قال علماء السياسة منذ أفلاطون إلى أحمد البغدادي المفكر السياسي الكويتي البارز أن السياسة فرص. وأن الفرصة السياسية التي تمر دون أن نستثمرها تضيع علينا، مثلها مثل الفرص المالية والفرص العاطفية. فكم من قلوب خفقت لقلوب لم تستجب لها فضاعت الفرصة، وعندما عادت القلوب التي لم تستجب واستعدت للاجابة كانت طيور الحب قد طارت بأرزاقها. فلم ينفع المرحوم عرفات قبوله بمقررات كامب ديفيد في يونيو 2002 وهو في حصاره في رام الله بعد أن كان قد رفضها في 1999. لأن هذا القبول كان "قبول الزنقة"، وليس "قبول القناعة". بعض الحكام العرب لا يعودون إلى العقلانية السياسية والى الواقعية السياسية إلا وهم محشورون في (خانة اليك) وخانة اليك في لعبة الطاولة هي الحشْرة والزنقة التي ما بعدها من حشْرة وزنقة.
هناك فرق كبير بين الحاكم العربي الذي يمد يده للمعارضة وهو في عنفوان قوته فتلك اليد للبوس، وبين الحاكم العربي الذي يمده يده للمعارضة وهو في أدنى درجات الضعف والزنقة فتلك يد للدوس. وللأسف فإن معظم أيدي الحكام التي تمتد للمعارضة في الداخل لانهاء الصراع الداخلي أو الأيدي التي تمتد للخارج لانهاء الصراع الخارجي لا تمتد إلا عندما يدرك الحاكم بأن القارعة قد قرعت، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن وقت الرحيل قد حان، وأن الرؤوس قد أينعت وحان قطافها، فيطلب النجدة من الدفاتر القديمة التي أهملها في الماضي ولم يقبل حساباتها.
معظم الحكام العرب على شاكلة الراحل عرفات ليسوا برجال دولة، وليسوا بصناع السلام. فالسلام أكثر عسرة من الحرب ، خاصة إذا كانت هذه الحرب حرباً على الطريقة العربية: سبعة أيام وسبع ليال،ٍ وكان الله في السر عليم، حيث يضيع فيها الولد والبلد.
الزنقة الوحشة هي التي تدفع بعض الحكام العرب لأن يخلعوا ملابسهم بدون شروط مسبقة، وبدون تحديد للأسعار وبغض النظر عن الشريك المقابل. كله لا يهم، المهم خلاص الحاكم من الزنقة التي هو فيها.
هكذا هي السياسة العربية، سياسة الزنقات والحشْرات.
فيوم تُحشرون يوم تستسلمون.
ويوم تزنقون يوم تخلعون ستربتيز أو ملط.
بعض الحكام العرب يعتبرون أنفسهم هم الأذكياء وباقي ساسة العالم مهابيل. وما أن يتم كشف بعضهم بواسطة المجاهير السياسية المكبِرة والحديثة حتى يرفعوا عقيرتهم بنكران العالم لليد المباركة الممدودة.
كيف يمكن لنا أن نبوس يد الحاكم الممدودة للسلام بينما هو في اليد الأخرى يتدخل في شؤون الدول المجاورة الصغيرة والوادعة. فيمدد لحكامها الولاية، ويشكِّل الوزارات، ويحمي المليشيات، ويزور الانتخابات، وينظم مسيرات المليون من الدهماء والغوغاء التي تُستفتي فتفتي بـ 999 و 99 بالمائة؟
كيف لنا أن نبوس يد الحاكم الممدودة للسلام بينما اليد الأخرى تفتح الحدود، وتهدم السدود بينها وبين الديكتاتورية المنهارة، وتسمح للارهابيين بعبور الحدود، وتزودهم بالمال والسلاح وفناوى الجهاد؟
من النادر أن تجد يداً ممدودة لحاكم عربي تستأهل تنباس أو توضع على الراس. في حين أن كثيراً من هذه الأيدي لا تصلح إلا للمداس!















التعليقات