كلما توغّل المرء في قراءات تاريخية متشعبة، زادت متعتُه وغزرت مادتُه التي يستطيع بها أن يفهم ما يجري في زمانه المعاصر. ومنذ خريف سنة 2003، لاَزَمَتْنِي رغبةٌ شديدةٌ في قراءة تاريخ فارس بالاصطلاح الجغرافي القديم الذي يشمل إيران اليوم ومناطق شاسعة أخرى تُقام عليها اليوم دول عديدة. في تلك الفترة كنت أتهيّأ للقيام بأول زيارة لي إلى إيران، فطفقت أقرأ في التاريخ والأدب والحضارة وتراجم الرجال وطبقاتهم. واستمررت على هذه القراءة إلى اليوم. ولقد لفت نظري ما حفل به القرن الخامس الهجري من أحداث ووقائع وتحوّلات وصراعات اضطربت بها هذه المنطقة من العالم الإسلامي. في الثلث الأول من القرن الخامس الهجري، قامت دولتان في المغرب والمشرق، الأولى الدولة المرابطية، والثانية الدولة السلجوقية. والغريب أن هذه الدولة الثانية تأسست في ظل الخلافة العباسية، ولكن في فترة ضعف وعجز وخذلان، فقد كان الخلفاء العباسيون لا يملكون من أمرهم شيئاً، بينما كانت الدولة السلجوقية التي قامت في فارس والتي كانت تحكم الشرق الإسلامي كلَّه، يمتدُّ نفوذها إلى الخليفة في بغداد.
لمع في تلك الفترة الوزير الخواجة نظام الملك :408 ـ 485 هـ! الذي كان وزيراً لإثنين من سلاطين الدولة السلجوقية، هما السلطان ألب أرسلان، والسلطان ملكشاه، لمدة ثلاثين سنة :455 ـ 485 هـ! . ويقول عنه المؤرخون :لقد وسع آفاق دولة إيران توسعه لم يُرَ لها في إيران نظير في الألف والثلاثمائة سنة من تاريخ الإسلام، وأنه لم يكن كاشغر، وأوزجند، وبلاساغون، وما وراء النهر، وخورازم، وخراسان، وسجستان، وكرمان، وفارس، وعراق العجم، وعراق العرب، ومازندان، وآذربيجان، وأرمينية، وآران، والشام وبيت المقدس، وأنطاكية، من يتأخر في تنفيذ أوامره وتطبيقها قيد أنملة . لقد كان السلطانان المذكوران، وقد كانا من أعظم سلاطين السلاجقة، يطيعان آراءه ويُقرّان تصرفاته..!.
والوزير في الاصطلاح القديم هو الرجل الثاني في الدولة، فهناك وزير واحد، وليس مجموعة وزراء، ويمكن أن يقال بالتعبير المعاصر، رئيس الحكومة صاحب السلطة والنفوذ في ظل السلطان. وقد كان نظام الملك من أشهر الوزراء في التاريخ الإسلامي، أو كما يصفه الدكتور عبد الهادي محمد رضا محبوبة :وهو بالمناسبة زوج الشاعرة العراقية الكبيرة نازك الملائكة! في أضخم كتاب صدر عن هذا الوزير من تأليفه، كبير الوزراء في الأمة الإسلامية. عمَّر الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي الملقب بنظام الملك والمعروف عند الإيرانيين بالخواجة، سبعاً وسبعين سنة، وتولَّى في صباه الكتابة لأبي عليّ بن شاذان حاكم بلخ، وأصبح من بعد كاتب ألب أرسلان إلى آخر العمر، وبتعبير آخر إنه قضى حياته في السياسة، لقد كانت أمور الدولة كلها إبَّان وزارته تحت نظره، وعلى يديه تمت إنجازات وأعمال عُزِيَت إليها شهرة السلاجقة الأتراك وتقدمهم، سواء في عهد نظام الملك أم بعده. كما يقول الدكتور يوسف حسين بكّار في كتابه :نحن وتراث فارس! نقلاً عن عباس إقبال في المقدمة التي كتبها لكتاب :سياست نامه! لنظام الملك.
والعصر الذي عاش فيه الخواجة نظام الملك كان مضطربًا شديد الاضراب.
يقول الدكتور عمر فروخ :أما أعظم ما اضطربت به البيئة العباسية في القرن الخامس للهجرة، فكان الحركة الباطنية في النصف الأول من هذا القرن كان الفاطميون في مصر ينازعون العباسيين في العراق جهارًا، وكان ا لبويهيون يمالئون الفاطميين، وكان الفاطميون يعملون على إثارة الفتن بين السنة والشيعة في العراق. ولما اشتغل طُغْرُلُ :بضم الطاء والراء واللام وسكون الغين! السلجوقي بالفتن في الموصل وفي المشرق، انتهز الفاطميون الفرصة ودفعوا أبا الحارث آرسلان بن عبد الله البساسيري، وهو فارسي الأصل وكان رئيسًا للجند الأتراك، :الأتراك بالاصطلاح القديم الذي لا علاقة لهم بالمفهوم المعاصر! الى الثورة وتمكن البساسيري في عام 450 هـ :مطلع عام 1059 م!من الاستيلاء على بغداد واعتقال الخليفة القائم بأمر الله، وخطب للمستنصر الفاطمي :أي جعل اسمه في ا لدعاء في خطبة الجمعة مكان اسم الخليفة العباسي!. ثم فرغت يَدَا طغرل فزحف على بغداد وقاتل البساسيري وقتله :في 451 هـ! وردَّ الخليفة القائم إلى بغداد مكرمًا..!.
