قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قال صدام حسين بلغته السوقية المعهودة إثناء محاكمته يوم الأربعاء 15/3/2006 ، مخاطباً القاضي العراقي رؤوف رشيد عبد الرحمن، رئيس المحكمة الجنائية العليا التي يمثل أمامها صدام وسبعة من أعوانه: (لو لا أمريكا، quot;لا إنت ولا أبوك quot; تستطيعان إحضاري للمحكمة).

ولأول أول مرة، أتفق مع ما قاله الرئيس العراقي المخلوع. نعم لولا أمريكا، لما حضرت للمحكمة ولما زلت تواصل هوايتك المفضلة إلى نفسك في إذلال واضطهاد الشعب العراقي ونشر المقابر الجماعية. لذلك فنحن نشكر أمريكا على هذا الصنيع الإنساني الجميل بإذلال الطغاة من أمثالك. وسوف يبقى الشعب العراقي مدينا بالفضل للشعب الأمريكي وقيادته الشجاعة، وإلى كافة الشعوب التي ساهمت في تحرير العراق من أبشع نظام دموي عرفه التاريخ. فمعظم العراقيين ليسوا ناكرين للجميل.
لقد علق أخوة كثيرون من الكتاب على سلوك هذا الشقي البلطجي وأعوانه في المحكمة وتغطرسهم فيها ووصفها بأنها quot;مهزلة وغير شرعيةquot;. فالكل يعلم كيف كانت المحاكم البعثية القرقوشية في عهد نظامهم المقبور، حيث كانوا يحاكمون العشرات من المتهمين الأبرياء ويصدرون حكم الإعدام بحقهم وينفذونه بهم في نفس اليوم.nbsp; و بتصرفاتهم السوقية هذه فقد كشف صدام وزمرته للعالم عن مدى انحطاط اخلاق هذه العصابة المافيوزية التي استطاعت على حين غفلة من الزمن أن تتسلط على رقاب الشعب العراقي وتحكمه نحو 35 عاماً وتهلك الحرث والنسل. لقد حكم حزب البعث الفاشي شعب العراق بالنار والحديد، وقضى على كل شيء يمت إلى الحضارة والإنسانية وأحال الشعب إلى عبيد، والوطن إلى أكبر سجن ومقبرة جماعية في العالم. والحالة هذه كيف يمكن للعبيد الأسرى أن يتحرروا وقد قضى صدام حسين على كل من شك في ولائه له بمجرد النظر إلى عينيه!! أجل، كيف لهذا المجتمع المخصي أن يثور وينجح في ثورته ويتحرر من عبودية البعث ويجلب صدام وأعوانه من آذانهم إلى المحكمة لولا أمريكا؟ ومع ذلك فمن الظلم القول أن الشعب العراقي لم يثر. بل ثار مراراً وقام بانتفاضات مسلحة ولكن لشراسة القمع وتعقيدات الداخل والخارج انتهت هذه الانتفاضات بالفشل والمقابر الجماعية. لذلك كان على الشعب العراقي أن ينتظر إلى أن يكمل التاريخ دورته ويجعل من مصلحة أمريكا أن تشن حرباً على الإرهاب ومنظماته والحكومات التي ترعاه مثل حكومتي البعث وطالبان. وهذا ما نسميه بمكر التاريخ، أو حتمية التاريخ. (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين).

في السبعينات من القرن المنصرم، ترددت حكاية في الأوساط الشعبية العراقية مفادها، أن بعثيين في محافظة الكوت (واسط) حاولوا إقناع ممثل الحزب الشيوعي العراقي في اللجنة المحلية للجبهة quot;العتيدةquot; أن يتبرأ من حزبه وينتمي إلى حزب البعث. وقد حاول الشيوعي إقناعهم بالتي هي أفضل بأن يتركوه لحاله وأن العملية غير ممكنة لأنه معروف في المجتمع كشيوعي، وتحوله من شيوعي إلى بعثي سيكون له صدىً سيئاً على سمعته وسمعة الحزبين. ولكن الرفاق البعثيين لم يقتنعوا. وتواصل الحكاية، أن في أحد الأيام اختطف الرفاق البعثيون حليفهم الشيوعي وتوجهوا به إلى خارج المدينة واختلوا به في مكان بعيد عن الأنظار. وهناك أخرجوه من السيارة وراحوا يعذبونه جسدياً ويهددونه بالموت ما لم يتحول إلى بعثي، فأصر الرجل على موقفه. وعندما يأس الجلادون من تحقيق غايتهم منه، وضع أحدهم حذاءه على رأس الضحية الشيوعي وسأله (وماذا تقول الآن؟). عندها وافق الشيوعي أن يتخلى عن حزبه وينتمي إلى حزب البعث. ولما سألوه لماذا لم يوافق من البداية ليوفر على نفسه كل هذا العناء؟ فأجابهم: (لأني الآن فقط اقتنعت أنكم جميعاً أيها البعثيون مررتم بهذه المرحلة التي أمر بها أنا، فقبل أن يصير العراقي بعثياً، لا بد وأن يهبط إلى مستوى الحذاء، لذا فأنا أعطف عليكم جميعاً لأنكم عانيتم مثلي ومررتم بهذه التجربة المرة وهبطتم إلى مستوى الحذاء لتصبحوا بعثيين.)

