في اطار تحولات الدول وتغيرات النظم التي حاولنا في المقال الماضي رسم ملامحها الرئيسة وابراز قسماتها المميزة، تمر الدولة العربية المعاصرة في أزمة عميقة لاشك فيها. ولو شئنا ان نلخص أسباب الازمة في معادلة واحدة لقلنا أنها بسبب اشتداد مطالب الداخل وعنف ضغوط الخارج!
من المنطقي ان يثار منذ البداية تساؤل: هل يمكن الحديث عن الدول العربية المعاصرة على سبيل التجريد، وبدون الالتفات الى الفروق الجسيمة أحياناً بين دولة عربية وأخرى من زاوية الموارد الاقتصادية، وعدد السكان، ونوعية الطبقات الاجتماعية، ودرجة النضج الثقافي، وقبل ذلك كله طبيعة النظام السياسي؟
نزعم ان ذلك يمكن على أساس ان موجات التغير الكونية العارمة التي اكتسحت العالم وخصوصاً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار النظام الدولي الثنائي القطبية، وبروز النظام الدولي الاحادي القطبية الذي تتزعمه منفردة الولايات المتحدة الامريكية، وهبوب عاصفة العولمة التي اقتلعت ممارسات قديمة متعددة، كل هذه العوامل محت الى حد كبير الفروق بين الدول.
بعبارة أخرى أدت ثورة الاتصالات الكبرى وخصوصاً البث التلفزيوني الفضائي وشبكة الانترنت الى ثورة في مجال الاتصال بين البشر. وأصبحت قوى المعارضة في العديد من الدول العربية تقليدية قادرة على اجتياز حواجز الرقابة العنيفة لكي تتواصل مع جماهيرها في الداخل والخارج من خلال مواقع الكترونية لها مكانها الثابت على شبكة الانترنت، ومن ثم تمارس بث خطابها النقدي للنظم السياسية السائدة مما من شأنه ان يغير الوعي الاجتماعي السائد.
ومن ناحية أخرى فموجات العولمة المتدفقة لم تعد تعنيها الفروق بين الدول، وما اذا كانت متخلفة أم متقدمة، فقيرة أم غنية، فقد أسست مؤسساتها وخاصة الاقتصادية وعلى رأسها منظمة التجارة العالمية، وتريد ان تفرض قوانينها الملزمة على كل الدول، ومن لا يخضع لها فالعقوبات الاقتصادية جاهزة للتطبيق.
التحدي والاستجابة
ومما لا شك فيه ان اشتداد عنف مطالب الداخل كان يمثل مثيرات على الدولة العربية المعاصرة ان تستجيب لها، بإعادة صياغة رؤيتها للسياسة والحكم، ورسم الخطط الاقتصادية الكفيلة بتحقيق مطالب الحد الادنى للشعوب والتي تغرق جماهيرها العريضة في محيط الفقر.
وفي تقديرنا ان عجز الدولة العربية المعاصرة عن إعادة صياغة رؤيتها للسياسة والحكم يمثل الفشل الاكبر، ذلك ان النخب السياسية الحاكمة مهما تباينت أنماطها في نظم ملكية أو جمهورية لم تدرك أنه آن أوان توسيع إطار دائرة الحكم، واشراك عناصر جديدة من النخب العربية المثقفة الى الدائرة وعدم استئثار أفراد أو أعضاء الحزب الحاكم بكل مناصب الدولة، اعتماداً على قاعدة الثقة والولاء وليس الكفاءة والتخصص.
ومعنى ذلك ان الدولة العربية المعاصرة مازالت واقفة عند عتبة الديمقراطية ولا تريد ان تخطو الخطوات اللازمة لتغيير البنية السلطوية للنظام والشروع في تحرير المجتمع. وأسباب هذا التردد معروفة، وهي لا تتعلق بمجرد عناد أهل الحكم وعدم رغبتهم في التغيير، ولكن السبب الحقيقي انهم رتبوا أمورهم منذ عشرات السنين على الاستئثار بعملية صنع القرار بغير مشاركة من أحد.
غير ان المشكلة تحت ضغوط تحولات الدول وتغيرات النظم لم تعد ارادية، بل ان الضغوط الخارجية وخصوصاً الضغوط الامريكية المعلنة، قد أسفرت عن وجهها الحقيقي في الآونة الاخيرة، والتي انضمت لها ضغوط الاتحاد الاوروبي وغيره من الدول الكبرى، مصممة على تغيير طبيعة الحكم في عديد من الدول العربية. وفي ضوء ذلك قد يكون أجدى لأهل الحكم في العالم العربي، ان يقوموا بعملية حوار ديمقراطي واسعة المدى تشمل أطراف المعارضة والمثقفين وممثلي مؤسسات المجتمع المدني، لاعادة صياغة الحكم بصورة ديمقراطية تكفل توسيع أطر المشاركة السياسية، ورفع القيود أمام حركة المواطن، في ضوء احترام دقيق لمواثيق حقوق الانسان.
