1 ـ في الحرب التي اندلعت..
حين حدث زلزال الأرض وطوفان البحر الطبيعيان هناك في جنوب شرق آسيا تزلزل الفكر الديماغوجي وتطوفن الحس الانتهازي الطبيعيان هنا في شمال غرب أفريقيا!
فريقان إيديولوجيان تشابكا باللفظ، مؤخرا، في سياق الاستثمار السياسوي لتوابع فاجعة تسونامي الأليمة وزوابعها! تجادلا خلال الصحافة في معقوليات وما ورائيات الحدث الكارثة، بعيدا عن الدين والعلم معا؛ فكتب الإسلاميون في مقال أثار الضجة، مستشهدين بآيات قرآنية دالة، أن "الطوفان الذي حدث غضب من الله لا من الطبيعة؛ بسبب من السياحة الجنسية"! وأنه "الإنذار المبكر للمغرب والمغاربة قبل فوات الأوان"!
ثم تطور الموضوع بدخول القناة الثانية على خط الزلازل الديماغوجية لتنجز روبورتاجا "متحيزا" فسحت فيه المجال لـ"الاستئصاليين" لاتهام فكر حزب العدالة والتنمية ومن ثم التشهير به في تصريحات مغرضة خلال برنامج "مخدوم" قالت عنه المسؤولة عن مديرية الأخبار إنه كان موضوعيا بل أنجز بحرفية عالية.. !
بيد أن الزلزلة الديماغوجية لم تقف عند هذا الحد؛ بعد إذ انتقل الغضب الإسلاموي إلى البرلمان وتدخل النائب من الحزب الإسلامي ومدير جريدة "التجديد" التي نشرت المقال كي يطالب، خلال البث المباشر الذي قطعته القناة الأولى للتو، باستقالة مديرة الأخبار بالقناة الثانية.. ثم تتفاعل الأحداث الممسرحة لتصل إلى الشارع بتنظيم وقفة احتجاجية أمام مبنى القناة "المتهمة"! قوامها العضلات البشرية والخطاب التهديدي؛ ليس للقناة؛ بل لـ"جهات" نافذة فيها فقط..!
أما الحداثيون "البادئون" بالهجوم فقرروا أن لا يتراجعوا وراء التهديد، وأن لا يستكينوا إلى الهزيمة أمام الخصم رغم ضعفهم تنظيميا! خاصة بعد كل هذا الضجيج الإعلامي المرعب المركز والمثير، فكتبوا وكتبوا.. قائلين إنهم يسخرون من التفسير الغيبي للأحداث الطبيعية؛ بل أدانوه في مواقف "نقدية" لا علاقة لها بالنقد على كل حال؛ كان منطلقها البيان المثير والعنيف الذي أصدرته منظمة "مناهضة الكراهية والعنصرية"؛ البيان الذي اعتبر تفسير زلزال تسونامي بالانتقام الإلهي موقفا لا إنسانيا؛ وتشفيا في الضحايا والمنكوبين من مختلف الديانات بدل التضامن معهم! إلى جانب كونه "تحريضا ضمنيا على الإرهاب من طرف أولئك القادة الظلاميين العاصبين للأشياع والأتباع المتعصبين" كي يستهدفوا الفنادق والمرافق السياحية المختلفة بالبلاد، مما يشكل، "تهديدا خطيرا للاقتصاد الوطني" المعتمد في قسط كبير منه على السياحة... الأمر الذي "يفرض على الدولة اتهام هؤلاء باللا وطنية" ومن ثم "محاكمتهم بتهمة الخيانة العظمى للوطن ولمصالحه".. !
ثم لما لم يجدهم الكلام الأسود الجاف "غامروا"؛ فوقفوا هم أيضا أمام القناة الثانية، وإن بأعداد قليلة، تضامنا معها واستنكارا للمطالب الإرهابية للإسلاميين المتسترة أساسا وراء شعار دمقرطة الإعلام.. لكن يبدو أنهم غير راضين عن "شكلهم"، يومها، فتوعدوا أن يتظاهروا مدعومين من جمعيات ومنظمات يسارية مختلفة في حشود وفيرة غزيرة بالرباط يوم السبت 29 يناير 2005 أمام مقر جريدة حركة التوحيد والإصلاح، بدل مقر حزب العدالة والتنمية؛ في إشارة إلى أن الجريدة، عمليا، هي لسان الحزب السياسي لا لسان الحركة الدعوية.
