قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مقدمة

ابتلى الشعب العراقي بعوامل عديدة يمكن استغلالها لتفرقة صفه وتمزيق وحدته الوطنية، مثل التعددية الأثنية والدينية والمذهبية... الخ. وفي الظروف الطبيعية الحضارية يمكن توجيه هذه التعددية إلى عوامل قوة ورص الصف ووحدة الشعب وتقدمه، وهذا يعتمد على سياسة الحكومة الرشيدة إذا ما تبنت سياسة عدم التمييز بين مكونات الشعب والاعتراف بالهويات الثانوية إلى جانب التركيز على الهوية الوطنية والولاء للوطن ومعاملة الجميع سواسية في الحقوق والواجبات. ولكن في الظروف غير الطبيعية كالتي مر بها الشعب العراقي منذ تأسيس الدولة العراقية وخاصة خلال حكم البعث الفاشي الساقط، تم استخدام هذه التعددية للشر وتحويلها إلى أداة تفرقة ضد وحدة الشعب عملاً بسياسة (فرق تسد)، حيث استخدمت السلطة الحاكمة شريحة معينة من الشعب العراقي لدعم احتكارها للسلطة مقابل منح هذه الشريحة معظم الامتيازات والثروة والمناصب وحرمان الفئات الأخرى من حقوقها في الوطن. ثم تدخل عامل آخر ليزيد في الطين بلة وهو تسييس الدين، وهل نريد بعد حكم صدام نظاماً ديمقراطياً أم نظاما إسلامياً؟ ونظراً لما تتمتع به الديمقراطية من زخم وقوة جذب في العالم، خاصة بعد سقوط الأنظمة الشمولية، ظهر حماس شديد لدى الشعب العراقي للديمقراطية بعد كل المصائب والمظالم التي نالها من الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة، لذلك ولحسن الحظ تخلت الأحزاب الإسلامية عن شرطها في استفتاء الشعب لقيام نظام إسلامي. ولا ندري إن كان هذا تكتيكاً مؤقتاً كانحناء أما العاصفة إلى أن تمر، أم ستراتيجية بعيدة المدى. المهم أن نأخذ بالمعلن إلى أن يثبت العكس. ولكن ما أن تخلصنا من هذا العامل إلا وبرز أمامنا عامل آخر للتفرقة، ألا وهو هل نريد نظاماً جمهورياً أم ملكياً.. وهكذا ربما تخرج علينا فئة أخرى تطالب بنظام أخر.. من يدري!

دعاة الملكية
بدءً، من حق أية جماعة الدعوة لما تريد على شرط أن تستخدم الوسائل السلمية المشروعة وتلتزم بالموضوعية لنشر دعوتها. ففي فرنسا توجد لحد اليوم جمعية صغيرة مغمورة تدعو إلى عودة الملكية.. ولا ضير من ذلك، ولكن ما هو نصيب تحقيق هدف هذه الجماعة، في رأي لا يتجاوز الصفر. كذلك وبعد هزيمة النظام الفاشي العراقي في حرب الخليج الثانية وطرده من الكويت ظهرت جماعة عراقية في لندن تدعو إلى إعادة الملكية في العراق، وراحت تروج للعهد الملكي أنه كان عهد الازدهار والديمقراطية إلى أن جاء عبدالكريم قاسم فاقتلع هذه النبتة اليانعة في إنقلاب 14 تموز حيث بدأت مرحلة الإنقلابات العسكرية وتسييس العسكر ومحنة العراق منذ ذلك اليوم!!. وراحت هذه الجماعة إلى أبعد من ذلك، إذ ألقت تبعات كل جرائم صدام حسين على الزعيم عبدالكريم قاسم. أود في هذه المداخلة مناقشة هذه الادعاءات وفيما إذا كان النظام الملكي يصلح للعراق الديمقراطي الفيدرالي أم لا؟ فكلما اقتربت الانتخابات برزت عوامل أكثر لتأجيج الصراع وتعقيد الوضع، منها بالرصاص والتفجيرات ومنها برشقات الكلام. لذا نقرأ هذه الأيام حملة من دعاة الملكية وجولات الشريف علي بن الحسين، الحالم بعرش العراق، يحاولون تسويق النظام الملكي وتزويقه وربط الظلم والاستبداد كصفة ملازمة للنظام الجمهوري، محاولة منهم لإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وبعث الملكية في العراق. فهؤلاء لا يرون من الألوان سوى الأسود والأبيض، فالنظام جمهوري في رأيهم شر مطلق ونسخة من صدام حسين، والنظام الملكي خير مطلق، فلا يرون في الملكية سوى الملك فيصل الأول والنظام الجمهوري غير صدام حسين، ناكرين فضائل عبدالكريم قاسم الجمهوري وجرائم عبدالإله ونوري السعيد في العهد الملكي.