غير ان إعادة صياغة الحكم والسير في طريق الديمقراطية الطويل ليس سوى الخطوة الاولى الضرورية وان كانت ليست كافية. فلابد من اعادة صياغة السياسات الاقتصادية بما يكفل تحقيق مطالب التنمية البشرية المستدامة، في ظل صيغة واقعية لتحقيق العدالة الاجتماعية.
ولذلك اذا كانت ضغوط الخارج على الدولة العربية المعاصرة تركز على الديمقراطية تحقيقاً لمصالح الدول الكبرى والتي تظن ان توسيع اطار المشاركة السياسية سيجذب الشباب العربي الى عالم السياسة ويبعده عن الفكر المتطرف ومن ثم عن الارهاب فهم في الواقع واهمون! لان اشتداد وطأة الفقر على الجماهير العربية العريضة، وارتفاع معدلات الباحثين عن العمل الى أرقام غير مسبوقة هي قنابل موقوتة لا يمكن لاي اجراءات ديمقراطية مهما كانت واسعة المدى ان تفككها. لابد من سياسات اقتصادية جريئة تنبثق من رؤية استراتيجية متماسكة، وتقوم على أساس ترشيد عملية صنع القرار التنموي، ووقف عملية اهدار المال العام، ومحاربة الفساد ومحاكمة رموزه مهما علت مكانتهم في السلم الاجتماعي، واقناع جماهير الشعب ان المال العام له حرمة لا بد ان تحترم، وأنه مخصص أساساً لكي يكون أداة ضرورية لتحقيق التنمية الاقتصادية. ومما لا شك فيه ان ضغوط العولمة الاقتصادية والسياسية والثقافية تستدعي من الدولة العربية المعاصرة الارتفاع الى مستوى التحدي، وتعبئة كافة موارد المجتمع العلمية والفنية والاقتصادية لدخول حلبة المنافسة العالمية.
غياب المشروع البديل
واذا كنا أشرنا الى أبعاد أزمة الدولة العربية المعاصرة، فمما لا شك فيه ان المعارضة العربية غارقة أيضاً في مشكلة عجزها عن تقديم البدائل الواقعية للسياسات الحكومية المطبقة.
ويرجع هذا العجز الى أسباب شتى لعل أهمها جمود قيادات المعارضة العربية من وجهة النظر الايديولوجية، وتشبثهم بشعارات فات أوانها. لقد تغير العالم تغيرات جوهرية في العقود الماضية، ولو ألقينا نظرة مقارنة على أهل الحكم والمعارضة معاً في عديد من الدول المتقدمة والنامية على السواء، لادركنا أنهم دخلوا في سياق للإبداع السياسي لابتكار حلول للمشكلات القائمة، وأهم من ذلك استباق الاحداث والتنبؤ بالتطورات القادمة والاستعداد لها بصياغة السياسات الملائمة.
عدم قدرة أهل المعارضة في الدولة العربية المعاصرة على القراءة النقدية المستوعبة لنص العالم المعقد هو أحد أسباب عجزهم عن تقديم المشروع البديل.
وليس يكفي- على سبيل المثال- ترديد شعارات مقاومة العولمة، ولكن ينبغي تقديم البدائل الواقعية لسياسات العولمة الاقتصادية المجتمعية.
والنضال في سبيل اقناع المؤسسات الدولية بمنطقها، بل واستخدام كل وسائل الضغط المدنية في سبيل تحقيق ذلك.
ومن ناحية أخرى على أهل الحكم والمعارضة معاً في الدولة العربية المعاصرة ان يدركوا أهمية صعود العوامل الثقافية في تشكيل الوعي العالمي المعاصر، مما من شأنه ان يؤثر على صياغة السياسات الاقتصادية ذاتها، وقبل ذلك سياسات الدول.
ولنراقب بدقة ما حدث بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الامريكية، وكيف ان ضربا من ضروب صراع الحضارات قد نشأ وتبلور، وخصوصاً ضد العرب والمسلمين بل وضد الاسلام باعتباره ديناً يحض على العنف كما يزعمون.
وقد استدعت هذه النظرة العدائية السافرة سياسات عدوانية تمارسها بكل وضوح الولايات المتحدة الامريكية ضد الدولة العربية المعاصرة.
- آخر تحديث :














التعليقات