قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فى واحدة من أحلى القصص القصيرة لنجيب محفوظ (لا أذكر أسمها)، تحكى عن رجل كبير فى السن يقف أمام إشارة مرور، وتمر حياته بالكامل كشريط قصير وسريع منذ أن كان طفلا بالبنطلون القصير وحتى صار كهلا، وفجأة يستعيد وعيه عندما أيقظه من تأملاته صوت يطلب منه عبور الطريق لأن إشارة المرور أصبحت خضراء، وتشعر بعد قراءة القصة بأن هذا الإنسان الكهل يكاد يصرخ ويقول: "أنا إتنشلت ياجدعان"، أين ذهب ذلك الطفل فى بنطلونه القصير وكان يلهو فى الحارة بالأمس القريب، ومن هو هذا الكهل العجوز الذى يطالعه كل صباح فى المرآة؟ والزمن والعجز والموت من الأشياء التى تجدها كثيرا فى روايات وأعمال نجيب محفوظ، ومن أحلى روايات نجيب محفوظ فى رأيى هى رواية (الحرافيش)، ولاأبالغ إذا قلت أننى قرأت هذه الرواية أكثر من عشر مرات، وكأنها سيمفونية لا أمل من تكرار سماعها، ودائما كنت أقول لنجيب بك:"والله يانجيب بك الحرافيش دى تستحق جائزة نوبل أخرى" (وجدير بالذكر أن رواية الحرافيش لم تتم ترجمتها إلا بعد أن حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل عام 1988).

وفى الحكاية السابعة من ملحمة الحرافيش (جلال صاحب الجلالة) كان جلال فتوة الحارة وزعيمها مهوسا بالخلود ويفزع من الزمن والعجز والموت، وكان يستعين بطب العطارين وبالجان لكى يتحقق له الخلود، وفى الرواية يدور بينه وبين عبد الخالق العطار الحوار التالى:
عبد الخالق:... الموت لا يخطئ الصالحين..
فتساءل جلال محتجا: أينبغى أن يكون الإنسان شريرا كى يخلد
- الموت حق، ولكن لا يتطلع الى الخلود مؤمن!
- أعلى يقين أنت من ذلك؟
فخاف عبد الخالق وقال: هكذا يقولون والله أعلم..
- لم؟
- أعتقد أن الخلود لا يتاح للإنسان إلا بمؤاخاة الجن..
..... ويستمر الحوار
- لا أدرى يامعلم ولكنه أمر لعين..
- الخلود؟
- مؤاخاة الجن!
- إنك تخاف الخلود!
- يحق لى ذلك، تصور أن أبقى حتى أشهد زوال دنياى. يذهب الناس رجالا ونساء، وأبقى غريبا وسط غرباء، أفر من مكان الى مكان، أبيت مطاردا أبديا، أجن، أتمنى الموت..
- وتحافظ على شبابك الى الأبد؟
- وتنجب أبناء وتنفر منهم، وكل جيل تعد نفسك لحياة جديدة، وكل جيل تبكى الزوجة والأبناء، وتتجنس بجنسية الغربة الأبدية، ولا يربطك بأحد إهتمام أو فكر أو عاطفة..
وهتف جلال: كفى..

وجلال الفتوة لا يعتبر فريدا فى سعيه الى الشباب الدائم والخلود، إنظر الى زعمائنا العرب معظمهم بلا إستثناء لا يشيخون ويريدون أن يخلدوا وبعضهم أطلق على نفسه (أو أطلقنا عليه) "الزعيم الخالد"، ولا يوجد لديهم أى شعيرات بيضاء على الرأس أو الذقن أو الشارب، ولو على سبيل ذر الرماد فى العيون وإتقاء شرالحسد. وبعيدا عن صبغات الشعر الفرنسية والأمريكية التى يستخدمها زعماؤنا طالعت هذا الأسبوع خبرا مثيرا فى موقع هيئة الإذاعة البريطانية بالأنترنت:


