قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

تعد معضلة هجرة الادمغة او ما يحلو للبعض تسميته بـنزيف العقول واحدة من اهم معوقات التنمية والتقدم في دول العالم الثالث، والدول العربية على نحو خاص. وتتلخص المشكلة في تفضيل المتخصصين من حملة الشهادات العليا، المدعومة بالذكاء الوقّاد، العيش والعمل في بلدان اجنبية وفي خدمة شعوب غير شعوبهم، الامر الذي يعني هدر الجهود وتبديد الاموال الهائلة التي خصصتها اوطانهم لهم كي يتحولوا من اشخاص عاديين الى علماء واطباء واساتذة ومهندسين بالمستوى الذي يؤهلهم للعمل، ليس في بلدانهم، ولكن في مجتمعات يعدونها ارقى او افضل من مجتمعاتهم. هذه ليست بالمسالة الهينة، ذلك ان النزيف المالي والعلمي يمكن ان يقدر بتكاليف وجهود الاسرة وعشرات السنين من الدراسة في البلد الام، حتى اذا ما نضجت السنبلة وامتلات خيرا ياتي الغريب ليقطفها ويستثمر خيراتها. وبعملية حسابية بسيطة يمكن للمرء معاينة حجم الخسارة الوطنية التي يتسبب بها خروج العقول الذكية للعمل في بلدان اخرى.
واذا كانت الخسارة بهذا الحجم وبهذا المعيار القومي، فان الظاهرة يمكن ان يبالغ في تصويرها، خاصة عندما يدّعي البعض من حملة الشهادات العليا بانهم قد تم الاتصال بهم، سرا، من قبل مؤسسات علمية كبرى كـوكالة الفضاء الاميركية من اجل التعاقد معهم مقابل توفير كل ما يتمنونه، من قصور انيقة ومرتبات اسطورية لاقناعهم بالبقاء في الدولة التي درسوا فيها. وهذا، للاسف، ديدن العشرات من خريجي الجامعات الغربية الذين يحاولون تضخيم صورة الذات عن طريق مثل هذه الادعاءات على سبيل اختلاق هالة كاذبة للتبختر وللايحاء بانهم انما يسدون جميلا لبلادهم بمجرد البقاء فيها. لذا يمكن ان نعزل هذا العدد الكبير من حملة الشهادات العليا الذين لا يعرف عنهم منجز اكاديمي يدل على رسوخ علمهم وتميزهم او تفوقهم. بهذا الفصل تتبلور لدينا نخبة من العقول الذكية التي يكون فقدانها من قبل الوطن خسارة بمعنى الكلمة. وتدل المؤشرات على وجود اعداد لا باس بها من هؤلاء المتميزين الذين يعملون في مؤسسات واكاديميات غربية رصينة، ولكن بلا تبختر او تعظيم للنفس.
النقطة المهمة هنا تتمثل في ان الجامعات الغربية نفسها راحت تغير سياستها حيال الابتعاثات العلمية القادمة من دول العالم الثالث، خاصة العربية منها. فاذا ما كانت افضل النخب الثقافية والعلمية التي لعبت ادوارا مشهودا لها في حياتنا هنا قد تخرجت في اواسط القرن الماضي او قبله من جامعات غربية، فان طرائق تعامل هذه الجامعات مع استقبال البعثات قد تغيرت خاصة بعدما تحول قبول مثل هؤلاء الطلبة والباحثين من مشروع علمي محض الى مشروع تجاري مهلهل تحسب جدواه الاقتصادية بقانون العرض والطلب، الامر الذي ادى الى قيام بعض من هذه الجامعات الغربية للاعلان عن نفسها كما تعلن الشركات عن السيارات والصوابين والعطور. وهذا ما يفسر ارسال بعض الجامعات الاجنبية موفديها الى وزارات التربية والمعارف والتعليم العالي العربية للتعبير عن استعدادها لقبول طلبة دراسات عليا بمقاييس الوزن وليس النوعية. ومرد هذا هو ان العديد من هذه الجامعات ترنو الى دعم برامجها وتوسعاتها من خلال الاموال الطائلة التي تحصدها من الحكومات في بلداننا تحت يافطة البعثات العلمية. وتدل القصص التي يتداولها العديد من خريجي هذه الجامعات على ان الامر لا يتعلق كثيرا بالذكاء وبالمثابرة بقدر ما يتعلق، في احيان كثيرة، بالهدايا والرشاوي وكتابة الاطروحات العلمية بالنيابة. وثمة نماذج عديدة لهذا النوع من رسائل الماجستير والدكتوراه حيث لا يعرف كاتبها محتوياتها بدقة ! اعرف شخصا كتب اطروحة الدكتوراه في بريطانيا بالانكليزية، ولكن عندما طلبت لجنة تقييم الشهادات ببغداد مناقشة بعض ما جاء في اطروحته، سارع لمترجم كي يعرّب كلمات الاطروحة بالقلم الرصاص سطرا بعد سطر ! هذا هدر من نوع اخر يمكن ان يسمى بـالشهادات العلمية المزيفة المنتزعة من جامعات بعناوين ودول مرموقة ولكن على سبيل سياسة التدجين، حيث تقدم لك تلك الجامعات اعدادا من حملة الشهادات العليا الذين لا يحسنون سوى حضور الولائم والتبختر بين ابناء جلدتهم.
