لا أدري علامَ يستند بعض الأخوة، من ذوي النّوايا الطّيّبة بلا شكّ، حينما يصرّحون بأنّ الإسلام قد جاء "مبشراً بالحرية في المعتقد والفكر وبالحريات الشخصية" زاجّين بالآية القرآنيّة "لا إكراه في الدين" من سورة البقرة سندًا لهم فيما يرمون إليه، كما كتب الدكتور شاكر النّابلسي في مقالته "العرب بين تحدّيات العصر وعوائق التّغيير" المنشورة في إيلاف.
وحتّى لا نُتّهم بأنّا نُلقي الكلام دون أن نفهم معناه على حقيقته، دعونا نذهب إلى ما قاله السّلف في تفسير هذه الآية، ومن ثمّ نخرج برأي له ما يبرّره. لقد لخّص لنا الإمام القرطبي، في تفسيره للقرآن، أوجُهَ الخلاف حول تفسير هذه الآية القرآنيّة، فقال: "اختلف العلماء في معنى هذه الآية على ستّة أقوال«. وهكذا يبسط القرطبي علينا هذه الآراء: فالرّأي الأوّل، كما روي عن ابن مسعود وكثير من المفسّرين يذهب إلى إنّ هذه الآية منسوخة" لأنّ النّبيّ صلّي اللّه عليه وسلّم قد أكرهَ العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يَرْضَ منهم إلاّ بالإسلام«. وهذا الرأي يعني ببساطة الآية قد نُسخت،أي لا يؤخذ بها، وأنّ الإكراه قائم حقًّا في الدّين جريًا على سنّة النّبي الّذي أكره العرب على دين الإسلام.
والرأي الثّاني يقول إنّ الآية ليست منسوخة، "وإنّما قد نزلت في أهل الكتاب خاصّة. وأنّهم لا يُكرَهون على الإسلام إذا أدّوا الجزية. والّذين يُكرَهون أهلُ الأوثان فلا يُقبَل منهم إلاّ الإسلام، فهم الّذين نزل فيهم "يا أيّها النّبيّ جاهد الكفّار والمنافقين". ومعنى هذا الرأي أنّه لا يُكْرَه أهلُ الكتاب، أي اليهود والنّصارى، على الإسلام بشرط أن يدفعوا الجزية، وبكلمات أخرى باللّغة الدّارجة، بشرط أن يدفع هؤلاء، من اليهود والنّصارى، خاوة للمسلمين. أمّا فيما يتعلّق بسائر الأقوام، من غير أهل الكتاب، فإنّ الإكراهَ قائم حقًّا عليهم.
والرّأي الثّالث، »عن ابن عبّاس، قال: نزلت هذه في الأنصار. كانت تكون المرأة مقلاةً، فتجعلُ على نفسها إن عاش لها ولدٌ أن تُهوّدَه. فلمّا أُجليتْ بنو النّضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل اللّه تعالى: لا إكراه في الدّين قد تبيّن الرُّشدُ من الغَيّ... في رواية: إنّما فعلنا ما فعلنا ونحن نرى أنّ دينهم أفضلُ ممّا نحنُ عليه، وأمّا إذا جاء اللّه بالإسلام فنُكرهُهُم عليه، فنزلت "لا إكراه في الدّين"، من شاء التحقَ بهم، ومن شاء دخل في الإسلام«. ومعنى هذا أنّ هؤلاء الأبناء، من الأنصار، الّذين هُوّدوا، لا يُكْرَهون على الإسلام، وإنّما بوسعهم الجلاء مع بني النّضير. وهذا الجلاء كما يعلم الجميع فقد تمّ بالإكراه، أمّا إذا شاء البقاء فلا سبيل له إلاّ الإكراه.