هذه الصفحة القاتمة التي رسمها الدكتور عمر فروخ في كتابه :تاريخ الفكر العربي الى أيام ابن خلدون!، توضح لنا معالم العصر الذيي عاش فيه الوزير الخواجة نظام الملك، وتكشف أهمية الأدوار التي قام بها في محاربة أصحاب الفتن من المتطرفين الغلاة المتآمرين على الدولة الإسلامية، بل على الإسلام بدءًا وانتهاء. ولذلك نجد نظام الملك يهتم بانشاء شبكة من المدارس عرفت في التاريخ بالمدارس النظامية، لنشر التعليم ولمحاربة الباطنيين والغلاة والمتطرفين الذين وضعوا أسس الإرهاب باسم الدين، والذين كانوا، يهددون الأمة الإسلامية، ويتآمرون مع الامبراطورية البيزنطية ثم مع الصليبيين، ثم مع المغول لضرب الدولة الإسلامية ولبث التفرقة بين السنة والشيعة، كما يجري الآن في العراق، وفي باكستان، وفي أفغانستان.
لقد اهتم نظام الملك ببناء هذه السلسلة من المدارس في كل من بغداد، وبلخ، ونيسابور، وهراة، وأصبهان ، البصرة، ومرو، طبرستان، والموصل، وكما تقول الدكتورة فوقية حسين محمود :فنظام الملك بفتحه هذه المدارس، والإنفاق عليها بسخاء، لم يكن يرمي الى نشر العلوم الدينية فحسب، وإنما كان يهدف في قرارة نفسه، إلى تحقيق إصلاح جذري لأحوال البلاد المضطربة بجَمع القلوب حول أمراء :سلاطين! الدولة السلجوقية، وطبعها على الإخلاص للمذهب :السنة والجماعة! بعد أن كانت هذه القلوب متفرقة مزعزعة بسبب فعل الأيادي الأثيمة التي كانت ترمي الى تحقيق مآربها الشخصية، معرَّضةً مصالح الناس وعقائدهم، بل وحياتهم للدمار والهلاك! ـ الجويني إمام الحرمين، أعلام العرب 40، ص 44 ـ فنظام الملك لم يكن سياسيًا محنكًا فحسب، بل كان مصلحًا اجتماعيًا
بفضل حنكته وحسن تقديره وصلاحه وصفاء نيته، أن يحقق للشعب طمأنينة النفس، ورفاهية العيش، وراحة القلب، بأن ضرب أيدي العابثين بقلوب الأهلين العاملين على إزعاجهم بالفتن والقلائل السياسية والدينية، كما تقول الدكتور فوقية في كتابها عن الجويني الذي عيَّنه نظام الملك أستاذا بالمدرسة النظامية في كل من نيسابور وبغداد.
فلقد كان الخطر محدقا بالإسلام من كل جانب، وكان ثمة تواطؤ بين الغلاة الذين خرجوا عن جادة الدين الحنيف واشتطوا في تأويلاتهم حتى ألْحَدُوا ونَاصَبٌوا الإسلام العداء، وبين الدولة البيزنطية التي كانت تتربص الدوائر بدولة الخلافة وتؤازر الفاطميين في مصر وتغريهم للإنقضاض على الدولة العباسية التي كانت في أسوأ عهودها. ولقد كان للحركة الفكرية التي قادها نظام الملك بموازاة مع الحركة السياسية والعسكرية على مستوى الدولة السلجوقية، الدور الكبير في القضاء على الفتن، وفي استقرار الأوضاع في أنحاء العالم الاسلامي.
ومما يلفت النظر أن نظام الملك خلف آثارا فكرية تشهد له بالنبوغ وبالحكمة وبالمعرفة الواسعة، ومنها كتابة :سياست نامه! باللغة الفارسية الذي ترجم الى لغات عديدة منها اللغة العربية. وكل فصل من فصول هذ الكتاب الخمسين، يكشف بوضوح تام عن ناحية من أوضاع الحكم، وأجهزة الإدارة، والطبقات الاجتماعية، ورسوم :قواعد السلوك والمراسم! ذلك العهد، وتقاليده وآدابه. فالكتاب من هذه الناحية، غنيمة كبرى، كما يقول الدكتور يوسف حسين بكار في الفصل الذي كتبه عن :السياسي العجوز نظام الملك الطوسي وكتابه سياست نامه! ضمن كتابه :نحن وتراث فارس!. وقد ترجم الدكتور بكار :سياست تامه! الى اللغة العربية، وصدر في طبعتين الأولى عن دار القدس بيروت في سنة 1980، والثانية عن دار الثقافة بالدوحة في سنة 1987.