اذا، المقصود بنزيف العقول هنا ليس هذه الطائفة التي تركب الموجه التجارية، وانما هو تلك النخبة الذكية الصغيرة التي تستحيل بسبب ما يتاح لها من ظروف وامكانيات تقنية، الى نبتة يصعب اعادة استزراعها في تربتها الاصلية وبيئتها الطبيعية، في وطنها. هؤلاء هم فعلا ثروة قومية تستحق العناية والمثابرة على اعادتها للمنشا. وللمرء ان يحاول استقصاء مسببات تفضيلهم الحياة في بلدان غير بلدانهم. يبدو ان واحدا من اهم ما تتطلبه مثل هذه العقول المتوقدة هو المستوى العلمي الرفيع الذي يمكن ان تعمل في مهاده بطريقة مثمرة. واحدة من اهم مشاكل هؤلاء هو ان العودة الى اوطانهم تعني التضحية بمشاريعهم البحثية والعلمية التي تتطلب المختبرات والادوات والتسهيلات التي لا توجد في بلدانهم او التي هي ممنوعة فيها. لذا تكون عودتهم هي نوع من انواع الانتحار العلمي او القضاء على توثبهم العلمي وتطلعاتهم البحثية، خاصة عندما تستلمهم القيادات الجامعية المحلية التي تجهل احيانا عمق تخصصاتهم ومعارفهم فترميهم للتدريس في صفوف جامعية ابتدائية على سبيل التخريج بالجملة كما عهدنا ذلك في بعض الجامعات العربية عبر السنوات الاخيرة.
ولان المسالة تتعلق بمفهوم الاغتراب، فان هذا المفهوم يتطلب التمحيص بسبب ما ينطوي عليه من تنوعات ومتغيرات. الاغتراب لا يعني العيش في ارض غير ارض الوطن فقط، وانما هو قد يعني كذلك العيش في الوطن ذاته بطريقة مغتربة، حيث تكثر المشاكل المحلية والمخاطر السياسية والعلمية التي تشل كوامن الابداع ومنابع الذكاء والفطنة. الامر لا يتعلق بتقديم قائمة بالاجهزة والادوات التي تطلبها الكفاءة العلمية الرفيعة الى الحكومة ليتم استيرادها وتجهيزها فورا. بل هي تتعلق بوجود مجتمع متخصص من الاقران والمتنافسين المهنيين والعلميين الذين لا يمكن استيرادهم بطلبية عاجلة. فنحن تنقصنا الكثير من المتطلبات والحاجات التي لا يمكن للمال ان يشتريها: ومن هذه الاحتياجات الضرورية هي الاجواء العلمية الموائمة الرفيعة، والجمعيات والاتحادات المتخصصة التي تجمع العلماء سوية، كلا حسب حقله وتخصصه، زد على ذلك غياب المجلات الاكاديمية الرفيعة التي تضطلع بنشر النتاج العلمي وتوزيعه عالميا. شكرا للانترنيت الذي كشف خبايا الجامعات في العالم الثالث، من حسناتها الى سيئاتها.
لا يمكن باي حال من الاحوال قصر المعضلة على المرتبات العالية والمكافات المالية الكريمة كي يتم كسب افئدة العلماء والموهوبين، ذلك ان هؤلاء لا يمكن ان يعيشوا، بعدما جربوه في المجتمعات المتقدمة، في اجواء اجتماعية وسياسية مرتهنة بارادات متخلفة او غير قادرة على النهوض بنفسها. هذا ما يفسر وجود ظاهرة نزيف العقول حتى في دول العالم العربي الميسورة اقتصاديا حيث لا تتاخر في تقديم جميع التسهيلات المادية والمالية لقطف ثمار برامجها التربوية والتنموية. لذا تجد العديد من هؤلاء الاغنياء اصلا وهم يستلمون من المرتبات ما يساوي نصف ما يمكن ان يحصلوا عليه في بلدانهم. ولكن برغم هذا هم يفضلون البقاء في الدول الغربية وفي مراكز الدراسات الشرق اوسطية والاقليمية وفي الجامعات هناك، ليس بسبب الترفع الزائد ولكن بسبب ما يتمنونه لانفسهم ولابنائهم من عيش رغيد وحر، اضافة الى فرص التعليم الرفيع لابنائهم الذي لا يمكن ان يفوزوا به في المناشيء الاصلية. بل ان ابناءهم عندما تبدا رحلة الوعي لديهم يغدون مخلوقات غريبة عن المجتمعات التي ابتعثت آباءهم وامهاتهم. بل انهم، ربما، يكبرون دون ان يتعلموا لغات اوطانهم الاصلية: فتظهر امام المتابع مخلوقات مركبة من اصول شرقية وبتفرعات وتبرعات غربية. وهنا تظهر الازمة التي تعاني منها العديد من الاقليات العربية والمسلمة التي تعيش في الدول الغربية: الازمة تكمن في هذا الانفصام المؤلم بين ثقافتين وخلفيتين اجتماعيتين، الاولى لا تقبل ان تموت، والثانية غير قادرة على ان تولد.
ان الدول العربية التي تعاني من هذه المشكلة على نحو واضح ينبغي ان تاخذ بفكرة استقطاب العقول العربية الذكية التي تعمل وتنتج ليقطف الغير من ثمارها. بيد ان هذا العمل ينبغي ان يكون جماعيا واقليميا ذا ابعاد مخططة استراتيجيا، ذلك ان الاجواء المساعدة على الابداع وتنميته وتشجيعه قد لا يمكن ان يتحقق في بلد عربي واحد بعينه. لذا فان عملية تشجيع وتطوير العمل العلمي والاكاديمي العربي المشترك تساعد في استعادة هذه العقول، زد على ذلك ما يتطلبه هذا العقل من اجواء ديمقراطية وحرية في الحركة والاتصال مع جميع انحاء العالم. ان الكفاءات العلمية المتميزة لن تبخل على اوطانها بما تنتجه وتبدعه، خاصة عندما تتاكد بان العودة الى الجذر لا تعني التضحية بالمنجز العلمي او بالتطور الاكاديمي.