غير أن كل ذلك في رأينا، كما سوف نحاول أن نوضح، مجرد لهج من الصراخ الإيديولوجي الحاد الخادع، والإثارة السياسية الماكرة من الطرفين.. نقول ذلك لأن المغرب يعيش قضايا وأوضاعا هي أجدر بالاهتمام، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، من مقال أقل ما يمكن أن يوصف به هو أنه تافه.. غايته استبلاد الجماهير في سياق تقديم الخدمة السياسية لأطراف معينة!

2 ـ و لكل حروب نصوصها المقدسة..!
لأن السياسة الحزبية بحاجة إلى أفكار مذهبية ثقيلة، أي؛ إلى نصوص مقدسة تدعمها؛ أورد الإسلاميون للتدليل على صحة ما ادعوا من "غيبيات" آيات قرآنية كثيرة منزوعة عن سياقها منها:
1 ـ "فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" العنكبوت 40
2 ـ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا، وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا" الإسراء 16،17
3 ـ وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا" الإسراء 58
4 ـ .. فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين" الأعراف136
أما الحداثيون؛ فلأن الشيوعية صدئت أظافرها ولو إلى حين، ولأنهم غالوا في التهمة وبالغوا في التحامل، من غير نص، على خصومهم الحافظين لسورهم؛ فقد قرروا أن يراجعوا "نقدهم" السجالي الذي لم يكن مقنعا حتى لأنفسهم فيما يبدو! ففكروا في أن ينزعوا المصحف من أيدي الخصوم ويستعملوه ضدهم، لم لا ؟!
هم يعرفون أن العقل استقال، وأن السياسة الواقعية الآن هي الحقيقة، وأن الاعتدال كلام فارغ لأن المرحلة بوشية بلادنية بامتياز؛ لذلك آثروا البحث عن نصوص تدعم "أفكارهم"، فكان أن اهتدوا إلى هذه الآيات القرآنية التي ترد البأس عنهم وترد الروح إليهم، تلك التي نزعوها نزعا، هم أيضا، عن سياقها؛ وهي:
1 ـ "ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة" النحل 61
2ـ "وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب، بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا" الكهف 58
3 ـ "ولو يٍِؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى" فاطر 45
بهذه الاستشهادات غدا الحداثيون أيضا فقهاء؛ يقرأون من الكتاب المقدس نفسه تماما كهؤلاء؛ ويؤولون آياته المنزوعة عن سياقها بحسب الهوى والهوية تماما كهؤلاء..
والأمر ليس جديدا البتة؛ فهذا عبد الطيف جبرو كتب حين اهتزت مدينة الرباط، وهو حداثي بجريدة الأحداث المغربية، أن "الكوارث الطبيعية عقاب إلهي؛ ليصل إلى إن الزلزال الذي ضرب مدينة أكادير سنة1960 كان بسبب انتشار الفساد بها".. كذا قال (!)
وهؤلاء آخرون عندما يكتبون عن القضية الفلسطينة يتحيزون لتأويلات غيبية مغرضة؛ ليقولوا جماعة مع "خصومهم" وبصوت المؤتمر القومي الإسلامي الجهوري الموحد: إن القدس، أو نصفها؛ تبعا للمعطيات السياسية الميدانية، هي مدينة مباركة.. لا، بل فلسطين كلها أرض عربية مقدسة، متناسين أنها بلاد اليهود أيضا كما يقول بذلك من ينزع هذه الآية من سياقها:" يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم" المائدة20 ! كذلك يقولون معا ـ لكن كل واحد من منظوره الفلسفي ـ إن الأمة العربية خير أمة أخرجت للناس، وإن صدام الديكتاتور العظيم ومن على سياسته هم قادتها الملهمون.. !
أما حين يتمسحون جميعا بأهداب النظام السياسي المخزني؛ فيتخلون تماما عن الحداثة والديمقراطية وحقوق الانسان؛ وينسون نهائيا الدين أو يوظفونه أو يؤولونه كي يخدم التوجهات الجديدة لسياساتهم!
من هنا؛ لم يكن ليضير الإسلاميين في شيء، مثلا، أن يغيروا من مواقفهم الدينية المتشددة التي كانت صحيحة ثم غدت عكس ذلك في رمشة عين، إبان مناقشة مدونة الأسرة وحرف كتابة الأمازيغية! كذلك لم يكن عصيا على اليوسفي أن يختزل برنامجه الحكومي في القسم على المصحف مع الملك الراحل؛ راهنا مبدأ التناوب السياسي ومصير البلاد ومستقبل المواطنين والتحول الديمقراطي بأخلاقيات السياسيين ونياتهم الحسنة!
