حاورته كوليت مرشليان: الروائي الفرنسي دومينيك فرنانديز ضيف صالون الكتاب "إقرأ بالفرنسية والموسيقى" يزور بيروت للمرة الثانية وكتابه الأخير الصادر هذا العام "القاموس العاطفي لروسيا" يتصدر واجهة الإصدارات الحديثة من دون ان يكون الوحيد الذي يعرّف بالكاتب الى القارئ اللبناني. فدومينيك فرنانديز المولود عام 1929 والصحافي والناقد في مجلة "لونوفيل اوبسرفاتور" له مسيرة طويلة مع الكتابة في الرواية والأبحاث والدراسات التاريخية والاجتماعية، منذ "قشرة الحجارة" عام 1959 وصولاً الى "الركض نحو الهاوية" عام 2003 مروراً بنحو 15 كتاباً نقلت الى العديد من اللغات في العالم لينتقل فرنانديز من نوع ادبي الى آخر ومن رواية الى اخرى مستنداً الى شغفه بالسفر والمراقبة والبحث عن شخصيات تغريه وتطل عليه من الماضي ومن التاريخ. كتب عن شغفه بروسيا وايطاليا وعن شغفه ببعض الشخصيات الفنية والتاريخية فكتب عن غوغول والرسام كارافاج وبازوليني، وكرّس بعض الأمكنة والمدن في كتب تجمع التأريخ والفانتازيا في ما تنطوي عليه من واقع ومتخيل.
على هامش زيارته الى بيروت وعلى هامش اللقاء مع القراء وزوّار معرض "إقرأ بالفرنسية والموسيقى"، كان لنا معه هذا الحوار:
الجائزة الأدبية هوية تُحَسّن وضعنا الاقتصادي لكنها لا تغير نوعية الكتابة إلا عند السيّئين
دومينيك فرنانديز، انت روائي وناقد أدبي (في "النوفيل اوبسرفاتور") ومترجم وباحث بالمعنى الواسع للكلمة، أي نوع أدبي يأسرك أكثر من غيره في هذه المرحلة من حياتك؟
ـ في هذه المرحلة اعتبر ان كل أنواع الكتابة بالنسبة لي متشابهة فالكتابة في حد ذاتها هي المهمة بنظري، بهذا يمكن ان أقول لكِ ان الاستمرار في الكتابة هو ما يعطيني الزخم للحياة. قد أقول لكِ مثلاً انها الرواية، لكن هذا غير صحيح ذلك لانني كتبت أول رواية وانا في الحادية عشرة من عمري. صحيح انني انتقلت بعدها الى أبحاث كثيرة وأسفار كثيرة في هدف التوصل الى دراسات تدعم مؤلفاتي هنا وهناك لكن العمل بحد ذاته هو ما يغريني وليس النوع الأدبي أو الكتابي.
ومنذ صغري أحببت ان أخبر قصصاً وحكايات وبقدر ما كنتُ اتقدم في السن صارت القصص في مضمونها أكثر عمقاً ولكن في العمق أشعر انني لا زلت ذلك الولد المولع بالسرد، سرد الحكايات. أول ما كتبت، كانت رواية بعنوان "عين النار"، كنت صغيراً كما أشرت لكنها كانت رواية متكاملة ولا زلت احتفظ بالمخطوط من دون ان أنشره، وتتعلق قصتها بالهنود في المكسيك وهي واحدة من تلك القصص حول صراعات الهنود مع الآخرين حول الأرض والأمكنة وتثبيت الوجود.
جوائز
نلت العديد من الجوائز الأدبية أبرزها "جائزة مديسيس" عن روايتك "بوربورينو أو أسرار نابولي" عام 1974، و"جائزة غونكور" عن رواية "في يد الملاك" عام 1982. كيف تنظر الى الجوائز الأدبية في حياة الكاتب؟ وهل لها التأثير السلبي أو الايجابي في مسيرته؟
ـ بالنسبة إليّ لم تغير الجوائز شيئاً في قراراتي في الكتابة أو في عدم المتابعة. التغيير الذي طرأ على حياتي مع الجوائز هو شراء شقة جميلة. بصراحة هذا ما يشعر به كل كاتب: المكافأة أو الهدية.
أجل أنا أشعر ان الجائزة الأدبية هي هدية تسمح لنا بتحسين وضعنا الاقتصادي وهي في هذا المعنى ايجابية.
