كتب رجاء النقاش: دعا العديد من المفكرين والأدباء العرب المعاصرين إلي التقريب بين العامية والفصحي, وتطرف بعضهم في دعوته فنادي بأن تحل العامية محل الفصحي, واندفع بعض هؤلاء بالفعل إلي كتابة أعمال لهم بالعامية, كما فعل الدكتور لويس عوض في كتابه مذكرات طالب بعثة وهو كتاب جميل مكتوب من أوله إلي آخره بالعامية, والكثيرون لايعرفون هذا الكتاب ولايهتمون به, ولعله لو كان مكتوبا بالعربية الفصيحة وليس بالعامية لكان له شأن آخر, وقد كتب لويس عوض هذا الكتاب في بداية حياته الأدبية, وبعد عودته من بعثته الانجليزية, ولكن عندما تقدم العمر به فانه كتب مذكراته الرئيسية تحت عنوان أوراق العمر وكتبها بلغة عربية واضحة وفصيحة جدا, وكتاب أوراق العمر هو الكتاب الذي يعرفه الناس أما كتاب مذكرات طالب بعثة العامي فلا يعرفه أو يهتم به إلا القليلون.
وهناك أدباء عرب آخرون معروفون يرفعون راية العامية ويقولون ان العامية أصلح للحياة من الفصحي, ومن هؤلاء الأديب اللبناني الكبير ميخائيل نعيمة1889 ـ1988 حيث يتحسر نعيمة علي الأحوال اللغوية للأجيال الجديدة فيقول في مقال له بعنوان طهروا اللغة العربية!! إني لآسف لفتيان وفتيات يصارعون طلاسم اللغة العربية علي مقاعد المدرسة فتصرعهم الطلاسم, وينتهون بأن يخرجوا من المدرسة بعد أن يتركوا فيها زهرات شبابهم, ولغتهم عصية علي ألسنتهم وأقلامهم, ومحاسنها بعيدة عن مداركهم وأذواقهم, وفي قلوبهم مايشبه الحقد علي لغتهم وعلي الذين خلقوها ورتبوا لها تلك القواعد, ثم يقول ميخائيل نعيمة,: ياليت الفصحي تأخذ بعض القواعد عن العامية, فهي لو فعلت ذلك لاستغنت عن الكثير من القواعد التي هي أوزار ثقيلة, ورثتها اللغة العربية عن الماضي, وفات نفع هذه القواعد من زمان, وانه لمن الخطأ الفادح والجهل المطبق أن ننكر علي العامية عبقرية تستمدها من حيوية الشعوب الناطقة بها, كتلك التي استمدتها الفصحي في ما مضي من حيوية القبائل الناطقة بها, ونحن لو تفحصنا عبقرية اللغة العامية لوجدناها أقرب ماتكون إلي عبقرية اللغة الانجليزية التي
هي في هذه الأيام اكثر اللغات حيوية, وأوسعها انتشارا فالعامية كالانجليزية, قد استغنت عن الاعراب في أواخر الأسماء للأفعال فلا رفع ولانصب ولا جر, ولاجزم, ولاتمييز في الصفات بين المذكر والمؤنث في صيغي المثني والجمع, ولا حاجة علي الاطلاق إلي التفريق بين أحرف النفي والجزم, وبين خبر كان واسم لعل والممنوع من الصرف وغير الممنوع, وفي استطاعة العامة أن تتفاهم بدون هذه الشعوذات اللغوية.
