عمان من خلف الطاهات: القضاء.. السلطة التي يحتكم اليها الجميع، وقراراته واجبة الاحترام والتنفيذ من الجميع، لان القضاء هو الحارس على سيادة القانون وتطبيقه، وقد اثبتت الوقائع ان قضاءنا الاردني يتصف على الدوام بالعدالة والنزاهة والحيادية والتجرد والحرص على تطبيق القانون.
عدد من فقهاء القانون يرى ان قرارات محكمة العدل العليا بحسب القانون قطعية وملزمة وواجبة التنفيذ، وهو ما يعني احترام قرارات القضاء وقدسية المحكمة التي تنطق بها مع عدم جواز تجاوز حق التعليق على هذه القرارات بالنقد والتشكيك بنزاهة القضاء وهيبة العدالة.
مؤكدين في السياق ذاته ان التصريحات الصحفية التي ادلى بها نقيب المهندسين وائل السقا عقب قرار محكمة العدل العليا بقضية (نقابة المهندسين - قاقيش) قد تجاوزت حدود التعليق الى النقد واصفين اياها بتصريحات سياسية بعيدة عن احترام القانون ودور القضاء في تحقيق العدالة.
وكان نقيب المهندسين ذكر في تصريحات صحفية عقب صدور قرار المحكمة بان حكم المحكمة معد مسبقا وان ثمة تدخل حكومي بالشأن القضائي، الامر الذي دفع مدعي عام عمان لاستدعائه للاستجواب يوم امس اثر هذه التصريحات. وكانت محكمة العدل العليا اعتبرت قرار نقابة المهندسين المتضمن عدم دعوة النائب المهندس رائد قاقيش الى اي نشاط تكريمي تقيمه النقابة، قرارا «باطلا» لا ستناده الى توصية لجنة غير مشروعة وليس لها اي سند قانوني وهي لجنة مقاومة التطبيع.
وفي هذا السياق قال المحامي راتب النوايسة انه وفي كل دول العالم فان للاحكام القضائية قدسيتها ولكنها ليست مطلقة، بحيث لا يتم المس بهيبة القضاء والتعرض لنزاهته وعدالته.
واضاف ان التشريع الاردني اعطى الحق لتقديم طلب اثناء سير الدعوى لرد القضاة اذا كان هناك مبرر لذلك لدى احد الخصوم واذا ما شعر ان القاضي منحاز لطرف ضد طرف او كانت هناك اسباب موجبة لهذا الطلب.
واكد النوايسة ان القضاء الاردني وعبر تاريخه ومنذ تأسيسه مشهود له بالنزاهة والموضوعية والتجرد وسبق للقضاء الاداري الاردني ان الغى العشرات من القرارات الصادرة عن السلطات العليا في الدولة والمتمثلة بقرارات مجلس الوزراء والوزراء والمدراء العامين في الحكومة.
وقال «لم نسمع اشادة بالغاء تلك القرارات ومما يؤسف له ان المواقف السياسية تنعكس عند حد تقييمنا لقرار قضائي يتصف بالتجرد والحيادية». مضيفا «لكن عندما يتعارض القرار القضائي مع رؤية الخصم السياسية فيصبح القرار القضائي محط نقد وتعليق وتشكيك».
وبين النوايسة ان «قانون العقوبات الدائم ورد فيه نص صريح يمنع وتحت طائلة العقوبة انتقاد القرارات القضائية وتجاوز حدود التعليق عليه لان في ذلك مسا بهيبة القضاء» مؤكدا في السياق ذاته «ان القضاء هو الحصن المنيع الذي يلجأ اليه كل مظلوم».
فيما يرى امين سر نقابة المحامين السابق المحامي احمد طبيشات ان التعليق على قرارات المحاكم جائز من حيث المبدأ وقال «ان الحديث يكون عن خلاف في وجهات النظر بين ما تراه المحكمة وبين ما يراه رجال القانون لغايات الفائدة واثراء الفكر القانوني وبهدف الوصول الى الرأي الصائب في القضايا المماثلة التي قد تنظر مستقبلا».
