قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


يفدُ الإنسان الى هذا العالم رغماً عنه، يفدً بلا إذن منه، فهو مخلوق مجاني، أُلقِيَ به الى مملكة الوجود مكتوم الإرادة، مقموع الإستشارة من البداية... لا يُستدرَج... لا يُرَغَّبْ...لا يُسأل... يكتسب أسمه بإملاء لاهوتي أخرس، ويبقى الأسم صدى فارغاً، حتى يهبه الزمن هويَّةً قد لا تتطابق مع هذاالاسم الجبري.
يخرج الإنسان من حومة العدم الى حومة الوجود بقرار مسبوك من ملكوت غائب عن حواسِّه، حتى الأسباب الطبيعية التي تسهم بصيرورته غائبة عن وعيه، فهي تصوغ شكله ومضمونه طبق عمائها السادر، قسوتها الغبية الجاسية، تقهره طبق منطقها الصارم، فهو مخلوق للأخر، مخلوق كي تمارس القوى القاهرة على روحه وجسده لعبة طغيانها الواعي او المفقود.
اللحظة الاولى في تاريخ الوعي بالنسبة للانسان هو الشعور بهذا المجانيَّة الوجودية، لم تكن بسعيه، ولا بعطائه، ولا بقراره، ثمَّ الشعور باسمه القدري، الاسم الذي التصق به عبر سلسلة من الخضوع لنداء هو الآخر من خارج تكوينه بالمرّة، فكان الاسم والمُسمّى من سياقات الجبر المفروض، يتماهيان من فرزهما معاً في لجة الموت الإرداي، بل في غياهب الموت القصدي.
يقولون :
ياتي الانسان إلى هذه الدنيا عاريا !
يأتي الى هذه ا لدنيا بريئا ّ!
ياتي الى هذه الدنيا خالصا...
يأتي الى هذه الدنيا محايداً كما يدّعون.
أحقا يمكن نسبة الفعل هذا الى الإنسان، فتنشأ لنا جملة مفيدة في حساب الواقع المشهود والمقروء والمفهوم ؟ أم هي لغة تتحايل على القدر لتوهمه بانّه مجرد فكرة عابرة ؟ أم هي من فنون القدر كي يخفي جبروته المخيف ؟ ام هي لغة تفاهم صامت بين القدر الحاكم ورغبة الإنسان الخفية بالحرية المفقودة ؟
لم يأت الانسان إلى هذه الدنيا، بل جاءوا به...
جاؤوا به عُرياناً لكي يشهد على مجيئه قسراً الى الوجود، جاؤوا به خالص الذات لا ليمارس حريته، بل ليملاه القدر ما يشاء، جاؤوا به يصرخ لكي يقول ان بداية الوجود ألم، ومسيرته الم، ونهايته ألم، جاؤوا به محايداً كي يسهل تطويعه وتلينه لإمضاء القدر، جاؤوا به واعطوه اسماً ليس له فيه خيار، كي يشعر بالعبودية منذ البداية، كي يطبعوه على الطاعة المطلقة منذ الايام الاولى، لماذا لم يؤخّروا تسميته حتى يكتمل الوعي ؟ لماذا يبقى الاسم هذا لصيقا به حتى إذا خالف المُسمَّى ؟ حتى إ ذا لعنه التاريخ، حتى إذا رفضته الجغرافية.
يقولون...
جاء الى الدنيا، فيما هو قد جيء به الى الدنيا...
كيف يتحوَّل المفعول به الى فاعل ؟
كيف يتحوَّل الفعل المبني للمجهول الى فعل مبني للفاعل ؟
وجود مجاني !
نعم
أليس من حقه ان يعلم مُسبقا بإخراجه من العدم الى الوجود ؟ من قال إنّه سوف يختار عالم الحواس المُبتلاة ؟ سوف يختار عالم العقل المأزوم ؟ عالم الإرادة المسلوبة ؟ عالم العاطفة المحترقة ؟
وجود مرغوم عليه، ليس مضطرا أليه، بل مرغوم عليه، فهو لم يكن فكان، لم يكن موجوداً ذا أزمة فاختار لونا من الحياة إضطرارا لمعالجة هذه الازمة، بل وجود مجاني بكله، برمَّته، بظاهره وباطنه، بحقه وباطله، كيان مصطنع، خليقة أمضتها إرادة يعرفها وقد لا يعرفها فيما بعد، فكم هي مأساة كبيرة يا ناس ؟
هل وافد على هذا الوجود ؟
هل هو زائر ؟
هل هو صديق ؟
هل هو عدو ؟
لما كان الإنسان في العالم رغماً عنه تضيع القدرة على تعليم الجواب حتى على مستوى الظن، بل حتى على مستوى الوهم، حتى على مستوى الإهمال...
جيئ به رغماً عنه، فيعيش المأساة رغماً عنه !
إيمانه لعلاج هذا الوجود المجاني... كفره لعلاج هذا الوجود المجاني... شكوكه لعلاج هذ االوجود المجاني... ولا حل يُرتَجَى، ولا مخرج ينتهى الى خلاص...
يهرب من مواجهة الوجود المجاني... يهرب... لا يسأل لماذا جاؤوا به، لانّه يخاف، يرتعب من السؤال لان جوابه أكثر رعبا، سؤال يحمل إنذاراً للانسان بالإنتحار أو الجنون أو النسيان الأبدي...
وجود مجاني...
كم هو هش هذا الوجود ؟
كم هو هامشي ؟
لا يفصح عن ذاته صراحة لانّه يخشى من فضيحة الإستجداء التي فُرضت عليه، وهل تظهيره من العدم الى الوجود بغير إرادته إلاّ إستجداء مفروض ؟
لا يفصح عن وجوده صرحة لانّه يعرف إنّه مُدان من داخله...
وجود مجاني...
وكيف لا يكون مجانيا وهو غير زمني من الأساس ؟
ولكن كيف الخلاص ؟
بالنسبة لي الجنون هو الخلاص...

اليائس غالب حسن الشابندر