاً، فيتعيّن علينا أن نكتب تاريخاً شاملاً للثقافة والمجتمع والاقتصاد والسلطة، برؤية منهجية تجعل من كلّ ذلك حدثاً متجانساً. وبذلك، نتجاوز إحدى هفوات المؤرخين الذين انشغلوا سابقاً بالأحداث، والتغيرات السياسية، دون غيرها من التطورات الخاصة بالثقافة والمجتمع والاقتصاد.

ناظم عودة