قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

بغداد : زال سحر بغداد القديمة. تردى حال شارع الرشيد الذي كان ذات يوم قلب بغداد النابض بالحياة من سيء لأسوأ منذ عقود فخنق القمع الحياة الثقافية التي كان مفعما بها وتضررت مقاهيه ومتاجره بسبب الحروب والعقوبات. لكن الفوضى والجرائم والقتال والعنف الذي اندلع بعد أن أطاحت الولايات المتحدة بالرئيس صدام حسين قتل ما تبقى من شارع الرشيد ذي الطراز المعماري العثماني. ولم يعد سكانه حتى يحلمون بأن يستعيد شارعهم مجده البائد. وفي السنوات الأخيرة من حكم صدام كان يمكن أن تجد في مقاهي شارع الرشيد مثقفا غريب الأطوار نجا من محاكمة. كان النقاش متوقفا لكن الحالة العامة كانت تظهر في الهمسات والاسلوب الذي يتحدث به الناس. وتردى حي وسط المدينة وتهالكت مبانيه. وفي حين امتدت يد عمران الى الأحياء الحديثة في أماكن أخرى من المدينة زحف الإهمال على المدينة القديمة. وكان شارع الرشيد الذي تزينه البواكي المبنية بالحجر الايطالي جيد الاضاءة ونظيفا. وكانت اشارات المرور تعمل والمتاجر تفتح وتغلق في مواعيدها.

وفي مقهى أم كلثوم كانت الكآبة تخيم على الجلوس لكنهم كانوا يبقون حتى منتصف الليل يحتسون الحامض وهو مشروب ساخن من الليمون المجفف المغلي ويستمعون لأغاني من تسجيلات الستينات للمطربة المصرية الشهيرة التي يحمل المقهى اسمها. وبعد سقوط حكم صدام كان زيد عباس صاحب المقهى يعتزم التوسع بفتح مقهى آخر يحمل اسم الموسيقار والمطرب الشهير محمد عبد الوهاب أحد أعمدة الغناء العربي في القرن العشرين. لكن هذه الخطط جمدت اذ استبدل الخوف من الدولة بالخوف من الفوضى. فسكان شارع الرشيد يتوقون للاستقرار الذي يفتقدونه منذ عقود.

وقال عباس "اذا كان للوضع أن يتحسن سأفتح مقهى باسم الملك فيصل." مشيرًا الى الملك الذي أُطيح به عام 1958. وأضاف "على الاقل كانت الأحوال مستقرة في ذلك الوقت." وتابع عباس وهو يجلس وسط زبائنه الذين يلعبون الشطرنج "بدأت الكوارث عام 1958. لا يمكني القول عما اذا كان الحال الآن أفضل أم في عهد صدام. الدخول ارتفع لكن ليس هناك أمن." "لم يعد هناك تسامح كذلك. اذا وجدت أي جماعة أن وجهات نظري هجومية ستقصف تجارتي."

قبل عامين أو ثلاثة أعوام كان السياح يأتون الى شارع الرشيد والطلاب العرب يزورون مدرسة المستنصرية التي يرجع تاريخها للقرن الثالث عشر والتي تضم ما يقدر بنحو 80 ألف كتاب. وكانت المتاجر تعرض السجاد الفارسي الذي اضطرت الأُسر العراقية الغنية لبيعه عندما أدت حروب صدام الى إفلاس البلاد.

وفي شارع المتنبي القريب بدت الكتب المعروضة أكثر جرأة مما كان يتحمله حزب البعث فكتاب مثل "الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق" للكاتب حنا بطاطو يمكن العثور عليه اذا وثق البائع في تكتم المشتري. ومازال حشد يجتمع في ليالي الجمعة في متحف بغداد الذي نهب بعد الحرب وهو مغلق الآن للاستماع للمقامات وهي الاسهام العراقي في الموسيقى العراقية.