هذا نموذج من الاراء المتطرفة المطروحة منذ عشرات السنين لتطوير اللغة العربية وقواعدها, والحقيقة أنه ما من رأي من هذه الآراء استطاع أن يحقق شيئا من النجاح أو يتحول من فكرة نظرية إلي تطبيق عملي, وحتي ميخائيل نعيمة الذي نادي بالرأي السابق سنة1952 فقد عاش بعد ذلك حتي وصل إلي التاسعة والتسعين من عمره, ولم يكتب صفحة واحدة بالعامية, وأستطيع أن أقول انه لم يكتب سطرا واحدا بالعامية, وكان نعيمة من كبار أدبائنا, المعاصرين الذين يتقنون العربية اتقانا تاما ويحرصون أشد الحرص علي عدم الوقوع في أي خطأ من الأخطاء الشائعة علي أقلام الكتاب, وأذكر أنني التقيت بميخائيل نعيمة سنة1963 في زيارة له بقريته الجميلة بسكنتا فوق جبل لبنان الساحر, ورأيته يميل في حديثه الشفوي إلي اللغة الفصحي في أغلب ألفاظه وعباراته, وهذه ظاهرة لافتة للنظر, فمعظم الذين نادوا باستخدام العامية بدلا من الفصحي كانوا يتقنون اللغة العربية اتقانا عاليا, ولم يستطيعوا ان يتخلوا عنها في معظم ماقدموه من انتاج أدبي أو فكري, ولعل هذا الموقف يكون فيه دليل علي أن هؤلاء الذين يدعون إلي ان تحل العامية في الكتابة محل الفصحي لم يكونوا مقتنعين بما يق
ولون في قرارة نفوسهم, ولاشك ان هذا الموقف يشير ايضا إلي سحر خاص باللغة العربية هو أقوي بكثير مما يتصور الذين ينادون بالتخلي عنها.
والحقيقة أن مايقال عن تطوير قواعد اللغة العربية هو أمر مقبول وضروري في حدود, هو ممكن من تبسيط هذه القواعد وتحريرها من التعدد والكثرة والتعقيد, فالاصلاح اللغوي ممكن ومطلوب, اما الانقلاب اللغوي الكامل علي القواعد الأصلية الأساسية فهو أمر مستحيل أو شبه مستحيل, ولم يحدث شيء من ذلك في الماضي, ولايوجد دليل واحد علي امكانية حدوثه في المستقبل, والسبب الأصلي الجوهري لذلك مفهوم, وهو أن اللغة العربية بقواعدها المعروفة هي لغة القرآن, وهو نص مقدس ولايستطيع أحد ان يمد يده بالتغيير لاي شيء يتصل بهذا النص, والقرآن نص عربي مبين فصيح يستند في لغته إلي قواعد اللغة العربية الفصيحة, بالاضافة إلي ذلك فان هناك تراثا أدبيا وفكريا يمتد في اللغة العربية إلي مايقرب من ألف وخمسائة سنة, وهو تراث فصيح, ولا أحد يملك الحق في القول باهمال هذا التراث أو ترجمته من الفصحي إلي العامية, فمثل هذه الدعوة هي دعوة هازلة وباطلة, لأنه لايمكن ترجمة قصائد المتنبي علي سبيل المثال وهي قصائد عظيمة إلي العامية.
ونخرج من ذلك كله إلي أن هناك دعوات للاصلاح ليس أمامها أي سبيل للنجاح مثل الدعوة إلي الغاء الاعراب أو الغاء المثني ونون النسوة, فذلك لوحدث فانه سوف يؤدي إلي ارتباك لغوي غير محدود, وخاصة في قراءة القرآن وفهمه, وكذلك في قراءة نصوص التراث العربي المختلفة.
ولكن هناك في المقابل دعوات إلي الاصلاح اللغوي مقبولة ومعقولة والأخذ بها لايضر بل علي العكس, فان في ذلك مايدفع بدماء جديدة تسري في شرايين اللغة العربية ويقدم اليها اضافة ثمينة, ومن هذه الدعوات ما نادي به الأديب العربي الكبير ابراهيم عبدالقادر المازني1889 ـ1949 من ضرورة الاستفادة بمئات الالفاظ العامية التي هي في الأصل, ألفاظ عربية فصيحة, رغم ان الكثيرين يظنون انها ليست كذلك, ويشرح المازني وجهة نظره في هذه القضية فيقول: يتوهم كثيرون من الناس أن اللغة العامية ليست من العربية في شيء, ولهذا يحرصون حين يكتبون علي الفرار من ألفاظها ويذهبون يتكلفون, فتكون النتيجة الاغراب والمباعدة مابين القاريء والكاتب, ومن أجل هذا انتشر الاعتقاد بأن لغة الكتابة غير طبيعية,. ومن هنا ظهرت الدعوة إلي اتخاذ العامية في الكتابة ليفهم الناس بغير مشقة, ولو أن العامية تمت دراستها لما كان لهذا كله محل, وقد عثرت في مطالعاتي علي مئات ومئات من الألفاظ العربية يستعملها العامة, وان كانوا يحرفونها قليلا في النطق, والحقيقة أن اللغة العامية جديرة بالعناية, وقد تعودت فيما أكتب علي استعمال الصحيح من الألفاظ العامية.
