قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ليس في حضارة فارس ما يعاب لكنها الحقوق البلدانية

ما كنت أطرق هذا الموضوع لولا تعنت الباحثين من مستشرقين وعرب في استبعاد نسبة شخصيات بارزة في تاريخنا الديني والمذهبي والأدبي إلى العراق. فكم سمعنا بفارسية النبي والفيلسوف ماني، وكم سمعنا بفارسية الإمام أبي حنيفة النعمان، وكم سمعنا بشعوبية أبي نواس وتعصبه للأعاجم ضد العرب، لأنه فارسي الأصل، وقرأنا خبر فارسية الفقيه الحسن البصري وهو عراقي من أهل دست ميسان (العمارة اليوم)، وقرأنا خبر فارسية الشيخ معروف الكرخي، لأن والده يعرف بفيروز. ولا ندري، متى كانت الأسماء أدلة قاطعة على الأُصول؟. ومثلما قرأنا خبر فارسية أبي نواس، وهو من العصر العباسي الأول، سمعنا في القرن العشرين بفارسية محمد مهدي الجواهري، لا لشيء إلا لأنه تغزل بطبيعة تلك البلاد، مع أنه يعرف قبور أهله لأربعمائة سنة في أرض النجف، وهو القائل في قصيدة "عدنان المالكي":


أنا العراق لساني قلبه.. ودمي
فراته .. وكياني منه أشطار
لو شئتُ كافأ مثقالاً أُصرِّفه
شِعراً من الذهبِ الإبريز قنطار