www.news.bbc.co.uk/1/hi/uk/4003063

ويتلخص الخبر فى أن أحد العلماء البريطانيين فى جامعة كمبريدج (البروفيسور أوبرى دى جراى) يتوقع أن يستطيع العلم فى المستقبل القريب جدا أن يزيد من عمر الإنسان حتى يصل الى الألف عام!! ويقول أن أول شخص ربما يصل الى هذا السن قد يكون فى سن الستين حاليا!! ويقول البروفسور دى جراى أن الشيخوخة هى مرض وليس مجرد ظاهرة حتمية وأن العلم فى طريقه للقضاء على هذا المرض، وهذه (على حد قوله ليست فكرة فلسفية أو شاعرية) ولكنها خطة علمية تفصيلية الهدف منها هو إصلاح كل الأعطاب التى تحدث للخلايا وللجزيئات فى أجسامنا على مر الزمن، وكل خطوة فى هذه الخطة إما فى مرحلة المحاولات الإكلنيكية أو هى مبنية على تكنولوجيا موجودة بالفعل ويبقى فقط إندماج التجارب الإكلينيكية بالتكنولوجيا المتقدمة وقد يستغرق الأمر حوالى عشر سنوات لبدء التجارب على الفئران، ثم الى عشر سنوات أخرى لبدء العمل على الإنسان.

ولقد شغلتنى فكرة الموت والخلود كثيرا، وعندما كنت أقرأ أن بعض الأنبياء قد عاش ما يقرب من ألف عام كنت أتسائل كيف حدث هذا، والآن يأتى العلم محاولا إطالة عمر الإنسان الى ما يقرب من الخلود، وتخيلت ماهو شكل حياتى إذا إتيح لى أن أعيش ألف عام:

أولا: سوف أحاول أن أتعلم وأن أدرس أشياء كنت أتمنى دائما دراستها، فقد كنت دائما أرغب فى دراسة فن كتابة السيناريو والإخراج السينمائى، ولم أستطع مفاتحة أبى فى هذا عندما كنت فى سن الدراسة، لأننى لو كنت قد فاتحته لرمانى من الشباك، وكنا للأسف نسكن فى الدور الرابع!!
وسوف أحاول أن أعمل بالإخراج والإنتاج السينمائى. وتلك الدراسة والعمل بالسينما سوف يستغرق منى حوالى عشرون عاما.
ومن الأشياء التى كنت دائما أتمنى دراستها هو كيفية الإستفادة من الطاقة الشمسية لتحويل مياه البحار والمحيطات الى مياه عذبة، هل تتخيلون إذا نجحت فى هذا سوف تتغير خريطة العالم، لن يصبح هناك مشكلة فى الغذاء أو الطاقة. وهذه عشرون عاما أخرى فى دراسة الغذاء والطاقة.
وكنت دائما أتمنى دراسة الكون والمجرات والنجوم ومعرفة المزيد عن مولد النجوم وفناء النجوم ونظرية الإنفجار العظيم والثقوب السوداء فى الكون، ويمكن إذا إمتد بى العمر أن أسافر الى كوكب آخر وأبدأ حياة جديدة بعيدا عن كوكب الأرض. ولا مانع لدى من أستغرق خمسون عاما بين دراسة الكون والحياة فى كوكب آخر.
وكنت دائما أتمنى أن أعمل قاضيا يقضى بالعدل بين الناس، وحياة ألف عام هى حياة طويلة سوف تتيح لى دراسة القانون والعمل بسلك القضاء.
ومن الأشياء التى كانت دائما تستهوينى هى دراسة مخ الإنسان وكشف أسراره و لامانع لدى من أن أصبح جراحا للمخ والأعصاب، وهذه عشرون سنة أخرى تضيع فى دراسة المخ والأعصاب، (إحنا وراناإيه.. أمامنا ألف عام ممكن نعمل فيها كل ما نتمنى). وكنت دائما منذ صغرى أتمنى أن أشتغل نجارا يتقن العمل بالأخشاب، ويصنع من قطعة خشب صماء قطع أثاث أو قطع فنية جميلة.

