نبيل شـرف الدين من القاهرة: ألقت تفجيرات سيناء، التي تعد الأسوأ من نوعها منذ نحو سبعة أعوام، بظلالها الكثيفة على أعمال إجتماع الأمانة العامة لما يعرف بـ "التوافق الوطني"، بين أحزاب المعارضة المصرية الذي حضره اليوم كل من نعمان جمعة رئيس حزب (الوفد)، ورفعت السعيد رئيس حزب (التجمع) اليساري، وضياء الدين داود رئيس الحزب الناصري، وإبراهيم شكري رئيس حزب (العمل)، وناجي الشهابي رئيس حزب (الجيل)، واحمد الصباحي رئيس حزب (الأمة)، وفوزي غزال رئيس حزب (مصر2000)، وذلك بعد إتفاقهم على إستبعاد جماعة "الإخوان المسلمين" و"الشيوعيين" من هذا التجمع المعارض، حرصاً على أن يقتصر التمثيل فيه على الأحزاب الشرعية فقط، لكن جرى تفادي ذلك باختيار رموز هذه الحركات المحظورة بصفتهم "شخصيات عامة"، وليسو ممثلين للجماعات أو المنظمات التي يشغلون بها مواقع قيادية.

وبعد إدانة هذه التفجيرات وتضمينها هذه الإدانة في بيانهم وتصريحاتهم، ناقش المجتمعون معايير اختيار تلك "الشخصيات العامة" المنوه عنها، والتي سيجري الاتصال بها للمشاركة ضمن "توافق المعارضة"، بالإضافة إلى بحث آليات التحرك خلال المرحلة القادمة في ضوء برنامج الإصلاح الذي طرحته الأحزاب من قبل، ويطالب البرنامج بضرورة العودة إلى الشرعية الدستورية، وإنهاء حالة الطوارئ، "لأن تمديدها الذي جرى لمدة 23 عاماً، يجعل منها وسيلة لتعطيل الضمانات التي كفلها الدستور للحريات العامة".

كما طالب البيان أيضاً باختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر بين اكثر من مرشح لمدة خمسة أعوام قابلة للتجديد لمدة واحدة، وتخلي الرئيس عن إنتمائه الحزبي، إضافة إلى إطلاق حرية تشكيل الأحزاب تحت رقابة القضاء الطبيعي، وكفالة استقلال النقابات المهنية والعمالية، وإطلاق حرية إصدار الصحف وملكية وسائل الإعلام للمصريين، وتحرير أجهزة الإعلام المرئي والمسموع والصحافة "القومية" من سيطرة السلطة التنفيذية والحزب الحاكم، وغير ذلك من لائحة المطالب المتفق عليها، والتي سبق أن تضمنتها بيانات واجتماعات لأحزاب المعارضة المصرية، خلال محاولاتها لحشد جهودها في مواجهة الحزب الوطني (الحاكم) منذ تأسيسه وإقرار نظام التعددية الحزبية في البلاد قبل أكثر من ربع قرن مضى.

كما يطالب برنامج المعارضة بدعم إختصاصات مجلس الشعب (البرلمان) وأن يكون للمجلس سلطة محاسبة الحكومة وحق سحب الثقة من وزير أو حتى من الوزارة ذاتها، وفي الختام فقد ناشد بيان الأمانة العامة للتوافق الوطني كافة الأحزاب والنقابات المهنية، ومختلف مؤسسات المجتمع المدني ومراكز البحوث والجامعات، وأصحاب الفكر والرأي، لمناقشة هذا المشروع، واقتراح ما يرونه من تعديلات يمكن إدخالها عليه.

وثائق وأحزاب

وتطالب المعارضة المصرية سواء كانت الأحزاب الشرعية أو تلك التي لا تتمتع بوضع قانوني، بتحديد فترة الرئاسة بولايتين كحد أقصى، ولكن الرئيس حسني مبارك، الذي يتولى الحكم منذ 23 عاما وتنتهي ولايته الرابعة في تشرين الثاني (أكتوبر) من العام المقبل يلتزم الصمت حيال مسالة إعادة ترشيحه لفترة خامسة من ست سنوات، ولم يقم الحزب الوطني (الحاكم) بإطلاق حملة تحدثت عنها شخصيات حزبية لتجديد الولاية لمبارك أثناء المؤتمر العام للحزب الذي عقد مؤخراً، وسط حشد إعلامي ورسمي كبير.

وتنشط في مصر على نحو لافت للانتباه منذ اندلاع الحرب في العراق فعاليات تقودها أحزاب المعارضة والمنظمات الأهلية تتمحور جهودها حول ضرورة القيام بخطوات إصلاحية جادة في العمل السياسي، وإطلاق الحريات العامة وتعميق الممارسة الديموقراطية، منتقدة بشدة وبلغة أكثر جرأة استمرار العمل بقانون الطوارئ، ومحذرة مما أسمته "ضغوط خارجية متوقعة على مصر"، ومطالبة بـ"إصلاح عاجل قبل فوات الأوان"، على حد تعبير مصادر المعارضة المصرية من مختلف التوجهات.

وسبق أن أعلنت قوى سياسية متباينة الاتجاهات في مصر وثيقة حملت عنوان "المشروع الوطني الجديد" تحدثت تحت عناوين عريضة عامة عن "ضرورة طرح مشروع وطني وعربي جديد يضع في الاعتبار أسباب الضعف وسبل تجاوزها"، وحددت هذه الوثيقة عدداً من المحاور جاءت في مقدمتها المطالبة "بضرورة الإسراع في إنجاز برامج إصلاح دستوري وسياسي وتشريعي في مصر يقوم على تعزيز قيم الاستنارة والعقلانية لبناء دولة مدنية ديموقراطية وتحقيق إصلاح اجتماعي لضمان انطلاقة جديدة للحركة الوطنية"، بحسب الوثيقة التي اطلعت (إيلاف) على نسخة منها.

وتجدر الإشارة إلى وجود نحو 18 حزبا سياسيا حالياً في مصر، لكن أغلبها هامشي التأثير، وبعضها مجمد الأنشطة لخلافات بين قادتها، ونشأت تلك الأحزاب بقرار من الرئيس الراحل أنور السادات عام 1976 وسميت منابر وكانت ثلاثة أحدها لليمين والثاني لليسار والثالث منبر الوسط واختاره السادات لنفسه، وفي العام التالي تحولت هذه المنابر إلى أحزاب سياسية، ثم ارتفع عددها بمرور الوقت، ليصل إلى 18 حزباً كان تأسيس معظمها بموجب أحكام قضائية، وهو الأمر الذي يراه محللون سياسيون في مصر أمراً مثيراً للسخرية والحزن في وقت واحد، ذلك لأن حصول هذه الأحزاب على الشرعية لا يعكس امتلاكها مؤهلات التأثير الجماهيري الحقيقي، وقدراتها على استقطاب الجماهير ودفعهم للاهتمام بالشأن العام، بقدر ما يعبر عن البراعة القانونية لمحامييهم في إقناع القضاة بأن برامج هذه الأحزاب تتسق مع مقتضيات الدستور والقانون، وتختلف عن برامج الأحزاب الأخرى القائمة بالفعل داخل المشهد السياسي الداخلي في البلاد.