ونستطيع، في هذا الصدد، أن نسرد أمثلة أخرى؛ من مثل أن "الوطنيين" قالوا برؤية محمد الخامس في القمر حقيقة لا مجازا! الخرافة التي نحيل من يريد كشف تفاصيلها على الحوار الذي أجرته صحيفة أسبوعية منذ أكثر من سنتين مع رئيس يرلماننا الحالي! ومن مثل اعتقاد كثير من السياسيين والمثقفين أن أغلبهم يعتبرون أنفسهم عربا "شرفاء" ! وينسبون أنفسهم لشجرة النسب القرشية.. لا أملا في الجنة هناك؛ بل طمعا في "الشرف" الذي يفضي إلى الحكم والمال والحظوة ها هنا!
فعم يحتج الحداثيون، إذن، وهم والإسلاميون سواء بسواء؟!

3 ـ حين قالوا: تعالوا إلى العقل..
من جهة أخرى؛ إن الفريقين، إلى جانب توظيفهما السياسوي للنصوص المقدسة المؤولة، تنافسا، أيضا، في "الاعتداد" بالعقل! فتبنيا هذا الأخير معا، كل بطريقته وعلى مزاجه ووفق أهدافه الإيديولوجية!
ففريق تبنى العلم حول الزلازل، دون تعميمه على الظواهر الطبيعية الأخرى! رافضا أية علاقة للزلازل فحسب بالدين. وفريق رأى أن العلم والدين يتكاملان، وأن المعرفة العلمية بالزلازل وغيرها لا تدفع عن الناس شرور القدر، دون أن يدافع عن وجهة نظره منطقيا؛ حتى ليتبادر إلى الذهن أن خطوط الزلازل المعروفة علميا هي نفسها خطوط الفساد والرذيلة حتما عبر العالم! وهو محال عقلا..
الطرفان، إذن، لم يرسوا لا على علم ولا على دين؛ ففيم يتجادلان؟
حين يقال إن مهمة العلم هي تحقيق خضوع الطبيعة للانسان، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، وأن مهمة الدين هي القول بخضوعها لله، ثم تأمل عظمة ما يكتشفه العلم بعد ذلك؛ فمن الواضح أن الفريقين لم يتحاورا أبدا في صميم الموضوع! أي في جوهره الذي هو طبيعة سيرورة الكون كنظام دقيق؛ ومدى إمكان حدوث "الخلل" فيه تبعا للسلوكات الدينية للبشر..
لم يقارب "المتناظران" لا بمنطق العلم ولا بتأويل الدين الإشكالية الحقيقية المطروحة! فالحداثيون لم يفسروا كيف يرفضون العلاقة بين الزلازل والمعاصي؛ في الوقت الذي لا أحد يطرح للنقاش قضايا مماثلة كثيرة؛ في مقدمتها الدعاء المستجاب وعلاقة صلوات الاستسقاء بنزول أو عدم نزول المطر على سبيل المثال لا الحصر! وهي كلها من صميم العلاقة بين ما يريد الله وما يحدث في الطبيعة!
من ذلك أيضا موضوع مسخ البشر الموجود في القرآن: ماهو؟ وكيف يتم؟ وهل حصل في العصر التاريخي كله أم لا؟ وهل يمكن أن يحصل يوما ما عقابا لفاسد ما؟ وإذا لم يحدث عبر التاريخ فلم لم يحدث كالزلازل، مع أنه منصوص عليه دينيا؟ ولم الإسلاميون يصرون على ربط الزلازل وحدها بالذنوب والمعاصي ولا يربطون المسخ أو غيره بها.. إلخ؟
كما لم يشرح الإسلاميون، من جهتهم، لماذا لم يحدثوا الضجة نفسها حول زلزال الدولة الإسلامية الذي أتى على مدينة مؤمنة بأكملها، ولا حول زلزال جارتها تركيا أيضا! ولا حول زلزال الحسيمة الذي من المفروض أن يتحدثوا عنه، كمغاربة، أكثر من غيره من كوارث العالم!
كذلك لم يشرحوا لماذا صمتوا عن الدلالات الواضحة للآيات المشار إليها آنفا؛ تلك التي استشهد بها الحداثيون كي تفيد عكس ما يقولون تماما! بل لماذا تجاهلوها مستعينين بشيخهم القرضاوي وبفيلسوفهم اليتيم ليتهربوا زاعمين كاذبين أن "ما يقولون به هم يقوم على الدليل؛ بينما الذي ينفي ذلك ليس له عليه دليل"! ما قولهم في تلك الأدلة النصية إذن؟!
