سمير عواد

لا بد وأن أحد مستشاري الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش حذر من سلاح الإعلام قبل أن تقود الولايات المتحدة حملة عسكرية دولية ضد العراق في عام 1990/1991. لذلك انتشرت الشائعات بأن قوى ائتلاف الحرب سوف تستخدم قنابل ذكية تستطيع اختراق نوافذ الوزارات في بغداد.
ثم كشفت القنابل الذكية عن غبائها واخترقت ملجأ العامرية حيث أوقعت فيه مجزرة رهيبة. كانت الولايات المتحدة بصدد تجنب الوقوع في أخطاء حرب فيتنام التي لم تتعاف منها في ذلك الوقت. إذ أن صور الضحايا من المدنيين الفيتناميين والأهوال التي تعرضت لها مدنهم وقراهم حركت الشعب الأمريكي ودفعت به إلى الشارع للاحتجاج على الحرب والمطالبة بوقفها. وعانت سمعة العسكرية الأمريكية طويلا بسبب حرب فيتنام إلى أن وقع هجوم الحادي عشر من سبتمبر عام2001. وهو الحدث الذي كان دافعا كي يأمر الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، الجيش الأمريكي باجتياح أفغانستان لتدمير معسكرات التدريب التي أقامها تنظيم(القاعدة) وذلك عقب إعلانه ما يسمى الحرب المناهضة للإرهاب. في إطار هذه الحرب قرر بوش لاحقا توسيع الحرب لتشمل العراق بعد أن استعان بوش ومجموعة الصقور حوله، بأدلة كاذبة لتبرير الحملة العسكرية الأمريكية الثانية على العراق. واتهم بوش نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين بالتعاون مع (القاعدة) كما أقنع غالبية الشعب الأمريكي أن العراق يملك أسلحة للدمار الشامل. وذهب حليفه في أوروبا رئيس الوزراء البريطاني توني بلير إلى أبعد من ذلك حين أعلن أنه بوسع العراق شن هجوم بأسلحة الدمار الشامل على بريطانيا خلال 45 دقيقة. في نهاية مارس 2005 يعرف العالم كله أن هذه الاتهامات كانت من نسج الخيال لهدف تبرير الحملة العسكرية والسيطرة على منابع النفط في العراق ومرابطة الجيش الأمريكي على مسافة قريبة من إيران وسوريا اختلطت الأوراق من جديد داخل العالم العربي. انهار نظام صدام وحسب تصريحات إبراهيم الجعفري رئيس حزب الدعوة ورئيس الوزراء المنتخب سوف يقدم صدام للمحاكمة وإصدار حكم بحقه قبل نهاية العام الحالي.
لم يكن بوش الابن ليحصل على تأييد واسع داخل الولايات المتحدة لولا مساندة أجهزة الإعلام الأمريكية. فخارج الولايات المتحدة خاصة في أوروبا الغربية حيث أبرز حلفاء واشنطن، عارضت الجماهير الحرب واضطرت حكومات وقفت في صف بوش للمجازفة بمصيرها. ففي أسبانيا حصل تغيير حكومي وانتهى عهد المحافظ خوسيه ماريا أثنار في عام 2004م. ولم يجرؤ المستشار الألماني جيرهارد شرودر على المغامرة بإرسال جنود ألمان إلى الحرب لأن مئات الآلاف من الألمان نزلوا إلى الشوارع معربين عن رفضهم للحرب. ولم يختلف الأمر بالنسبة لفرنسا.
في الغضون تم الكشف عن مدى اعتماد الإدارة الأمريكية على دعم أجهزة الإعلام الأمريكية في التمهيد للحرب وخلالها. ولأول مرة تم إدماج مراسلين لوكالات الأنباء والتلفزيون والصحف مع وحدات الجيش الغازية.