ولد قريباً من بابل (القرن الثالث الميلادي). قال البيروني: "كانت ولادة ماني ببابل في قرية تدعى مردينو من نهر كُوثى الأعلى"(البيروني، الآثار الباقية)، تلك التي نسب الإمام علي نفسه إليها (الحموي، معجم البلدان). وقال النديم في الفهرست حول والد ماني: "لحق بقوم كانوا بنواحي دستميسان (العمارة) معروفة بالمغتسلة (وهم الصابئة المندائيون) وبتينك النواحي والبطائح بقاياهم إلى وقتنا هذا (القرن الرابع الهجري). وكانت امرأته حاملاً بماني". ومقالاته في النور وتناغم اسمه مع المانا (ملاك سامي أو عقل) كلها تدل على انحداره العراقي المندائي. قال ماني مؤكداً نسبه لبابل: "إنني أنا الرسول الشكور، المبعوث من أرض بابل"(نغوين، ماني والمانوية). وهو القائل: "أنا ماني رسول إله الحق إلى بابل". وقيل: إنه الفارقليط الذي بشر به السيد المسيح، وهو خاتم النبيين(البيروني، الآثار الباقية). ومثل الأوزاعي الذي حكم بالقتل صبراً على غيلان الدمشقي والغزالي الذي أفتى بقتل الأطفال، والفقهاء الذين أفتوا بقتل الحلاج أفتى فقيه المجوس كرتير بقتل ماني (277ميلادية)، بعد أن خلا العرش لعدو الدعوة المانوية بهرام الأول، التي كادت تطبق على العرش الساساني، بتهمة الإساءة إلى العقيدة المجوسية.
ليس هناك إشارة إلى فارسية ماني بن فاتق غير أن العراق كان تحت الحكم الفارسي، وأنه إنطلق بدعوته من بابل إلى إيران والصين والهند، بعد أن نشأ بدستميسان بين المندائيين ليُنحت اسمه من الكلمة الصابئية المانا، وهي تفيد أكثر من معنى أبرزها ذرة العقل أو النفس. طارد العباسيون المانوية تحت تسمية الزندقة، وكثر القتل فيهم أيام المهدي بن المنصور، بعد الإنتشار في الآفاق. وفي ظل الفكر المعتزلي آمنهم المأمون وأشركهم في مجالس المناظرة، ولما طلب من أحد رؤسائهم الدخول في الإسلام أجابه المانوي بالقول: "قولك مقبول، ولكنك ممَنْ لا تجبر الناس على مذاهبهم"(النديم، الفهرست)، فقبل المأمون منه ذلك ووكل به مَنْ يحفظه مِن تجاوز الغوغاء.
وليس تأكيدنا على عراقية ماني موجهاً ضد الحضارة الفارسية، فهي من الحضارات العريقة، التي ليس فيها ما يُعاب وتُشرف المنتسب إليها، لكننا نريد القول: إن أرض العراق لم تكن جرداءَ قبل دخول الفرس مثلما لم تكن جرداءَ قبل دخول العرب ثم الأتراك، ليكون أكثر أبناء شعبنا تبعية حسب قانون 1925، ويلقون كغرباء غير مرغوب فيهم خارج الحدود، بتعصب قومي فاشي لا يرحم، مثلما هُجر يهودنا من قبل، واليوم تشتد المضايقات ضد مواطنينا من المسيحيين (أشار إلى محنة هؤلاء مؤرخنا الدكتور سيار جميل في مقال حريص له بإيلاف 27 تموز 2004) والصابئة المندائيين، أما الأيزيديون فيعصمهم الجبل من هول التكفير ومحاولة شطبهم من العراق.
انحدر صاحب العمامة السوداء الحسن البصري من دستميسان، وهي "صقع بالعراق"(ابن خلكان، وفيات الاعيان، الذهبي، سير اعلام النبلاء، ابن قتيبة، المعارف)، وقد سُبي أبواه، والده يسار وأمه خيرة، عندما فتح تلك المنطقة المغيرة بن شعبة، يوم كان الأخير والياً على البصرة، ثم عزل عنها بتهمة الزنا مع امرأة تعرف بأم جميل. اختصت والدة البصري بخدمة إحدى زوجات الرسول، أم سلمة، بالمدينة، وقيل أن أم المؤمنين المذكورة كانت تلهي الطفل بثديها اثناء إنشغال والدته عنه، فحلت عليه البركة النبوية، وبهذه الصلة فسر بعض المؤرخين نبوغه الفقهي وورعه وسلوكه المتزن! بينما أرجع آخرون هذا النبوغ المبكر إلى "تحنيكه" من قبل عمر بن الخطاب، بعد أن عرضته أم سلمة عليه. لم يطل الحسن البصري المكوث في المدينة بعد وفاة والده، فعزم على الرحيل إلى البصرة، فالمجال العلمي هناك أرحب، ولعلَّ الحنين قاده إلى بيئة آبائه، فالعلاقة بالأصول تكفي أن تكون سبباً ودافعاً للعودة! رغم أنه لا يملك فيها غير خص، أو كوخ من قصب، شهد بذلك الحجاج بن يوسف الثقفي، عندما قصده بالقول: "صاحب العمامة السوداء من أخصاص البصرة"(الجاحظ، البيان والتبيين). ورغم تضلع الحسن البصري بالعربية وولادته بالمدينة، بعد أن سبيت والدته وهو جنين في بطنها، إلا أن انحداره عن أصل آرامي، جعل البعض يشك في قدراته اللغوية، ويتجاوزه "إلى أصحاب العربية ليتعلم منهم"(نفسه). ومصدر هذا التشكيك اختلاف قراءته القرآن عن الشائع من القراءات، أو تحلق الموالي حوله في مسجد البصرة.
مابين ماني رسول بابل وأبي حنيفة النعمان إمام الرأي آصرة المكان والمصير، ونسبتهما إلى الفارسية خطأً، فهما عراقيان عاشا وقتلا في محيط بابل، وقديماً كانت بغداد بما فيها المدائن تعد من الفضاء البابلي، قال الكردري: "بغداد تسمى ببابل" (مناقب أبي حنيفة). وإن أسس ماني بن فاتق مدرسة فلسفية لها قوة الديانة أسس أبو حنيفة مدرسة فقهية إسلامية لها قوة الفلسفة، اقترنت تسميتها بالعراق. فعرفت بمدرسة العراق أو أهل العراق، وقال أبو العلاء المعري في رثائه لشيخ حنفي:


فالعراقي بعده للحجازيّ
قليل الخلاف سهل القياد


ما غادر أبو حنيفة الكوفة، ولا ترك تجارة الحرير في سوقها، إلا لزيارة الكعبة وزيارة أهل الكلام بالبصرة، وطلبه من قبل المنصور ببغداد. قال الحاجب الربيع بن يونس: "رأيت أمير المؤمنين المنصور ينازل أبا حنيفة في أمر القضاء، وهو يقول: اتق الله، ولا ترعى أمانتك إلا مَنْ يخاف الله، والله ما أنا بمأمون الرضى، فكيف أكون مأمون من الغضب؟ ولو أتجه الحكم عليك ثم هددتني أن تغرقني في الفرات، وأن أتلي الحكم لاخترت أن أغرق، ولك حاشية يحتاجون إلى مَنْ يكرمهم لك، فلا أصلح لذلك، فقال له: كذبت، أنت تصلح، فقال: حكمت لي على نفسك، كيف يحل لك أن تولي قاضياً على أمانتك، وهو كذاب"(الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد).
هناك ثمان روايات صريحة تؤكد نسب أبي حنيفة العراقي، يهملها المؤرخون إهمالاً تاماً. قال الخطيب البغدادي: كان أبو حنيفة النعمان نبطياً، وأنه من أهل بابل، "وربما قال في قول البابلي كذا"(تاريخ بغداد). والبابلي هو النبطي، فابن وحشية (القرن الثالث الهجري)، قال في "الفلاحة النبطية": "فو الله أن الغيرة على الناس تحملني على إظهار علومنا لهم، لعلهم ينتهون عن ثلب النبط"، والكتاب المترجم كان عن الزراعة ببابل. وقال الكردري: إن أبا حنيفة من أهل بغداد، قبل العباسين طبعاً، وقال: إنه من بابل "فبغداد تسمى ببابل". والراويات الآنفة تؤكد تصحيف بابل إلى كابل عند النديم حين قال: "وهو من أهل كابل"(الفهرست)، ولم يأخذ باحثنا اللامع هادي العلوي غير الرواية الأخيرة، ولو قابلها ببابل لظهر له أن أبا حنيفة ليس من بين المسبيين من أفغانستان(شخصيات غير قلقة في الإسلام). وأكدت رواية أخرى كانت ديانة الإمام السابقة المسيحية، وأن اسمه عتيق بن زوطرة، أو زوطى، وهذا ما يؤكد نسبه العراقي أيضاً، فزواطى بلدة عراقية بين واسط والبصرة (الفيروزأبادي، القاموس المحيط).
وبفعل الروايات المغلوطة حول نسب الإمام أبي حنيفة سمعنا ببغداد رأياً، يتراوح بين الجد والهزل: أن يأخذ الإيرانيون ضريح أبي حنيفة مقابل عودة رفات هارون الرشيد من طوس إلى بغداد. ولا ندري، لماذا موالاة أبي حنيفة تصنف فارسية لا عراقية، بينما تصنف فارسية ابن حنبل المؤكدة عربية هاشمية؟ ولماذا تعد المولاة مثلباً على أبي حنيفة، وهو الإنساني في تعامله مع الأديان الأخرى والطفل والمرأة، بينما تعد العروبة حسنة مع مَنْ يمسخ الإنسانية عن غير المسلمين، وعن المسلمين من غير مذهبه؟
في حياة وممات المتصوف معروف بن فيروز الكرخي أكثر من دلالة، تشير بوضوح إلى التنافذ والتعايش الديني والمذهبي بالعراق. فالبلد يتألف من أديان ومذاهب عديدة، ليس هناك ما يعكر صفو هذا التعايش غير السياسة الشوفينية، لاسيما الفتن الدينية والطائفية حين يلعبها السياسيون في الأحوال الحرجة. رغم ذلك لا أجدها بالعراق تحديداً قنبلة موقوتة، مثلما هي في بلدان أخرى. والسبب أن العراق لم يكن كياناً مصطنعاً مجمعاً من ولايات وشعوب بقرار سياسي كما يدعي المدعون تجنياً وجهلاً.
ولد "زاهد الوقت"(ابن تغرى بردى، النجوم الزاهرة) الشيخ معروف الكرخي بقرية من قرى واسط صابئي مندائي الدين، وقيل كان مسيحياً من أهل بغداد، دخل الإسلام عن طريق الإمام علي بن موسى الرضا، وظل قائماً على بابه، وبهذا يكون قريباً من الشيعة بالمسافة نفسها التي قرب بها من السنَّة، بعد أن تحول إلى باب أحمد بن حنبل. قال الأخير بحقه رداً على مَنْ نعته بعبارة "قصير العلم": أمسك! "هل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف"(ابن الجوزي، مناقب معروف الكرخي)؟ لا يفسر هذا التحول إلا بروح الكرخي المفتوحة على كل المذاهب، ولم يناسبه في هذا الطبع غير عالم التصوف، الجامع بين مدائح العلويين الباكي مقاتلهم وبين التزام السنَّة. ولا أجد أممية ابن عربي بعيدة عن طبع الكرخي حين قال ما مطلعه:


لقد كنتُ قبل اليوم أُنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه دانِ


