المنامة من حسين خلف: صدر أمس عن حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين أمر ملكي رقم "31" لسنة 2004 بتعيينات قضائية. وجاء في الأمر أنه يعين ثلاثة مستشارين قانونيين - عرب - قضاة في محكمة الاستئناف العليا المدنية. ونص الأمر ذاته على تعيين 18 قاضيا - عربيا - بالمحكمة الكبرى المدنية، وذكرت مصادر مطلعة لـ "الوسط" أن القضاة المذكورين هم من ضمن 25 قاضيا عربيا تمت إعارتهم للبحرين، من أجل العمل في سلكها القضائي، وذكرت مصادر من المجلس الأعلى للقضاء أن القضاة العرب سيقومون بتدريب بعض القضاة البحرينيين، الذين يحتاجون إلى تدريب، فيما تسربت أنباء حينها عن قرب تنحية قضاة بحرينيين عن مناصبهم، وهو ما أثار لغطا كبيرا بين القضاة الذين أصبح كثير منهم قلقين على مستقبلهم الوظيفي، على رغم أن وزارة العدل نفت عبر بيان رسمي وجود أي توجه إلى تنحية قضاة بحرينيين عن مناصبهم، في حين أنها - وزارة العدل - لم تكن الجهة المخولة بالرد بحسب رأي قانونيين، وذلك على اعتبار أن الجهة المكلفة بالإشراف على القضاء بموجب قانون السلطة القضائية الصادر في العام ،2002 هو المجلس الأعلى للقضاء الذي لم يرد حينها على الخبر.
وما عزز الشك لدى بعض القضاة في أن القضاة - العرب - سيتم إحلالهم محل القضاة البحرينيين، هو تأخير المجلس الأعلى للقضاء إجراء الامتحانات الشفوية لخريجي الحقوق الذين تقدموا لملء الوظائف الشاغرة في المناصب القضائية وفي النيابة العامة، التي أعلنت وزارة العدل - بناء على طلب المجلس الأعلى للقضاء - في الخامس عشر من شهر مارس/ آذار من العام الجاري فتح باب الترشح لشغلها من قبل خريجي الحقوق، الذين قدموا الامتحان التحريري، وكان من المفترض أن يتم اختبارهم شفويا خلال الشهر الجاري إلا أن ذلك لم يحصل، وهو الأمر الذي سبب ظهور إشاعات مثل أن المجلس الأعلى للقضاء سيسمح لخريجي نظام الانتساب من جامعة بيروت بتأدية الامتحانات التحريرية، علما بأنه تم استبعادهم من تقديم امتحانات تحريرية لملء المناصب القضائية المعلنة، وإشاعات أخرى مثل أن نتائج الامتحانات التحريرية لم تكن مشجعة وهاتين الإشاعتين ليس لهما مصدر يطمئن إليه.
وعلمت "الوسط" أن رئيس محكمة التمييز نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشيخ خليفة بن راشد بن عبدالله آل خليفة التقى رئيس جمعية المحامين عباس هلال ومحامين آخرين، وأطلعهم على "برنامج طموح للنهوض بالقضاء"، بحسب تعبير رئيس جمعية المحامين عباس هلال الذي أكد لـ "الوسط" أنه "ستتم الاستعانة بمزيد من المستشارين المصريين، نظرا إلى النقص في عدد القضاة، وفي نصاب هيئة القضاة، إذ يجب أن تتكون الهيئة القضائية للمحاكم الكبرى من أربعة قضاة بدلا من ثلاثة كما هو حاصل الآن، وأن تتكون هيئة قضاة المحاكم الصغرى من قاضيين بدلا من قاض واحد كما هو الوضع الآن"، وأكد هلال أن "القضاء الابتدائي في المحاكم الصغرى سواء الجنائية منها أو المدنية، سيتم تعزيزه بالمستشارين نظرا إلى أن القضاء الابتدائي هو الأساس".
وأوضح هلال أنه اطلع على برنامج وصفه بالطموح أيضا، لـ "اختيار القضاة البحرينيين، وبرنامج تدريبهم"، وأكد هلال تفاعل جمعيته الإيجابي مع برنامج المجلس الأعلى للقضاء، وأبدى دعمه الشديد لخطواته قائلا: "نريد قضاة مصريين، وذلك لكفاءتهم والخبرة، وذلك لإحلال البحرينيين مستقبلا"...