حين سئل بوش بتاريخ 26 يناير الماضي خلال مؤتمر صحفي إذا كان يؤيد حصول صحفيين على رشاوى من الحكومة الأمريكية كانت الإجابة: لا. لم يكن دافع الشخص الذي وجه السؤال بحث موضوع التحيز الذي مارسته أجهزة الإعلام الأمريكية والبريطانية خلال الحرب وإنما كان يشير إلى قضية المعلق التلفزيوني الأمريكي أرمسترونج وليامز الذي حصل على240 ألف دولار من وزارة التعليم ليروج لسياسة التعليم التي طرحها بوش وتعرضت لانتقادات. ليس المعلق وليامز الإعلامي الوحيد الذي ينتفع ماديا من إدارة بوش ففي اليوم الذي نفى فيه بوش منح إدارته رشاوى لإعلاميين أمريكيين كشفت صحيفة(واشنطن بوست) أن التي تعرف بخبيرة شؤون المتزوجين ماجي جالاجر حصلت من وزارة الصحة على 41 ألف دولار للترويج لموقف بوش حيال التقاليد العائلية كما حصل المعلق مايكل ماكمانوس على عشرة آلاف دولار للإشادة في كتاباته بسياسات بوش. وتشير المعلومات إلى أن إدارة بوش نجحت في بسط نفوذها على وسائل الإعلام حيث لا يمكن الحديث عن صحافة حرة في الولايات المتحدة بمعنى الكلمة. من أبرز الأدلة على خسارة رئيس قسم الأخبار في محطة التلفزيون الأمريكية المتعاطفة مع إدارة بوش، منصبه في الشهر الماضي بعد أن نقل عن لسانه أن الجنود الأمريكيين تعمدوا إطلاق النار على الصحفيين في العراق. كما تم تجميل حرب العراق الأولى حرصت الإدارة الأمريكية على أن يحصل الشيء نفسه لحرب العراق الثانية. من خلال برنامج وضعته وزارة الدفاع الأمريكية في ضم ستمائة مراسل مع وحدات الجيش ضمنت الإدارة الأمريكية نشر تقارير خالية من الانتقادات وتشير إلى قدرات القوة العظمى العسكرية الهائلة. وكشفت عملية استطلاع أجرتها مدرسة الاتصالات التابعة للجامعة الأمريكية إلى اعتراف الصحفيين الأمريكيين أنهم اضطروا إلى كتابة تقارير تشيد بالغزو وبقدرات الآلة العسكرية الأمريكية وهم بذلك صرفوا النظر عن الحقائق المهمة حول دوافع الحرب والتحقيق في الأدلة التي ثبت عدم صحتها وكذلك معاناة المدنيين. وكان صدام حسين نفسه قد توقع سقوطا سريعا لجيشه أمام الولايات المتحدة لعدم تكافؤ القدرات العسكرية للطرفين العراقي والأمريكي. لكن صدام توقع أن تظهر مقاومة شعبية طويلة الأمد. طلبت مدرسة الاتصالات من ستمائة من الصحفيين الذين انضموا لوحدات الجيش الأمريكي المشاركة في عملية استفتاء. تمت هذه العملية بصورة سرية بحيث تم التأكيد بعدم نشر أسماء المشاركين بها من صحفيين ومصورين ومنتجين. كتب أحد الصحفيين إجابة ورد فيها: في إطار القوانين التي كتب علينا أن نتمسك بها عدم الإشارة في تقاريرنا إلى ما يمكن أن يقزز نفوس القراء من الحرب وخاصة عدم التعليق على صور القتلى بين المدنيين. تمت عملية الاستفتاء عقب الكشف عن فضيحة تعذيب المعتقلين العراقيين في سجن أبو غريب لكن صور التعذيب السادية للمعتقلين التي انتشرت في أنحاء العالم لم تكن الصور الوحيدة التي أثارت المشاعر ليس داخل الولايات المتحدة فقط. فقتل وحرق وتعليق جثث محترقة لعملاء السي آي إيه الأمريكيين في الفلوجة ثم إجهاز جندي أمريكي على جريح عراقي داخل مسجد في الفلوجة جعلت الناس يتساءلون عن جدوى هذه الحرب. وكتب أحد الصحفيين إلى مدرسة الاتصالات التابعة للجامعة الأمريكية: كنا نحاول أن نجعل الصور ممتعة إلى حد ما لكي نجعل الحرب مثل فصل من فيلم مسل. وحين عدنا إلى الولايات المتحدة بلغنا أن الكثير من القراء احتجوا على محاولات منح الحرب وجها جميلا. وفقا لاعتراف غالبية الذين شاركوا في عملية الاستفتاء قاموا بعد إرسال تقاريرهم وصورهم بمناقشة إمكانية الكشف عن صور بشعة خاصة صور تعذيب المعتقلين. غير أن مديري التحرير في وسائل الإعلام كانوا يختارون الصور التي لا تشير إلى شراسة الحرب وكانوا يختاروا صور الجنود العراقيين وهم يرفعون الراية البيضاء مستسلمين للجنود الأمريكيين. قبل بدء الحملة العسكرية على العراق قررت أقسام التحرير العمل بما بلغها من أوامر من الحكومة الأمريكية بعدم نشر ما يثير مشاعر الرأي العام الأمريكي. ولأن محطة تلفزيون (الجزيرة) التي تبث برامجها من دولة قطر بثت صور الأسرى من الجنود الأمريكيين في العراق وكذلك صور القتلى منهم وطائرة حربية أسقطها فلاح عراقي ثارت حفيظة المسؤولين في واشنطن وراحوا يشيرون إلى قانون الصحافة الذي تجاهلوه بأنفسهم حين وضعوا خطط الحرب. نسبة42 بالمائة من المصورين اعترفوا في عملية الاستفتاء أنه قيل لهم مسبقا بأن صور جنود قتلى من الجيش الأمريكي أو من جيوش التحالف لن تنشر وكذلك الأمر بالنسبة لصور الأسرى. كما اعترف 15 بالمائة من الصحفيين أن أقسام التحرير عدلت الكثير من نصوصهم التي أرسلوها من مناطق القتال. وصلت مدرسة الاتصالات إلى نتيجة وهي أن التغطية الإعلامية في الولايات المتحدة لحرب العراق الثانية لفقت الحقائق وجعلت الثقة تضعف بدور وسائل الإعلام الأمريكية وأوضحت أن الحقيقة كانت في مقدمة ضحايا هذه الحرب.