واضاف طبيشات انه ينبغي الا يتضمن هذا التعليق اي تجريح بنزاهة المحكمة خاصة اذا كان هذا التجريح او التشكيك بنزاهة المحكمة من خلال الصحف ووسائل الاعلام المختلفة، مؤكدا في هذا السياق ان نقابة المحامين نشرت في مجلتها تعليقات على احكام المحاكم ولكن في اطار النقد القانوني المسموح.
وفي سياق متصل اكد المحامي يعقوب الفار ان القرار القضائي هو عنوان الحقيقة ولا يجوز التعقيب عليه من اي مجتهد، خاصة وان قرارات محكمة العدل العليا قطعية ونهائية.
وقال.. لقد جرى العرف في الاردن على عدم التصدي لقرارات المحاكم بالنقد تحديدا ، لان النقد يعني الانقاص من قيمة القرارات القضائية وخاصة اذا كان النقد موجها من غير ذوي الاختصاص القانوني بل من عامة الناس.
من جانبه يرى نقيب المحامين السابق صالح العرموطي بأنه «لا يوجد نص قانوني يمنع من التعليق على اجتهادات المحاكم سواء أكان من مختص بالقانون او من رجل عام يبدي رأيه في اي قرار، مشيرا الى ان غير ذلك فانه يعتبر نوعا من (الارهاب الفكري) لانه على حسب قوله حرية الرأي والتعبير عنها منصوص عليها بالدستور الاردني».
وقال العرموطي «ان العادة درجت ان هناك جهات مختصة تعقد ندوات، وقد سبق لنا في نقابة المحامين ان عقدنا ندوة للتعليق على قرارات المحاكم، وشارك فيها قضاة من محكمة التمييز بالاضافة الى عدد من المحامين، وتم التعليق ايضا على قرارات المحاكم ضمن مقالات وابحاث نشرت في مجلة نقابة المحامين وهي كثيرة». وبيّن العرموطي ان التعليق على اجتهادات المحاكم لا يمس هيبة القضاء او استقلاليته بل يثري تطوير الفكر القانوني والاجتهاد القضائي ولكن ضمن ضوابط.
واوضح «ان ما ورد على لسان نقيب المهندسين «لا يرقى الى مستوى المس بالجهاز القضائي خاصة ان ما قصد (بالاشارات عديدة) هو ما ورد على لسان هيئة الدفاع في هذه القضية وانا منهم، مؤكدا ان بعض المحامين اجتهدوا باجتهاد بان الغاء القرار وارد وهذه الاشارة هي التي قصدها نقيب المهندسين وليس القصد منه الهجوم على القضاء او المس به او بهيبته حسب تفسير العرموطي للموقف».
غير ان المحامي راتب النوايسة يختلف كليا مع المحامي العرموطي وقال «لا نبغي الخلط بين ما يمنحه الدستور الاردني من حق التعبير وحرية التفكير والرأي وبين تجاوز هذا الحق لدرجة الاساءة لهيبة القضاء وقدسية القرارات القضائية».
واضاف «والا فان فتح الباب على مصراعيه لنقد المؤسسة القضائية سيعطي مبررا لأي شخص يصدر قرار قضائي لغير صالحه ان يعلق ويتجاوز التعليق بالنقد والاساءة بالتالي لسمعة القضاء والوطن».
وبين النوايسة ان إحالة اي شخص ينتقد القضاء للمدعي العام لا يعني ادانته حيث ان المدعي العام سيباشر اجراءات التحقيق وحتى يتمكن من إحالة المشتكى عليه الى الجهة القضائية التي ستحاكمه فانه سيقوم باجراء تحقيقات ربما تكون نتيجتها منع محاكمة الشخص اذا ثبت للمدعي العام بان الانتقادات التي قالها المشتكى عليه لا تشكل مساسا بالقضاء وهيبته وبالتالي من حق المدعي العام ان يقرر منع محاكمة ذلك الشخص، مشيرا الى انه حتى لو قرر احالته للمحكمة فان لذلك الشخص ان يقدم من البينات والدفاع ما قد يوصله الى البراءة وعدم المسؤولية، موضحا ان اي قرار يصدر بحقه هو ايضا قابل للطعن امام الجهات القضائية، وهذا كله يؤكد بأن هناك ضمانات قانونية وقضائية يتمتع بها اي شخص يحال للقضاء.