اما أن تغيّر في قرارات أو نوعية الكتابة فهذا يحدث مع الكتّاب السيئين أو المزيفين، لكن غالباً ما لا تخطئ الجوائز الأشخاص، إذ ثمة لجان مشتركة تقرر الأمر، والكاتب السيئ قد يخدع قارئا غير متمرس لكنه لا يخدع لجنة متخصصة.
من رواياتك، "بوربورينو أو أسرار نابولي"، "سفر الى ايطاليا"، "سحر سان بترسبورغ الأبيض"، "القاموس العاطفي لروسيا" وغيرها من الكتب... هناك دائماً مرجعية في الأمكنة وكأن كل أعمالك تستند الى هذه المرجعيات. ماذا تعني لك الأمكنة؟ وكيف تحدد هذه الأمكنة نسبة الى الأساسي في رواياتك؟
ـ انها مسألة مدن أكثر منها أمكنة بالمعنى العام. المدن تسحرني وتلهمني وهذا بالطبع الى جانب شخصيات عديدة التقيتها أو أقرأ عنها عبر التاريخ وهي دائماً على صلات عميقة بالمدن.
وعندما أزور مدينة تكون هناك علاقة وطيدة بيني وبين كل من ألتقيه في الأمكنة. هذه اللحظات، حين أمشي في طرقات مدينة وألامس أرصفتها بقدميّ وأجلس في مقاهيها وأشرد في المشاهد لتي تطل من هنا وهناك، أروح اتخيل العديد من الشخصيات التي مرت قبلي وعاشت لحظات مماثلة.
والمدينة شخصية في رواياتي، أصفها تماماً كما أدخل عمق شخصية معينة، أشرحها وأحاول الاحساس بها.
انت ابن الناقد الفرنسي الكبير رامون فرنانديز. كيف كانت علاقتك به وكم تأثرت بمحيطه الثقافي للمضي في الكتابة؟
ـ عرفت والدي من كثب، لكنه توفي وكنتُ في الثانية عشرة. لم أكن أدرك بعد أهمية عمله النقدي آنذاك، وهو انفصل عن والدتي وكنتُ في الثالثة، فلم أكن ملازماً له بل عشت مع امي. ولا أعرف إذا كان لرغبتي في الكتابة علاقة بطبيعة عمل والدي، لا أظن ذلك. انا عشت مجموعة تناقضات إن في تربيتي أو في انتماءاتي جعلتني أشعر بحاجة الى التعبير عن آرائي، هذا الى جانب رغبتي الدائمة في التحدث والسرد والوصف.
من تجربتك في الكتابة خاصة في تناول شخصيات أدبية وفنية معروفة، نُسب اليك "البسيكوبيوغرافيا) من قبل النقّاد، أي الدراسة والتحليل النفسي للشخصية من خلال وضع البيوغرافية الخاصة بها، وكان ذلك خاصة في كتابك "سقوط بايز". وانت وصفت أسلوبك في تقديم ابطالك تماماً كما "الشجرة وصولاً الى أعماق جذورها". هل تجد ان المستتر والخفي هو الأساس في صلب الشخصية؟
ـ بالضبط، هذا ما أظن، لانه عندما نفكر ونقرر في حياتنا نعتقد اننا نقوم بما يمليه علينا عقلنا أو قلبنا، لكن نصف قرارنا يكون متأثراً باللاوعي الذي يعمل بالخفاء ويجعلنا نقع تحت تأثيره من حيث لا ندري. انها قوة تستمد صلابتها من غذاء الطفولة وتتأثر بكل ما حصل معنا في هذه المرحلة الأولى من الحياة. لكن ما عملت عليه لا علاقة مباشرة له بتحليل فرويد المباشر وإن كنت عملت على التحليل النفسي عملياً في أمثال عديدة.
الهاوية
في كتابك "السباق الى الهاوية" المستند الى قصة حياة الرسام كرااجيو المعروف بفرنسا باسم كارااج، أعلنت بأسلوب غير مباشر ايضاً شغفك بالرسم. الى أي حد يشبهك هذا الرسام الثائر؟
ـ كثيراً، وكل شخصياتي تشبهني أو على الأقل تحمل شيئاً من صفاتي، وهذا طبيعي إذ غالباً ما نشعر بأنفسنا مشدودين تجاه انسان معين عبر التاريخ أو في عصرنا ونكون نرى أنفسنا في نقاط معينة عبر وجهه وصفاته وأسلوب حياته.
