جاء خطف موظفي شركة الهاتف المصريين، وكذلك العراقيين، ليواجه الجميع بتحد جديد يشوش عليهم فهم المعضلة العراقية. نحن معهم فكيف يخطفون ابناءنا؟ كيف نسميها مقاومة، حسب وصف عديد من المثقفين المصريين، وهي تستهدف جماعات مسالمة تشارك «المقاومة» عواطفها؟
الرأي العام المشوش سيتحول مع الوقت وتعدد الاحداث باتجاه معاداة الجماعات المسلحة في العراق، فهي لا تقل مذهبا وعنفا عن الجماعات المسلحة في النصف الاول من التسعينات التي عاثت في مصر فسادا قبل ان تتمكن الدولة من القضاء عليها.
فالمصريون، من مثقفين وعامة الناس، اخذوا موقفا مناهضا للوضع الرسمي في العراق، معتبرينها حالة احتلال رغم ان الحكومة صدق عليها مجلس الأمن واعترف بها مجلس الجامعة العربية. ولم يتورع المسلحون من استهداف المصريين كما فعلوا ضد جنسيات عربية واسلامية وفرنسية من قبل. وهذا سيضع الحقائق تحت الضوء وسيجعلها اكثر وضوحا. الحقيقة الأكيدة انه لا مصلحة لأحد مهما كان موقفه السياسي ان يبقى العراق مرتعا للإرهاب وعصابات الخطف، وان من صالح الجميع ان تهزم قوى المعارضة المسلحة، ايضا، مهما كان رأينا في الحكومة العراقية الحالية.
فما نراه الآن مخيف في حجم القتل المستمر ومع هذا يقول البعض انه اقل مما يمكن ان يقع لاحقا من فوضى ودمار لو عجزت السلطة الحالية عن ضبط الارهاب والحد منه، وهنا سيتحول العراق الى مأوى لجماعات ستنطلق منه وتحول كل المنطقة الى جهنم أخرى يدفع ثمنها الجميع في داخل بلدانهم. وبالتالي نحن نتساءل لماذا لا يرى جمهور المؤيدين للمعارضة المسلحة المباركين والمبررين لها ما تعنيه من خطر أعظم على العراقيين وعموم دول المنطقة. فعداؤهم للقوات الاميركية او عدم اعترافهم بالحكومة العراقية ليس مبررا للدفاع عن هذه الجماعات التي لا تمثل فكرا تحريريا للعراق ولم تقدم مشروعا بديلا للوضع الراهن سوى التفجير والقتل والخطف.
هذا التحالف مع الجماعات المسلحة في العراق قد يصيب الاميركيين بشيء من الأذى لكن الضرر الحقيقي والأعظم سيصيب العراق ودول المنطقة، كما رأينا في الساحة اللبنانية وبعدها في الصومال ثم افغانستان. ومن يقرأ المقالات التي يتضرع فيها الكتاب الى الخاطفين اطلاق سراح الرهينتين الفرنسيين والأردنيين والاتراك والآن المصريين من منطلق ان هؤلاء ابرياء وينتمون الى بلدان حليفة، يكتشف حجم جهل هؤلاء الذين يعتقدون ان الخاطفين ليسوا الا عراقيين يحملون قضية واحدة ذات هدف مشترك تريد عراقا ديموقراطيا حرا يمثل كل المواطنين بطوائفهم واعراقهم. هذا ما تستوحيه من كتاباتهم وتعليقاتهم وهي في واقع الامر ليست الا تمنيات لا علاقة لها بما يسمى بالمقاومة وطروحاتها.
مساكين هؤلاء المصريون فقد جاؤوا الى العراق آمنين ومؤمنين بان ما يقومون به يخدم العراقيين ولا علاقة له بالسياسة او الأمن او غيره، ومستمدين قناعتهم من موقفهم السياسي الجيد وموقف بلدهم ايضا. كل هذا صحيح لكن الارهاب لا لون له ولا يفرق بين بريء ومطلوب.