كل هذا.. دون الإشارة إلى فشلهم الذريع في إقناع العقل بتأويلاتهم غير المنطقية في الموضوع؛ إذ كيف ينتقم الله من الشواذ جنسيا وهم لا يضرون في الغالب إلا أنفسهم؛ في حين لا ينتقم من الشواذ سياسيا كشارون وصدام وطالبان الذين يؤذون شعوبا من ملايين البشر؟! وإذا ما تم اعتبار أن الله انتقم من طالبان وصدام بالزلزال الأمريكي! فهل معنى ذلك أن أنظمة العراق وأفغانستان أكثر فسادا من الصهيونية وزبانيتها الذين لم يعجل الله لهم العذاب إلى الآن؟!
ثم ما قولهم في معتقدات غيبية أخرى دينية ولا دينية كلعنة الفراعنة التي يصدقها أكثر المصريين أو يختلفون حولها، إلى عيشة قنديشة التي يتخيلها أكثر المغاربة أو لا يأبهون بها؛ إلى الكرامات والأولياء.. وما شابه ذلك كثير في مجتمعات مختلفة؟!
لم يتساءل الطرفان ويجيبا لا بالدين ولا بالعلم عن أي سؤال حقيقي!
لقد تهرب "المتجادلون" من سؤال كيف حارب الانسان الطبيعة فأخضع كثيرا من ظواهرها لعلمه وأحيانا لإرادته؟ كيما يحققوا المكاسب السياسية بأي ثمن!
أغلقوا على العقل وعلى أنفسهم في دائرة تسونامي الديماغوجية رافضين ملاحظة ومقارنة نتائج العلم والدين في مجالات صارخة كثيرة نعيشها يوميا؛ منها تلك التي تغير فيها نظر العلم نفسه؛ ومنها تلك التي أخطا فيها التأويل الديني الديماغوجي مثل كروية الأرض التي لم يصدقها كثيرون وهزيمة 1967 التي أولها الشعراوي والقرضاوي بضعف الإيمان؛ قبل أن ينير العلم والدين معا العقول كل في مجاله وحدوده.. فينضبط الجميع!
لقد تغير العالم لكن الإسلاميين لم يتغيروا.. مع أنه لم يعد يجادل أحد منهم في أن كثيرا من متعصبيهم اليوم لا يحاربون العدو بالخيل المسومة بل بأحدث التكنولوجيات المدمرة؟ ولم يعد يجادل أحد منهم في أن الانسان غلب الطبيعة وسخرها لنفسه في الفتوحات التي حققها ضد التصحر والجراد والجفاف وضد مختلف الأمراض التي كانت وباء مستعصيا وشرا مسلطا من الله؟!
لم يعد يجادل أحد أن الانسان سيطر على الطبيعة من خلال النجاح في التنبؤات العلمية بتوقعات الطقس وفي العلم بما في الأرحام والتحكم في جنس الأجنة.. وغيرها كثير؟! أليست كل هذه القضايا، كالزلازل تماما، كانت ضمن علم الغيب وحده مع تأويلات العلم؛ ثم باتت في متناول العلم وحده مسنودا بتأويلات الدين.. وبذلك وحده تتكامل وظيفتا العقل والنقل؟!
كان من المفروض كما قال أحدهم أن تنظم قناة ما ـ ولتكن القناة الثانية نفسها ـ جلسة حوار معرفية؛ يتجادل خلالها الفقهاء الدينيون والعلماء الماديون بتعقل ورزانة، بعيدا عن الديماغوجيا وتنويرا للعقول؛ حتى لا يعن لأحدهم أن يكتب مثلا مقالا يقول فيه إن العجل الذي ولد برأسين قبل أسابيع بمدينة آسفي والذي نشرت جريدة الاتحاد الاشتراكي صورته في الصفحة الأولى لأهمية الحدث/ المعجزة هو كيان ممسوخ لطاغية راحل من طغاة اليهود أو الصليبيين أو القوميين العرب..! ومنهم من كان سيستطيع أن يحدد حتى الاسم لو كان شارون في الدار الأخرى.. !