كل شخصية في رواية لي هي صورة عني تقريباً في ملمح معين.
في كل رواية، نحن نكتب عن انفسنا من خلال شخصيات بديلة واقعية في جزء ومتخيلة في جزء آخر، والجزء المتخيل هو ما نرغب ان نكون عليه. وغالبا ما يجذبني الجانب الثائر في الشخصيات كارافاج، بازوليني، تشايكوفسكي، غوغول، كلهم يقدمون لي خدمة في عرض احاسيسي ومشاعري وافكاري عبر جزئيات من احاسيسهم وافكارهم... وخاصة الثورة والرفض لان التمرد على الواقع يعني البدء بمسيرة الفكر والاحساس بالعالم على الصورة المثالية التي نرغب بها من هنا، اظن ان الانسان المقتنع تماما بواقعه، فيأكل وينام ويذهب الى عمله ثم يعود الى بيته من دون ادنى احساس بالثورة او الرفض ليس انسانا خلاقا، لان الخلق يعني في بداية الامر الرفض والرغبة في اعادة خلق الاشياء على قياس طموحاتنا وافكارنا.
الواقع
انت من الكتاب الذين يستندون كليا الى الواقع لقطف موضوعات وأبطال لمؤلفاتهم. الى اي حد تحارب الجانب الفانتازي والتخيلي في شخصيتك وفي قلمك؟
ـ لدي تجربة في كتابات اعتمدت فيها على الفانتازيا والخيال لم ارفض القيام بهذا الامر لكن تلقائيا شعرت انني أؤمن اكثر بالواقع.
كتبت عن الكسندر دوما انطلاقا من اعجابك الهائل به: هل يمكن القول انك اكملت ما بدأعه دوما ولكن بأسلوب مختلف في اطار الرواية التاريخية والقصص البطولية والروايات التي ترتكز على الاسفار والمشاهدات؟
ـ تأثرت كثيرا بدوما، لا يمكن ان اقول انني من اتباعه تماما ولكن بالطبع ثمة امور كثيرة في رواياته لها الصدى في اعمالي من حيث لا اعرف ربما (هنا نعود الى البسيكوبيوغرافيا) وأثر ما قرأته وانا طالب ومراهق لا ينتهي. ولكن اذاً لست من اتباعه لكنني معجب به الى حد كبير. احب لدى دوما هذه الحركة في اعماله الروائية والاحساس الايجابي بالحياة. فأبطاله جميعهم يقدمون على الحياة بايجابية وتفاؤل واعماله تضج بالحياة. انه من الكتاب الذين ظلمهم النقد لفترة طويلة ومنذ زمن ليس بقصير كان لا زال غير مقنع للعديد من النقاد. لكنه واحد من بين كبار عاصروه وهو كان بمستواهم وان بأسلوب مختلف من ناحية ثانية، احب لديه الفكرة الاساسية التي يكونها عن الادب، فهي فكرة حية وفرحة وكأن الكتابة لتمجيد الحياة. اما كتاب القرن العشرين فهم تحت وطأة الكآبة والحزن والاحباط والمؤلف يكتب دائما عن نفسه واحاسيسه ويتقوقع على ذاته خلال التأليف، اما دوما فكان منفتحا على العالم يلتقط منه كل الاشارات ويدل القارئ الى معالم انسانية واضحة وعظيمة. وأبطاله ليسوا مجرد ابطال في القتال والمبارزات بالسيوف، بل هم ابطال في مواجهة الحياة. وهم يجسدون قيما انسانية عميقة. احب الفرح في مؤلفات دوما.
الشك
كيف تصف هذا القرن من ناحية القيم الانسانية التي تتحدث عنها وايضا من ناحية الابداع والخلق والثقافة والكتابة؟
ـ اليوم هناك نوع من الشك والريبة بخصوص الكاتب اذ ثمة سهولة معتمدة قد تتسع للعديد من المشكوك بهم وأنه لا يمكن ان يستمر امر مماثل لوقت طويل. وثمة صفات يجب ان يؤكدها الكاتب ليمر في الامتحان امام القارئ كأن يمر بالكآبة واليأس ثم يكتب من وحي هذه المراحل الى ما هنالك من مسالك جديدة ومشكوك بها للابداع. دوما كان عفويا في اسلوبه وفي موضوعاته وحتى في مسار الاحداث التي كانت تجري مع ابطاله. هذه العفوية هي التي اعطت حيوية فائقة لاعماله. هذه الامور لم تعد موجودة اليوم.