ولكن الآن فقد تبدد تقريبا الزهو الذي اختالت به المدينة القديمة وظل صامدا في وجه عنف صدام وكذلك التفاؤل الذي ساد لفترة وجيزة بعد الحرب. فقد تحول شارع حيفا على الجانب الآخر من النهر الى ساحة لحرب المدن. وتسد مياه الصرف والقمامة المدخل الجنوبي لشارع الرشيد بالقرب من وزارة الاشغال العامة. أما الطرف الشمالي الذي يؤدي الى البنك المركزي العراقي فهو مغلق بالاسلاك الشائكة. والمتاجر تغلق عند الظهر وبعد ذلك بقليل تجوب العصابات المسلحة المنطقة. وليس هناك شرطي واحد على مرمى البصر.

وفي بعض الأحيان تلقى الجثث في الحي في إطار حرب التصفية الدائرة على نطاق محدود بين الميليشيات الاسلامية وأعضاء الجهاز الأمني السابق. وقال أبو سامح الذي كان يبيع البطاقات البريدية في الشارع منذ عقود "اننا ندفع ثمن حريتنا. لا شيء بأيدينا سوى انتظار يوم ننصف فيه." والمبنى المقابل له احترق منذ بضعة أشهر عندما أصابته قذيفة طائشة مما يطلق في سماء بغداد كل يوم.

وفي شارع المتنبي تحولت بعض المكتبات الى بيع مولدات الكهرباء فهناك أزمة كهرباء في البلد. والكتب الاسلامية تهيمن على المعروض في مدينة كانت من أكثر مدن الشرق الاوسط علمانية. وتستفيد أسرة عباس صاحب المقهى من الانفاق الاميركي. فسعدت شقيقته المدرسة بعد الحرب بزيادة راتبها وبجهاز التلفزيون والبراد(الثلاجة). لكنها لم تعمل منذ أن أصابتها رصاصة من ستة أشهر وهي واقفة على باب منزلها. وقال عباس "اخترقت أعلى جنبها الأيسر. الأطباء ذهلوا. العراقيون اعتادوا الرصاص."

وزبائن مقهى أم كلثوم الذين يتذكرون بلادهم قبل عقود يرون عراقا لا يكادون يعرفونه. وعاد الكاتب المسرحي جواد الأسدي الى بغداد بعد 28 عاما في المنفى. وكتب في صحيفة الحياة عن زيارته لمقهى أم كلثوم يقول "ذبحتني تلك الوجوه في مقهى أم كلثوم كنت أود أن أحدثهم. أحس وجعهم وددت لو أني أستطيع أن أعوي أو أصيح أو أبكي... الجلوس في مقهى أم كلثوم بعد سنوات طويلة من الموت في المنفى أعاد لي جمال الناس ان ذاك وموتهم إلا." وقال "الوجوه ملفحة بالقهر الملابس ممزقة النفوس مسحوقة لا أمل في العيون ولا شهية في الشراب حركتهم بطيئة يرشفون الشاي وكأنه دواءهم المقدس. يجلسون مسمرين في الفراغ ينتظرون الفرح".

"أم كلثوم تصدح (ياظالمني) وأنا أرقب الوجوه يا إلهي أقسم لم تكن وجوه العراقيين على هذه الدرجة من المرارة والاحباط لم يكونوا رثين الى هذا المستوى من الرثاثة من الذي أوقعنا في مغطس القهر والظلم. وهذا الخنزير البري صدام حسين الذي صنع لنا كل هؤلاء الرجال القتلة. أية شهوة كانت تسكنه وهو يرى شعبا كاملا يموت تحت ضربات جزاريه وحماقته وبربريته؟".

"فعلا حول العراقيين الى ما يشبه التراب كما قالها ذات يوم. والعراقيون صاروا ترابا. نفوسا مكسورة أرواحا تنزف ولا أمل. أين هو الأمل؟. الدبابات والصواريخ الاميركية هي القاموس الأحدث لكيان يذهب كله الى مطحنة الجوع والسرقات والخطف والقنص والقنابل التي تنفجر تحت أرجل العامة من الناس."