يمكن التناظر معرفيا في قضايا الخلاف والاختلاف والوصول إلى تفاهم يفرضه بالضرورة كل من العلم والدين، تبعا لمجالاتهما الخاصة.. ولقد بدت مؤشرات ذلك في بعض كتابات أهل "التجديد" أنفسهم؛ أولئك الذين بدأوا يتراجعون عن قولهم بالعلاقة بين تسونامي والمعاصي! بل إنهم حاولوا، وإن في صيغ خجولة، أن يقدموا الاعتذار ضمنا في افتتاحيات متكررة عن زعمهم بعلم الغيب لمن يعنيهم أمر الاعتذار من السياسيين وفي مقدمتهم طبعا رجال المخزن الذين لابد أن يطمئنوا أن المسرحية تمضي على ما يرام..
أجل؛ يمكن الوصول إلى تفاهم؛ لكن الطرفين لم يكن يهمها لا العقل ولا النقل؛ بل ما يتأسس على هذه الحرب الديماغوجية المفتعلة من استبلاد فكري للشعب، ومن مكاسب سياسية للحزب وللاعبين على المسرح كانتهازيين محترفين!
ما الحل إذن؟
إنه في جرأة الأحزاب والمنظمات والفاعلين السياسيين الحداثيين حقيقة على إعلان العلمانية السياسية فضاء للحوار والاختلاف.
ذلك هو الزلزال المحرج لكل ديمقرطي حداثي؛ وليس مقال تافه حول كارثة طبيعية!

4 ـ أخيرا؛ المخزن يحدثكم..
عودا على بدء؛ دعونا نؤول السياسة قليلا مبتعدين عن تأويلات النصوص الدينية المقدسة لنستنتج ما يلي:
1ـ إن الصراع الدائر بالمناسبة هو في الواقع مسرحية سياسية هجينة؛ مخرجها المخزن ولاعبوها المأمورون هم: القناتان الأولى بقطعها للبث المباشر، والثانية بإجراء الروبورتاج "المتحيز"، إلى جانب كل من الحزب الإسلامي والجريدة "الدعوية" المقربة منه، فضلا عن الخصوم الحداثيين العارفين والمغرر بهم..!
2 ـ يعني هذا الكلام، أن المخزن قد ارتأى أن يعيد الاعتبار لحزبه الخديم حزب العدالة والتنمية، بعد أن فقد بريقه السياسي ونفوذه الجماهيري إثر الخطأ الفادح الذي ارتكبه الأب الروحي الخطيب في حق المعتقلين السياسيين السابقين، بمناسبة جلسات الاستماع، وإثر الضربة القاسية التي وجهتها جماعة العدل والإحسان له ولليسار جملة برفضها الانضمام إلى من يريدون الاستقواء بها خلال مسيرة الرباط التضامنية مع المشارقة مرة أخرى! لتنفرد بتنظيم مسيرتها الحاشدة، عارضة قوتها التنظيمية وحجمها الجماهيري الكبير، وكاشفة، في الوقت نفسه، عن قزامة العدالة والتنمية؛ كحزب إسلامي مخزني من جهة، وعن ضآلة فلول اليسار التائهين من جهة ثانية..
3 ـ وإذا كان معلوما أن تقزيم الحزب الإسلامي المرشح للحكم غدا أمر لا يخدم مصالح السلطة التي تعيش على التوازنات..! فسيكون من المنطقي، إذن، استدعاء تسونامي لينذر العدل والإحسان، ويقوي العدالة والتنمية، ويطمئن اليساريين الذين فقدوا المقدسات السوفياتية والقومجية، وأضاعوا الجماهير، وصاروا يلعبون على كل جبهات الإنقاذ إلا على الجيهة الأمازيغية!
4 ـ لأجل هؤلاء "المعتدلين" فبركت الدولة الروبورتاج وقطعت البث وشحنت الجدل..! أم تظنون أنه ليس من مصلحتها، ككل السياسيين الأقوياء، أن تساهم في انتشار الخرافة وتعطيل العقول وتبليدها بالخزعبلات والثرثرة الفارغة؛ هي التي ترى أن معارضها القوي، اليوم، ليس كذلك ببرامج اقتصادية ولا بمشاريع اجتماعية يطرحها، بل بمجرد الكلام الديماغوجي الذي يصيح في الناس ليلا ليتدفقوا صباحا كالجراد طائعين!
إنه المغرب فلا نستغرب..
وإلى أن يطالب مجتمعنا السياسي الحداثي الحقيقي بالعلمانية جهرا؛ كل زلزال وأنتم بعيدون عن الخط.