نبذة تاريخية عن الملكية
لو درسنا تاريخ تطور المجتمعات البشرية منذ المشاعة البدائية، مروراً بالعصور اللاحقة إلى الآن (عصر الإنترنت والثورة المعلوماتية) لوجدنا أن هذه المجتمعات بدأت على شكل مجموعات تتكون ما بين 10-20 شخصاً في تنقل دائم وراء الصيد، ثم استقر البعض منهم على سواحل الأنهر، مثل وادي الرافدين والنيل وأماكن أخرى من العالم، وتكاثرت هذه المجموعات البشرية لتكون عشائر لها شيوخ، ثم ظهور القبائل، وأخيراً ظهور دول المدن، وتحول الشيخ إلى ملك-إله مستبد. وهكذا نرى كل مرحلة تمثل مرحلة متقدمة على التي قبلها في سلم التطور الاجتماعي. وكانت الأنظمة الملكية هي استبدادية بشكل مطلق حتى وقت قريب في معظم أنحاء العالم، ولحد الآن في بعض الدول المتخلفة. واستمر هذا الوضع إلى مراحل متقدمة حيث انتشار الثقافة والوعي بين الجماهير، فكانت الثورة الفرنسية على النظام الملكي-الإقطاعي في باريس يوم 14 تموز/يولو 1789، وسقوط الملكية في هذا البلد إلى الأبد وإعلان الجمهورية. ومنها بدأت تنتشر الأنظمة الجمهورية الحديثة وتتقلص الأنظمة الملكية كعامل ملازم لعملية التطور والتقدم. وينقل عن الملك فاروق قوله أنه في النهاية سيبقى ملكان في العالم فقط: ملك ورق البوكر وملك بريطانيا، كدليل على تعلق الشعب البريطاني بالمحافظة والنظام الملكي. ولكن حتى في بريطانيا هذه يوجد اليوم أكثر من 30% يطالبون بإلغاء الملكية، مقارنة بما قبل 30 عاماً حيث لم يجرأ أحد طرح مثل هذا السؤال حول بقاء أو إلغاء الملكية في هذا البلد. وهكذا نعرف أن النظام الجمهوري هو شكل متقدم على النظام الملكي الذي هو شكل متخلف موروث من العهود الغابرة.
وقد سمي القرن العشرين، بحق، بقرن الشعوب. ففي هذا القرن بدأت الشعوب تتحرك وتثور وتطالب بحقوقها وتدك قلاع الأنظمة الملكية المستبدة وتسقطها الواحد بعد الآخر وحتى إسقاط الحكومات الجمهورية إذا كانت جائرة. وقد بقيت بعض الأنظمة الملكية في الدول الأوربية الديمقراطية المتطورة مثل بريطانيا وهولندا والسويد وبلجيكا وغيرها، إلا إن بقاء هذه العائلات المالكة على رأس الدولة لا يتجاوز دور الرمز ونوع من التعلق بالتراث التاريخي لتلك الشعوب، ودروها أشبه بالعلم الذي هو مجرد قطعة قماش ولكن ألوانه تمثل رمزاً للدولة. ولا يحق للملك في هذه الدول التدخل بالسياسة مطلقاً وحتى إبداء مجرد رأي في أي موضوع سياسي، كما وصارت العائلات المالكة في هذه الدول موضوعاً للتندر في المسلسلات الكوميدية.
والنظام الملكي الوحيد الذي عاد بعد سقوطه هو في أسبانيا، حيث قام الدكتاتور الفاشي فرانكو بإعادة الملكية وهو على فراش الموت. لذلك أعتقد أن الشخصي الوحيد الذي كان قادراً على إعادة الملكية إلى العراق هو صدام حسين. ولكن هذا الدكتاتور المعروف بنرجسية مفرطة وجنون العظمة، كان قد خطط قبيل سقوطه بتنصيب ابنه قصي لتولي "العرش" من بعده حيث قام بتعديل الدستور وتنقيص عمر رئيس الجمهورية الوريث إلى دون الأربعين ليناسب عمر قصي، على غرار ما قام به حافظ الأسد الذي نصب ابنه بشار رئيساً من بعده، كإبداع جديد لأنظمة الجمهوريات-الملكية المستبدة في الزمن العربي العاهر. وهذا السلوك المتخلف لا علاقة له بالنظام الجمهوري وإنما نتيجة لآيديولوجة القومية العربية وخاصة بنسختها البعثية الفاشية، كشكل من أشكال عبادة الشخصية والهيام في تقديس الاستبداد. وعبادة الشخصية موجودة في الأنظمة الملكية أيضاً. وهذا الدفاع عن شخصية الشريف علي من قبل حاشيته واستماتهم في توريثه عرش العراق لدليل على ذلك.

يتبع