يضم :سياست نامه! وترجمته الى العربية :كتاب السياسة! عصار أفكار نظام الملك وتجاربه في أخريات حياته. إنه مذكرات سياسي ووزير عظيم ابتعد فيها عن التصدي لحوادث حياته الخاصة، وانصرف في الأكثر الى تعليم السبل التي تُدار بها الممالك والدول والإرشاد إليها. والكتاب غنيٌّ بالآراء الحكيمة والنصائح والحكايات التي تدور حول سياسة الحكم والمنهج الرشيد في تسيير شؤون الدولة. ويري نظام الملك أن بنيان المملكة والحفاظ عليها لايقوم إلا على العدل المطلق، وقد نبّه على هذه الناحية مرات بصور شتى. وهو يرى أن رضى الحق تعالى، وقوة سلطان ملكشاه :السلطان السلجوقي الذي كتب الكتاب في عهده وبطلب منه!، وصلاح الجيش والرعية منوطة كلها بالعدل والإحسان، ويعتقد بأن :الملك يبقى مع الكفر، ولايبقى مع الظلم! ـ ص 17 ـ 61 ويقول لملكشاه في صراحة :وفي الحقيقية إن سلطان العالم ـ خلَّد الله ملكه ـ يدرك أنه سيسأل في ذلك اليوم العظيم عن جواب هذه الخلائق التي تحت إمرته، وأنه لن يُسمع منه شيء إذا ما أحال الى شخص آخر، فمادام الأمر كذلك، فعلى الملك ألاّ يعهد بهذه المهمة لأحد، وألاّ يغفل عن شؤون الخلق! ص 18 و28.
ويقول نظام الملك أيضاً في هذا الكتاب الذي سبق به المؤلفات السياسية الشهيرة التي جاءت بعده :ليس ثمة ذنب أعظم من ذنوب الملوك عند الله تعالى. إن معرفة حق نعمة الله على الملوك إنما تكون في المحافظة على الرعية وإنصافها، وكفّ أيدي الظالمين عنها! ص 54. لقد شغل هذا الأصل المهم :من أصول الحكم! نظام الملك واسترعى اهتمامه في كل مكان. واللافت للانتباه هنا، أن نظام الملك، وهو الوزير ذو النفوذ الواسع، يكتب هذه النصائح ويوجّهها إلى السلطان ملكشاه وهو يعمل تحت إمرته. فهو لا يكتب من فراغ، أو يكتب لمجرد التألف النظري المحض، ولكنه يكتب وهو يمارس الحكم إلى جانب صاحب الشأن الأول وولي الأمر الذي يدين له بالطاعة. وتلك ميزة هذا الكتاب، كما أنها ميزة فريدة لنظام الملك.
يقول الخواجة نظام الملك :وعلى الملك ألاّ يقطع في أمور الدولة من غير أن يستشير المجربين وذوي الرأي في مملكته، فإن قوة رأيه، وإن كان مصيبا كقوة رجل واحد، فإذا استشار عشرة رجال من ذوي الخبرة كان رأيه كقوة عشرة رجال، وليس في الشورى ضعف أو عدم ثقة بالنفس، فإن المسلمين جميعا متفقون على ما كان للنبي عليه السلام من قوة الرأي وصدق الفراسة، وقد أتيح له أن يرى السماوات والأرض والجنة والنار واللوح والقلم والعرش والكرسي، وكان جبريل يتحدث إليه وقد أحاط خبرا بما كان وبما سيكون، ومع كل ذلك الفضل الذي أسبغه الله عليه ومع معجزاته التي ليست في طاقة البشر، فإن الله تعالى يقول له »وشاورهم في الأمر« آل عمران 159 فعلى الملك أن يشاور ذوي الرأي في مملكته، وأن يقارن رأيه بآرائهم ويقلبها معهم جميعا حتى يظهر الرأي الذي يجب أن يتبع، وعليه أن يعلم ان الاستئثار بالرأي ضعفٌ لا قوة، وأن من الغرور أن يعتدَّ المرء برأيه ولا يسأل عن آراء الآخرين! الفصل 18 -.
وهكذا يمضي الخواجة نظام الملك في كتابه المثير للفضول العقلي. وهو بذلك يرتقي إلى الذروة من الوزراء الحكام الذين تفتخر بهم الحضارة الإسلامية. ولم يكن مستغرباً أن يقتل على يد باطني متعصب إرهابي بتعليمات من الفرقة الباطنية المارقة التي عرفت في التاريخ بالحشاشين. أليس في التاريخ عبرة للحاضر وللمستقبل؟














التعليقات