والرّأي الرّابع يقول بأنّ الآية قد نزلت »في رجل من الأنصار يُقالُ له أبو حصين. كان له ابنان، فقدم تجّار من الشّام إلى المدينة يحملون الزّيت. فلمّا أرادوا الخُروج أتاهم ابنا الحصين، فدعوهما إلى النّصرانيّة فتنصّرا، ومضيا معهم إلى الشّام«. فعزّ هذا الأمر على أبيهما، فاشتكى أمرهما إلى الرّسول، »ورغب في أن يبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مَنْ يردّهما، فنزلت "لا إكراه في الدّين"، ولم يُؤمَر يومئذ بقتال أهل الكتاب... ثمّ إنّه نسخَ "لا إكراه في الدّين"، فأُمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة. والمعنى هنا، مرّة أخرى، أنّه لا إكراه في الدّين فيما يتعلّق بأهل الكتاب، وفي هذه الرّواية، النّصارى. ناهيك عن القول بنسخ هذه الآية بأمر قتال أهل الكتاب.
والرّأي الخامس، كما يبسطه الإمام القرطبي، هو أغرب الآراء إطلاقًا على ما فيه من وُضوح. وهاكم الرأي حرفيًّا: "لا تقولوا لمن أسلمَ تحتَ السّيف، مُجْبَرًا مُكْرَهًا". هل هذا الكلام بحاجة إلى تعليق؟
وأمّا الرأي السّادس فيما يخصّ الآية "لا إكراه في الدّين"، فيقول: "هو أنّها وردت في السّبي، متى كانوا من أهل الكتاب لمْ يُجْبَرُوا إذا كانوا كِبارًا. وإن كانوا مجوسًا صغارًا أو كبارًا، أو وثنيّين فإنّهم يُجبَرون على الإسلام، لأنّ من سباهُم لا ينتفعُ بهم مع كونهم وثنيّين... ويستقذرُهُم المالكُ لهم، ويتعذّر عليه الانتفاعُ بهم، من جهة المُلْك، فجاز له الإجبار... وأمّا أشهب فإنّه قال: هم على دين من سَباهُم، فإذا امتنعوا أُجْبروا على الإسلام". وهذا فيما يخصّ الكبار، أمّا فيما يتعلّق بالأطفال الصّغار، فالأمر أكثر وضوحًا: »والصّغارُ لا دينَ لهم، ولذلك أُجبروا على الدّخول في دين الإسلام، لئلاّ يذهبوا إلى دينٍ باطل«. هل هنالك أوضحُ من هذا الكلام؟ أمّا فيما يتعلّق بسائر أنواع الكفر، أي اليهود والنّصارى والمجوس، "متى بذلوا الجزية لم نُكْرهْهُم على الإسلام سواء كانوا عربًا أم عجمًا، قُريشًا أو غيرهم".
من هنا وكما يتّضح من جميع هذه الآراء، فإنّ كلّ من يتشبّث بالآية »لا إكراه في الدّين«، على أنّها خير شاهد على كون الإسلام متسامحًا، إلى آخر ما تحمله هذا الشّعارات وأمثالها من تضليل، لا يسعنا إلاّ أن نقول لهؤلاء أن ليس لديهم ما يستندون إليه في تعليلاتهم. إنّما هم يفعلون ذلك مُنطلقين من نيّة طيّبة ربّما، ولا بأس في ذلك، غير أنّ النّوايا الطّيّبات لا تكفي أحيانًا. وقد يفعلون ذلك أيضًا تَمَلُّقًا للإسلامويّين، إلاّ أنّ هذا التّملُّق لا يُجدي نفعًا، لأنّ النّصوص تقول خلافَ ما يرمون إليه.
لذلك، إذا رغب العرب في الانضمام إلى ركب الحضارة وإذا رغبوا في نشود السّلام العالمي بين كلّ بني البشر، بمن فيهم أولئك الّذين لا ينتمون إلى أهل الكتاب، فلا مناص من رفع الدّعوة الصّريحة إلى فصل الدّين عن الدّولة في كلّ بلاد العرب والمسلمين قاطبة. لأنّ هذه هي الطّريق المُثلى للخروج من المأزق العربي والإسلامي. وإذا كان لديكم طريق أخرى، هيّا أرشدونا.
















التعليقات