وعلى الطرف النقيض أثار قضاة وقانونيون وحقوقيون الكثير من علامات الاستفهام بشأن خطوة استقدام "مجموعات" من المستشارين، إذ قال أحدهم: "إن لدينا أكثر من ستين عاما قضائيا منذ أن بدأ التنظيم القضائي في البحرين، وما يحصل هو اعتراف بأننا فشلنا في تنظيم القضاء، إذ كيف نستقدم هذه المجموعات الكبيرة من المستشارين لتعيينهم قضاة بعد كل هذه المدة من العمل القضائي في البحرين، والسؤال الأهم الذي يجب أن يطرحه المسئولون على أنفسهم بدلا من استخدام مصطلح الإصلاح بمرادفة كل خطوة يقومون بها، هو أنه هل أن القضاء سيتم إصلاحه حين نستقدم مستشارين مصريين؟ ألم نستفد من تجارب الاستقدام السابقة التي أثبتت أنه لا يمكن بناء قضاء مستقل بقضاة مستقدمين يتسلمون أجرهم من الحكومة؟ هذا مع احترامنا لكل من تم استقدامه، لكن هذه هي الكلمة التي يجب أن نقولها الآن، ألا توجد برامج أخرى لتأهيل القاضي البحريني؟ ألم نقل مرارا إننا نحتاج إلى معهد قضائي لتدريب القضاة وتأهيلهم قبل أن ينخرطوا في السلك القضائي؟ أليس من الأفضل لو تدرج القاضي في مراحل عمله بدءا من المحاماة ثم النيابة العامة ثم الجلوس على كرسي القضاء؟ ألا يجب أن يعمل القاضي الجديد ضمن دائرة قضائية بها من أصحاب الخبرة الكبيرة لكي يتعلم منهم، وتصاغ تقارير دورية عن تطوره للمجلس الأعلى للقضاء، قبل أن يتم تحميله مسئولية محكمة كاملة لوحده؟ كل هذه الحلول لا يأخذون بها، وتكون الوصفة الجاهزة هي استقدام مستشارين وكأنه لا ينقصنا سوى هذا الأمر، ألا ينظرون إلى ما حصل في النيابة؟".
وأضاف "إن هذه الخطوات تسهم في عدم استقلالية القضاء، ويجب ألا نتحدث بعد الآن عن قضاء مستقل مادام القضاة موظفين لدى الدولة وليسوا أصحاب سلطة مستقلة، ثم أن أي قاض بحريني سيتجرأ على قول كلمة الحق ضد أية جهة رسمية أو غير رسمية، مادام مهددا بالتنحية؟ نحن متخوفون من أن تكون العملية هي عملية عزل للقضاة تحت اسم التدريب لهم، فلنكن واضحين إذ إن قانون السلطة القضائية الصادر في العام 2002 يقول ما نصه: "إن القاضي لا يعزل"، هذا واضح إذا كان هناك قاض سيئ فيجب أن تتخذ الإجراءات القانونية لتنحيته، لا بهذه الطريقة".
وعبر محام بحريني آخر عن رأيه بالقول: "هناك الكثير من المحامين البحرينيين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة، لكن أيا منهم لم يعرض عليه منصب قضائي لكفاءته ونزاهته، إن عقدة النقص وحب الهيمنة على القاضي مازالت هي الحاكمة، لدينا قضاة غير مستحقين لمناصبهم هذا أمر حقيقي، لكن الأمر غير الحقيقي هو أن استقدام الأجانب سيصلح القضاء".
ومن جانبه علق الناطق الرسمي باسم المركز البحريني لحقوق الإنسان عبدالهادي الخواجة على ما يجري قائلا: "أولا ان استقلالية القضاء تعني استقلالية الجهة التي تتخذ القرارات الأساسية، والمفترض أن تكون هي المجلس الأعلى للقضاء، فهي التي تقوم بإصلاح القضاء، وبحسب علمي فإن هذه الجهة غير مفعلة بشكل كبير، إذ مازال القضاء تحت هيمنة السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل. ثانيا، قيمت اللجنة الدولية لاستقلالية القضاء في أحد تقاريرها، القضاء البحريني فانتهت إلى أن تشغيل القضاة غير البحرينيين بعقود عمل غير دائمة، يضر باستقلالية القضاء على اعتبار أن مصير القاضي وبقاءه مرهون بالجهة التي جلبته إلى البلاد، وبالتالي فإن عدم استقلالية القضاء في هذه الأماكن الحساسة ينعكس على استقلالية القضاء ككل. وثالثا، لماذا لانزال نتكلم عن تدريب الكفاءات البحرينية؟ أرى أن المشكلة تكمن في أنه وسط التغييرات الحاصلة في البلد فإن القضاء صار جزءا من المشكلة الموجودة، إذ إنه يقع تحت سيطرة الدولة، إضافة إلى عدم التسريع في عملية إصلاحه، وفي ظل وجود قضاة غير كفؤين، هذا مع العلم أن جهات دولية ومنها الحكومة الأميركية عرضوا مساعدتهم في إجراء إصلاحات في القضاء البحريني، يجب أن تكون هناك إرادة سياسية متوافرة لإصلاح القضاء".