هذه حكومة اردنية شبه نموذجية، جمعت التوازن التكنوسياسي بنسبة تسعين بالمائة في تركيبة واسعة تذكرنا بالحكومات العالمية لا المحلية. و قصد هنا انها ليست فقط حكومة اردنية محلية وانما حكومة رأسها شخصية دولية تبؤات منصبا رفيعا في اليونسكو وكان رجلا عمليا في كل المواقع الاكاديمية التى تسلمها. وتتميز بدخول وزراء ذو خلفيات اكاديمية من اعرق الجامعات العالمية .انها حكومة جمعت بين الاكاديمين والسياسيين، بين رجال الخبرة و من يتم اعدادهم للمستقبل، بين الرجال والنساء ،بين جيل الكبار والشباب. انها حكومة مكلفة بالمشروع الحقيقي للنهوض والاصلاح والانعاش الاقتصادي بلغة العصر و اداواته الاعلامية والحضارية على مستوى العالم لا المحلية الضيقة.
ولم يهزأ احد بتاتا برسالة بعض من الافاضل اعضاء مجلس النواب التى اطلعت عليها بين يدي رئيس الوزراء الليبرالي الاسبق طاهر المصري، و التى اطلع عليها ايضا روؤساء وزراء اخرين في سرادق عزاء بمدنية عمان. و اعتبروها جزءا من حرية التعبير "غير الموفق " في ظل براعم الديمقراطية الحديثة، والمجاملة لمناطق في غير موقعها والتحامل القاسي على وزراء و دون اي اثبات او ادلة دامغة.
فبعد ان نجح الملك في اختيار رئيس ذي سمعه دولية قادر على تجفيف منابع الخلاف العربي واصدار قوانين عصرية للنقابات والاقاليم دون الخروج على الدستور او التعدي على صلاحيات المجلس التشريعي، تأتي هذه الرسالة من نواب يبدو اهتمام بعض منهم بالتوزيع الجغرافي للحقائب الوزارية على حساب المصلحة الوطنية الاشمل، و يهجم بعض منهم بشراسة و دون مبرر على وزراء معروفين باتجاهاتهم و نجاحاتهم المختلفة. ويوقع البعض منهم على البيان كالتزام ادبي مع زملائه اكثر منه ايمانا بالنص الضعيف والاتهامات. انها كيمياء السياسة التى بحاجة الى كاهن اصلاح الخشب الضروري لمراكب تبحر في شمس الديمقراطية الحديثة.
لا شك ان حالة الغضب التى عبر عنها البعض يؤكد ان هناك مجموعات لديها الرغبة الجارفة في التمثيل الجغرافي وفقط التمثيل الجغرافي، حيث لا علاقة لذلك بالاصلاح السياسي و الاقتصادي و الاجتماعي. و بعيدا عن كل هذه الاسباب وغيرها من الطموحات الشخصية و الرغبات الفردية، فأن هنالك فرقا بين الديمقراطية و المعارضة و التهجم، وبين الفوضى و الاتهامات دون اثباتات، و بين محاكمات وادلة وبراهين وكلام منشورات. ولا يعني ابدا غياب البعض عن مقاعد الوزارة تهمشيا لدورهم او الغاءا فعليا لحضورهم السياسي و المدني و الثقافي.
و اريد ان اوضح انني لست ضد وجود اي شخص او اي منطقة لم يشملها التغيير والتشكيل الحكومي، و لكنني اقصد انه يجب التفكير دوما في الاردن بعيدا عن الجغرافيا والتاريخ، وان نكون اكثر انتماءا للارض بحدودها الكاملة لا ان نقف عند قرية بعينها او قبيلة محددة. و ان نعمل جميعا بروح الفريق ذي القيمة الاكبر و الجدية في الانجاز لكيلا نخسر انفسنا و نتقوقع في صراع بيزانطي ، ينتهى بقتل الحلم الاردني الكبير. و يعرف الجميع ان مثل هذه الافكار تحتاج وقتا وتغييرا في ثقافة المحتمع السياسية، و لكن البداية يجب ان تكون من نقطة ما .
و حتى تنطلق الاردن و ينجح الاصلاح الذي يمس شغاف القلوب مطلوب الابتعاد عن الخصومات والصراعات والممحاكات جول الانصبة من السلطة و الثروة حتى لا تفقد الديمقراطية معناها و مغزاها و يسقط عندها المتصارعون في مرتع القضاء على روح الاردن الواحد المتماسك و القوي. ولكن على اي حال فأن للديمقراطية انيابا، و ينبغي ان نحمي البلاد من "المولينكس السياسي" الذي يقطع و يعصر الفاكهة والخضار معا و دون اي مراعاة لانواع العصائرالسياسية والمشروب الفكري و القيمة الاقتصادية.
و اقصد ان بعض المغامرين او المحبطين ممن لم يشملهم التغيير، او لم يأتي حسب توقعاتهم و رغباتهم عليهم ان يضعوا مصلحة الاردن فوق كل شيء.
فقد قطع الاردن شوطا كبيرا على الاصلاح. و شرائح المجتمع تريد ان ترى ثمرة ديمقراطية حقيقة تساعد على النمو الاقتصادي و منفتحة على اطياف و اشكال التعبير الحر دون الفتاوي السياسية المغلوطة و دون مولينكس يجرح الاصابع و يدميها .
خلاصة القضية توجز في عبارة واحدة ، لقد ارتدينا ثوب الديمقراطية و يدنا و قلبنا في مولينكس سياسي يقطع و يدمي اصابع حيوية .نريد اصلاحات و تطويرو حريات، لا دراما سياسية تمنع مرور الاصلاحات الحقيقة.
[email protected]