أفاد هاشم معروف الحسني مدعياً اقتباسه من "طبقات الصوفيه" للسَّلمي، و"الطبقات الكبرى" للشعراني، و"الرسالة القشيرية" للقشيري ليثبت فارسية الكرخي. قال: "فارسي الأصل كما يؤكد ذلك الشعراني والسَّلمي والقشيري وغيرهم، وكان مجوسياً ثم أعتنق الإسلام"(التصوف والتشيع). ترى من أي شعراني وقشيري وسلمي اقتبس الحسني معلومته؟ فبعد مراجعة المصادر المذكورة، وبطبعات مختلفة، اتضح أنه لا أثر لهذا التأكيد. فكل الذي قاله الشعراني: "أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي(رض) وهو من جملة المشايخ المشهورين بالزهد والورع والفتوة، مجاب الدعوة، يستقى بقبره، وهو من موالي علي بن موسى الرضا (رض)، صحب داوود الطائي، ومات بغداد، ودفن بها سنة مائتين، وقبره ظاهر يُزار ليلاً ونهاراً"(الطبقات الكبرى).
وما قاله السَّلمي هو: "أبو محفوظ بن فيروز، سمعت محمد بن يعقوب الأصم يقول: سمعت زكريا بن يحيى بن أسد يقول: معروف بن فيروز أبو محفوظ الكرخي، ويُقال معروف الفيزران، سمعت جدي إسماعيل بن نُجيد يقول: سمعت أبا عباس السرّاج يقول: سمعت إبراهيم بن الجنيد يقول: معروف الكرخي هو معروف بن الفيزران، ويُقال معروف بن علي"(طبقات الصوفية).
وأخيراً ما قاله القشيري: "هو أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي، من كبار المشايخ، مجاب الدعوة، يستشفى بقبره، يقول البغداديون: قبره معروف ترياق مجرب، وهو من موالي علي بن موسى الرضا، وكان أستاذ سري السقطي"(الرسالة القشيرية). هذا كل ما قاله الثلاثة، فمن أين جاء هاشم معروف الحسني بمعلومته؟ وأي بحث موثق هذا الذي قدمه للقارئ؟ ما نحتمله في هذا المجال أن الحسني اعتقد تأكيد المصادر المذكورة، دون أن يبحث فيها وهو أمر يفعله الكثيرون، أن يأخذوا من مصادر ثانوية ويدعون مراجعتهم للمصادر الأصل، وهو نوع من السرقة المفضوحة. لقد منح الحسني الكرخي أصلاً فارسياً وديانة مجوسية لا علاقة له بهما قياساً على اسم فيروز أو فيزران. فمن حق الباحث أن يزعم ويبني على ما يريد، لكن ليس من حقه أن يسند زعمه إلى مصادر تاريخية لم يدر ما فيها، وهي من أمهات مصادر الصوفية. فعلى حد إدعاء الحسني يصبح كل عربي أو تركي اسمه اسكندر يونانياً! ولا أظن أن اسكندر جاسم زميلنا في المدرسة الإبتدائية، في عمق الأهوار، كان يونانياً ونحن لا نعلم!
وردت ترجمة الشاعر أبي نواس في "تاريخ بغداد" و"تاريخ دمشق" و"وفيات الأعيان" إلى جانب المصادر التي وردت في النص، والكل متفق تقريباً أن والده كان دمشقياً من جند مروان بن محمد، ووالدته بصرية من الأهواز اسمها جلبان، يوم كانت من ملحقات البصرة. وجلبان حسب ابن منظور "امرأة موسورة بالبصرة، كانت تجمع أولاد الزنا وتربيهم"(مختار الأغاني)، حيث اعتدن المبتليات رميهم على قارعة الطريق، إن لم يستطعنَّ من وأدهم. فعلها الإنساني هذا لا يقل شرفاً مما فعله جد الشاعر الفرزدق يوم كان يدفع ديات البنات في الجاهلية، حتى لا يَئِدنَّ، وقد افتخر بهذا الفعل في قصيدة معروفة، لكن فُسر فعل جلبان بالعار وفُسر فعل صعصعة بن ناجية بالشرف والمروءة!
ولد ونشأ أبو نواس بالبصرة، ثم سكن بغداد حتى وفاته، فقيل: بصري سكن بغداد، ودفن في ترابها. ورغم تقديرنا لمفكري وعلماء البلاد الإيرانية يوم كان سوادهم على الدين الزرادشتي، وبعدها إسهامهم الكبير في الحضارة الإسلامية، فلسفة وفناً وعلماً، إلا أن أبا نواس ليس إيرانياً، كما يذكر معاصرون، وفعلوا ذلك مع ماني ومع الإمام أبي حنيفة النعمان وهو من أهل بابل، ثم نشأ وعاش بالكوفة وبغداد، ومع الشيخ معروف الكرخي لأن اسم أبيه فيروز أو فيزران!
كانت الروايات الخاطئة ذريعة لإزالة ذكرى أبي نواس من بغداد وشاطئ دجلة، فشطبت اسمه من الشارع المعروف به، وجرت محاولات لإزالة تمثاله على أساس أنه (مجوسي)، كل ذلك جرى بجهود شيوخ الدين الذين يجمعون بين شوفينية القومية والمذهب.


[email protected]