هذه يا quot;سيد الرئيسquot; كانت حالة العراقيين خلال حكمكم quot;الزاهرquot; وبهذه الطريقة عاملتم الشعب العراقي. وهذه حالة معظم الشعوب العربية على أيدي حكامها، إذ دمرتم في المواطن آدميته وكرامته وشعوره بالمواطنة، وجعلتم من أسمى أمانيه أن يهجر الوطن بلا رجعة بحثاً عن الخبز والكرامة. فكيف يمكن لشعب هذه حالته أن يأتي بك إلى المحكمة؟ شعب قام الجلادون من حزبك بإخصائه. فكما قال العلامة علي الوردي، أن الشعب العراقي حكمه حتى الخصيان المماليك في العهد العثماني. فلماذا نستغرب أن يتسلط عليه شقي مثلك في هذا الزمن الأغبر؟ ليس هذا فحسب، بل وينبري كثيرون من عبيدك الآن، في الدفاع عنك وعن حكمك الفاشي المقبور، سواء بالسلاح أو بالقلم. أنك يا صدام تمثل الحاكم العربي النموذجي ولو بشكل مضخم، لا يتخلى عن الحكم إلا عن طريق الموت أو الانقلابات العسكرية، وفي حالتنا العراقية، عن طريق الحرب عليك من المجتمع الدولي، لأن خطرك لم يتوقف على الشعب العراقي فحسب بل تجاوز ذلك وصرت تهدد الأمن والسلام العالميين.
أنك نرجسي إلى أبعد الحدود، ولاشك أنك أنت المقصود في قصيدة نزار قباني بعنوان: (السيرة الذاتية لسياف عربي) التي جاء فيها:

أيّها الناسُ :
لقد أصبحتُ سُلطاناً عليكم،
فاكسروا أصنامكم بعدَ ضلالٍ،
واعبدوني ..
إنّني لا أتجلّى دائماً
فاجلسوا فوقَ رصيفِ الصبرِ ،
حتّى تبصروني .
أتركوا أطفالكم من غيرِ خُبزٍ ..
واتركوا نِسوانَكم من غيرِ بعلٍ
واتبعوني ..
إحمدوا اللهَ على نعمتهِ
فلقد أرسلني كي أكتبَ التاريخَ،
والتاريخُ لا يُكتَبُ دوني.
إنّني يوسفُ في الحُسنِ،
ولم يخلقِ الخالقُ شعراً ذهبيّاً مثلَ شعري
وجبيناً نبويّاً كجبيني..
وعيوني..
غابةٌ من شجرِ الزيتونِ واللّوزِ،
فصلّوا دائماً .. كي يحفظَ اللهُ عيوني.
أيّها الناسُ:
أنا مجنونُ ليلى
فابعثوا زوجاتكم يحملنَ منّي
وابعثوا أزواجَكم كي يشكروني..
شرفٌ أن تأكلوا حنطةَ جسمي
شرفٌ أن تقطفوا لَوزي.. وتيني
شرفٌ أن تشبهوني ..
فأنا حادثةٌ ما حدثتْ
منذُ آلافِ القرونِ..

