قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

زرت معسكر أوشفيتز في جنوب بولندا منذ عدة سنوات. توقفت طويلاً أمام أفران الغاز حيث كان النازيون يصهرون البشر ويحولون عظامهم وشحومهم إلى صابون. رأيت صور الضحايا رجالاً ونساء وأطفالاً. بكيت مرتين.
مرة تأثراً بالمصير المأساوي لآلاف الأبرياء من اليهود أساساً ومن الكاثوليك والغجر كذلك الذين سقطوا بين يدي الاحتلال النازي المتوحش؛ ومرة ثانية ألماً على الطريقة التي سلكها عالم مابعد سقوط النازية واندحارها في التعويض على يهود العالم.
من حيث االمبدأ كان لا بد من التعويض. فالمجرمون الذين ارتكبوا المجازر الجماعية لم يكونوا نازيين فقط. كان أعداء النازية على علم بتلك المجازر الجماعية، ومع ذلك لم يسمحوا لليهود بالهجرة إلى دولهم هرباً بحياتهم. وعندما اقتحمت قوات الحلفاء ألمانيا كانت معسكرات الاعتقال آخر المواقع التي توجهت اليها هذه القوات. وكان أوشفيتز واحداً منها.
لذلك، فان ذكرى تحرير أوشفيتز لا يمكن أن تكون تذكيراً بتحرير الضمير الغربي من المسؤولية (المعنوية على الأقل) مما حدث في هذا المعسكر الرهيب، وفي سواه من معسكرات القتل الجماعي.
لقد عوضت الدول الغربية (الولايات المتحدة وأوروبا وحتى الاتحاد السوفياتي السابق) على اليهود على حساب العرب عامة والفلسطينيين خاصة. فكانت اسرائيل، وكان التسابق بين واشنطن وموسكو على الاعتراف بها وعلى تسليحها وتمويلها بالمال وبالموجات البشرية من المهاجرين. ومن خلال ذلك تخلصت من كثير ممن تبقى لديها من يهود غير مرغوب فيهم، وبرأت في الوقت نفسه ذمتها من مسؤولية التقصير في انقاذ أسلافهم من بين براثن النازية، علماً بأن ثمة تاريخاً طويلاً من الاضطهاد الذي عانى منه اليهود طوال أجيال، من روسيا حتى بريطانيا مروراً بالعديد من الدول الأوروبية الأخرى.
ولكن جريمة التقصير لا تغطيها جريمة سلب الفلسطينيين حقوقهم وحتى كرامتهم الانسانية للتعويض لليهود.
اذا كان لليهود حق ما في الشعور بالكراهية والانتقام من الذين أساءوا اليهم يوماً، وان يتصرفوا معهم بما لا يختلف كثيراً عن تصرف النازيين.
إنه من المؤلم ان الذين قصروا في التصدي للجرائم النازية ضد اليهود، يقصرون اليوم في التصدي للجرائم الاسرائيلية ضد الفلسطينيين؛ حتى أن الضفة الغربية وغزة تكاد تتحول إلى أوشفيتز الثانية.
ان الجريمة لا تعالج بجريمة مثلها. فما تعرّض له اليهود في أوروبا كان جريمة ضد الانسانية بكل المقاييس. وما يتعرض له الفلسطينيون اليوم ـ من دير ياسين حتى جنين، مروراً بصبرا وشاتيلا ـ هو جريمة ضد الانسانية، وبكل المقاييس ايضاً.
لقد كان النازيون يعملون على "تطهير" ألمانيا من اليهود بعد أن ألغوا حقوقهم ليس فقط كمواطنين انما كبشر ايضاً يستحقون الحياة. ويعمل الاسرائيليون اليوم على "تطهير" اسرائيل من الفلسطينيين بعد أن احتلوا ارضهم وألغوا حقوقهم كمواطنين وكبشر يستحقون الحياة كذلك.
قد يكون صحيحاً ان الشعوب لا تتعلم من تجارب غيرها. ولكن هل تتساءل اسرائيل عن المصير الذي آلت اليه النازية نتيجة الجرائم التي ارتكبتها. ان التاريخ يعلمنا انه لا جريمة بلا عقاب مهما طال الزمن.