لننتقل الى سؤال عن زيارتك الى لبنان. هل تتأثر بفكرة ان لك قراء في لبنان وهذا واضح عبر المشاركة في صالون الكتاب "اقرأ بالفرنسية والموسيقى".
ـ هذا من اكثر الامور التي تؤثر فيّ. لقد ترجم العديد من كتبي الى لغات كثيرة ولكن ليس الى العربية. وما احبه في هذا الموضوع هو مراقبة تأثير كتاب معين لي في قارئ عفوي وغير معرض لافكار مسبقة عني. فعندما يقرأني احدهم في فرنسا مثلا، فانا اعرف سلفا ان هذا القارئ لديه في خلفية عني معلومات معينة سينقل منها الى كتابي الجديد. لكن القارئ الاجنبي في الخارج، يواجه كتابك بكثير من الشفافية والمصداقية في البحث الحقيقي والصادق كما يمكن ان يعجبه او يرضيه. اتمنى ان يتم نقل كتبي الى العربية فهنا اشعر مثلا بأنني سأواجه قراء سيشاهدون وجهي بعيدا عن افكار موروثة عبر الصحافة ووسائل الاعلام التي غالبا ما تثير اهتمام القارئ بأخبار ملفقة او احيانا مضخمة قبل الانتقال الى الاساسي في الكتابة النقدية.
ولنختم بسؤال حول كتابك الاخير: "القاموس العاطفي لروسيا" حيث وضعت كل امكاناتك كمؤلف وكل عواطفك القوية تجاه هذا البلد، لماذا روسيا؟
ـ لأنني معجب اشد الاعجاب بروسيا، وايطاليا ايضا. هذان البلدان يمارسان سحرا قويا علي وان تختلف الامور بين بلد وآخر. انا شخصيا من اصل مكسيكي: "فرنانديز" عائلة كبيرة في المكسيك، لكن والدي قدم منها وسكن في فرنسا، والدتي فرنسية وهي صلتي الاولى بفرنسا. لكن محبتي واعجابي بروسيا لا علاقة لهما بانتماءاتي بل بخياري الحر. احترت ان احب هذا البلد وان اعشقه بكل ما فيه: احب روسيا الامكنة والمناخ العام والناس فيها وثقافتها الغنية الممتدة على قرون طويلة.
أحب في ايطاليا مثلا اسلوب الحياة او فن الحياة، لكن ما يجذبني في روسيا، هي روحها، احب الروح الروسية الخصبة والعميقة التي لم تؤثر بها لا الحروب ولا المراحل الصعبة عبر تاريخها: الموسيقى، الادب، المسرح، الاوبرا، الباليه، كل شيء غني في روسيا ويستمر حتى اليوم رغم الفقر المدقع الذي يعيش فيه اهلها، وحتى اليوم، ترى المسارح وصالات الاوبرا محتشدة بالناس ولا اظن الامر سيتغير الى الأسوأ مع الوقت بل دائما الى الافضل لان الروح او الاساس يقوم على مبادئ قوية. ثمة 81 مسرحا في موسكو تقدم فيها الاعمال الجيدة باستمرار وفي موسكو ايضا صالات الاوبرا لا تتوقف عن العمل.
قد تجدين شخصا يقطع مسافة هائلة ولمدة ساعة ونصف الساعة في القطار وفي صقيع الثلج ليحضر عرضا مسرحيا ناجحا، هذا الامر لم يعد يحصل في مجتمعاتنا الغربية حيث البحبوحة المادية اودت بالناس الى امكنة اخرى، امكنة رخيصة وسهلة ومملة وتؤدي بالانسان الى القرف والكآبة في غالب الاحيان. لا اظن ان الفقر يتعارض مع الابداع والخلق والفرح، بل اخاف من الفائض في البحبوحة.
هذا على الاقل ما تعلمته من تجربتي الروسية واقل ما كان يمكن ان اقوله في هذا القاموس العاطفي الذي خصصت به اكثر بقعة من الارض اوحت لي بالحب وبكل معاني الانسانية.














التعليقات