أجل أيها السياف العربي أو(أبو طبر) كما نقول بالعراقي، فكما قال الصديق الكاتب حسن أسد وآخرون، أنت أيضاً يا صدام مدين لأمريكا، فلو سقط نظامك على أيدي العراقيين لحاسبوك على طريقتهم المعروفة في التاريخ، ألا وهو السحل، ولا فخر، ومزقوك مع أعوانك جميعاً، إرباً إربا. فبعد سقوط نظامك، هربت ليس من الأمريكان، بل من العراقيين، لأنك تعرف كيف سيعاملك العراقيون لو ظفروا بك، لعملوا بك كما عملوا بتماثيلك حيث أسقطوها وانهالوا عليها ضرباً بالنعال كتعبير عن مشاعرهم نحوك. وكما تعلم، فنعال أبو تحسين هو النعال الوحيد الذي دخل التاريخ لهذا السبب. لذا فأمريكا هي التي فرضت على العراقيين محاكمتكم بالطرق القانونية، فاستغلتم أسلوب المحكمة الحضاري ولين القضاة واخلاقهم الراقية والتزامهم بقوانين سير المحاكمات الأصولية، فتظاهرتم بالبطولات الزائفة ورحتم تتطاولون على القضاة بمنتهى الوقاحة والرعونة والصفاقة والصلافة. إن منظرك إثناء إخراجك من حفرة العنكبوت كشف بكل وضوح هزالك وجبنك وتهالكك على الحياة حتى في أشد الأوضاع ذلاً. فلو كنت شجاعاً حقاً لدافعت عن نفسك وكان معك السلاح، إلى أن تموت، فكان على الأقل بإمكانك منح عملائك فرصة الادعاء بالدفاع عن كرامتك وأنك اخترت الموت بشرف. ولكنك اخترت، والحمد لله، أن تحرمهم من هذه quot;المنقبة!!quot; مما اضطر عبيدك أن يدعوا بأن الشخص الذي أخرجوه من حفرة العنكبوت لم يكن صداماًً بل تمثيلية!!!!! وهذا يكشف هزال عقلية واخلاق هؤلاء العبيد.
في الحقيقة، ليس الشعب العراقي وحده مدين لأمريكا، بل كل البشرية مدينة لهذه الدولة العملاقة التي اتخذت على عاتقها إسقاط الأنظمة الفاشستية المعادية للبشرية ونشر الحرية والديمقراطية. فلولا دور أمريكا في الحرب العالمية الثانية لكانت البشرية كلها خاضعة الآن تحت حكم النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والعسكرية اليابانية، ولما تمتعت الشعوب الحرة بهذه الأنظمة الديمقراطية. ولولا أمريكا لانقرضت شعوب البلقان بالكامل، وبالأخص المسلمة منها على أيدي الفاشية الصربية. ولولا أمريكا لأبيد شعب تيمور الشرقية عن آخره. ولولا أمريكا، لكانت جميع دول شبه الجزيرة العربية، بما فيها المملكة العربية السعودية ترزح الآن تحت نير حكم صدام حسين بعد أن غزا الكويت. هذه الحقائق لا ينكرها إلا الجاهل والمكابر العنيد أو من أنصار الفاشية وحكم الطغاة الذين استلذوا العبودية واستطابوا العيش أذلاء، فالخفافيش لا تقوى على رؤية شمس الحرية. نعم، إنها لمفارقة وازدواجية في السلوك العربي أن 80% من العرب يكرهون أمريكا ويناصبونها العداء، ولكن في نفس الوقت يتمنى 60% منهم الهجرة إليها والعيش فيها كما أظهر ذلك تقرير التنمية العربية للأمم المتحدة لعام 2002. وأنا أعتقد أن النسبة أكثر من ذلك بكثير، بل وحتى الحكام العرب أنفسهم يحلمون بالعيش في أمريكا.
أيها السياف العربي، النرجسي الذليل، أنت مدين لأمريكا أكثر من أي إنسان آخر، فأمريكا هي التي جاءت بك إلى الحكم ومدت نظامك بأسباب البقاء، خاصة خلال حربك مع إيران، ودعمتك بسبب تعقيدات فترة الحرب الباردة لأن الخطر الأكبر كان من المعسكر الشيوعي. وبعد انهيار المعسكر الشيوعي وتصاعد الإرهاب الإسلامي الذي رعته أمريكا نفسها، فانقلب السحر على الساحر، وكانت كارثة 11 سبتمبر 2001، نقطة التحول الكبرى في تاريخ البشرية، لذا فكان من مسؤولية أمريكا الإخلاقية إسقاطك. وبإسقاط نظامك الجائر، فقد كفّرت أمريكا عن كل ذنوبها السابقة. فلو سقط نظامك الجائر عن طريق انتفاضة شعبية، كانتفاضة آذار عام 1991 التي سيطرت على 14 من مجموع 18 محافظة، لما كانت هناك محاكمة لك، بل لمزقك العراقيون إرباً إربا. ومهما تبجحت وتطاولت في المحكمة، فأنت ذلك الذليل القذر منفوش الشعر الذي أخرجه الأمريكان من حفرة العنكبوت. وهذه هي صورتك الحقيقية التي ستلازمك بكل استحقاق كلما جاء ذكرك في المستقبل.