ويتحدث المازني حديثا مفيدا جدا عن العامية المصرية فيقول: عندما فتح العرب مصر لم تكن العربية لغة البلاد, وانما كانت اللغة خليطا من المصرية القديمة واليونانية والرومانية وغيرها, ثم أخذت العربية تحل محل هذا المزيج بالتدريج, وبدأت مصر بعد رسوخ الاسلام فيها تسهم بحظ في النشاط الذي كانت بغداد مصدره علي خلاف الحال في إفريقيا الشمالية, حيث كان انتشار العربية بطيئا جدا, ومما ساعد علي رسوخ اللغة العربية في مصر دخول الفاطميين وقيام دولتهم فيها, فقد كانوا أنصارا للعلم والثقافة, ومن أعظم آثارهم هذا الأزهر الذي ظل بعد خراب أمثاله أعظم جامعة اسلامية, ولايزال كذلك إلي الآن فلا عجب اذا كانت عامية مصر أصح من عاميات الأمم العربية الأخري وأقرب إلي الفصيح.
ثم يقول المازني ان استعمال الألفاظ العامية الصحيحة في مواضعها يمنع التكلف الذي يجعل اللغة غريبة, وينفي ماتقرر في النفوس من أن لنا لغتين: واحدة نكتب بها, والأخري, نستعملها في الكلام, ويأخذ الطريق علي الذين يدعون إلي اتخاذ العامية لغة للكتابة.
وأخيرا فهذه نماذج من الألفاظ العامية التي ذكرها المازني وقال عنها انها فصيحة أيضا ودعا إلي استخدامها في الكتابة دون أي حرج لغوي:
السفرة ـ المائدة الهبرة القطعة من اللحم التي لا عظم فيها ـ وهبر اللحم اقتطع منه قطعة كبيرة, اللهوجة ـ لهوجت الطعام لم أنضجه, والعامة تستعمل الكلمة بمعني مجازي لتدل علي التسرع, وعدم النضج في أي شيء, الزغزغة ـ كلمة فصيحة ومعناها معروف, الموالسة ـ المخادعة ـ البرطمة ـ كلام الغضبان, البرجمة ـ الكلام الغليظ ـ شاط الطعام ـ احترق ـ العمس ـ ضعف البصر, ـ الحنك ـ سقف أعلي الضم الكباب ـ اللحم بعد تحويله إلي شرائح ـ الملاية ـ الغطاء المعروف للنساء الشعبيات, الهدوم ـ الأثواب, القبقات ـ نعل من خشب وهو معروف, الطلق وجع الولادة, البعبعة ـ تتابع الكلام في سرعة وصوت خشن, الصفارة ـ الزمارة. المذاع ـ الكذاب, بجم ـ سكت فجأة بسبب فزع أو هيبة. فرشح ـ أصله أن يثب وثبا متقاربا وصار يستعمل للمباعدة بين الساقين. قششت الشيء أخذته بأجمع, الصندل, شبه حذاء والفعل تصندل.
الدار بزين ـ للسلم وهو معروف, الشباك ـ النافذة الطرطور, الطاقية الطويلة.. إلخ
هذه كلمات عامية وفصيحة معا, وضع المازني يده عليها وأشار إليها وإلي كثير غيرها مما هو عامي وفصيح أيضا ويمكننا ان نستخدمه دون أي حرج لغوي, والمازني علي حق فيما دعا إليه, وهذا النوع من الاصلاح اللغوي هو الذي يمكن أن يبقي في الأرض, وينفع الناس, ويكون أمرا قابلا للتطبيق في الواقع.














التعليقات