ثانيا: إذا أتيح لى أن أعيش ألف عام، أتمنى أن أدرس لغات عديدة، أتمنى أن أقوم بتحسين لغتى الألمانية والفرنسية والأسبانية والعربية!!، وأتمنى أن أدرس لغات جديدة عديدة: اللغة الإيطالية والصينية (الماندرين) واليابانية والسواحلية والروسية والفارسية والأوردية والهندية.
وأتمنى أن أعيش وأعمل فى بلاد الله الواسعة: أتمنى أن أعيش فى جنوب أسبانيا وفى جزر الكنارى وجزر هاواى وفى سواحل بالى بأندونيسيا وفى جبال التبت وفى جبال الألب السويسرية وحول بحيرة كومو فى شمال إيطاليا وفى مدينة نيويورك وفى مدينة سان فرانسيسكو وفى مدينة نابولى وفى مدينة الإسكندرية وفى مدينة مراكش وفى مدينة الحمامات بتونس، أتمنى أن أعيش على جبل بيروت وأمامى البحر المتوسط، أتمنى أن أقضى كل شتاء على ضفاف النيل فى أسوان. وأتمنى أن ألف حول العالم مرة كل عشر سنوات على الأقل. أتمنى أن أزور الصحراء الكبرى بدأ من مرسى مطروح وحتى سواحل الأطلسى بالمغرب، أتمنى أن أقوم بجولة فى حوض نهر الأمازون، أتمنى أن أقوم بزيارة منابع النيل، أتمنى أن أقوم بزيارة القطب الجنوبى، أتمنى أن أقوم بزيارة الصين هذا البلد الذى لا نعرف عنه إلا القليل.

ثالثا: كنت دائما أرغب فى أن أتعلم العزف على البيانو أعزف كل الألحان الجميلة التى أحبها، وأرغب فى أن أمارس لعب كرة القدم كلاعب محترف كصانع ألعاب فى منتصف الملعب، ويمكن أن ألعب الآن فى أشبال نادى الزمالك (تحت خمسين عاما)!!
ودائما كنت أتمنى أن تكون حرفتى هى هوايتى وأن تكون هوايتى هى حرفتى والتى أتكسب منها، فما أجمل أن أقول لزوجتى وأنا خارج من البيت فى الصباح:"عن أذنك ياحبيبتى أنا رايح الشغل علشان عندى ماتش كورة مهم النهاردة ويمكن أتأخر شوية".

رابعا: أتمنى أن أستمر فى الحب طوال الألف عام، أتمنى أن يكون لى حبيبة فى كل ميناء وفى كل مدينة، وأتمنى أن يكون لى أولاد وأحفاد فى كل مكان فى العالم.
أتمنى أن يكون لى أصدقاء نلتقى بإستمرار ونسافر معا ونستمتع معا بتلك الحياة الرائعة الجديدة والتى لا تنتهى.

خامسا: أتمنى أن يتمكن الإنسان من أن يخلق جنة الله على الأرض، حيث وفرة فى الغذاء والشراب والحب، حيث لا عداء ولا كراهية، حيث لا فرق بين شخص وآخر إلا بعمله وعلمه ومجهوده، حيث يحمى القوى الضعيف لا أن يستغله، وحيث يحترم الضعيف القوى لا أن يسرقه.

هل هى مجرد أحلام العام الجديد أم أنها أحلام اليوم وحقائق الغد، أتمنى من كل قلبى أن يحقق لنا العلم تلك الأمنية الرائعة، وإذا لم أتمكن من اللحاق بها أتمنى أن تلحق بها بناتى أو أحفاد الغد، وذلك حتى لا تتحق مقولة الكاتب الرائع برنارد شو حين قال وهو يسخر من قصر الحياة: "إن الحكمة التى نكتسبها تأتى بعد فوات الأوان، كمن يهديك مشطا فى عيد ميلادك بعد أن تكون قد فقدت كل شعرك"!!

[email protected]