&
عندما اجتمعت في شهر ابريل الماضي لجنة الامم المتحدة المعنية بالاعداد لمؤتمر الدول الموقعة علي معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية المزمع عقده في العام ،2005 توالت الدعوات المطالبة باجبار اسرائيل علي توقيع المعاهدة. وكانت المغرب التي وقعت المعاهدة في العام 1970 من بين الدول التي دعت لجعل الشرق الاوسط منطقة خالية من السلاح النووي. وتتضمن الدعوة مطالبة اسرائيل بالالتزام بالمعاهدة واخضاع منشآتها النووية لاشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فهي الطرف الوحيد في المنطقة الذي يرفض ذلك ويتمتع بحماية الولايات المتحدة التي تمارس الضغوط علي الدول الاخري. فمنذ نشوء المشروع النووي الاسرائيلي، رفضت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة السماح باخضاع مفاعل ديمونا لاشراف الوكالة، وكان شمعون بيريس من اشد الرافضين لذلك. وتشير المعلومات الي ان لدي اسرائيل في الوقت الحاضر ما بين 75 و 150 رأسا نوويا، بينما لا تمتلك اية دولة عربية او اسلامية اخري هذا العدد. وبالرغم من رفض الحكومة الاسرائيلية السماح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بتفتيش منشآتها النووية، ترفض واشنطن ممارسة اي ضغط عليها. فامتلاك اسرائيل السلاح النووي ينسجم مع السياسة الامريكية التي تعتمد مبدأ الحفاظ علي التفوق العسكري الاسرائيلي في المنطقة. هذا الانسجام حدث في العقود الاخيرة، بينما كانت واشنطن متحسسة جدا من المشروع النووي الاسرائيلي في بداياته، ووجهت بعض امكاناتها التجسسية لمراقبته مستعملة طائرات الاستطلاع U2 و الاقمار الصناعية ابتداء بـ KH-11 قبل ان تقرر تغيير سياستها في السبعينات. ويمثل السلاح النووي وسيلة ردع قوية لصالح قوات الاحتلال. فسلاحها التقليدي يتفوق نوعيا علي ما لدي الدول العرببة، ولكنه أقل حجما. وقواتها المسلحة، بما فيها الاحتياط، أقل من قوات الدول العربية المحيطة. وبالتالي فالسلاح التقليدي قد لا يوفر لقوات الاحتلال التفوق الحاسم.
الولايات المتحدة من جانبها دأبت علي تزويد اسرائيل بأسلحة متطورة جدا، خصوصا في مجال الصواريخ والطائرات، بأسعار رخيصة، بينما تمتنع عن توفير اسلحة مماثلة للدول العربية. فعندما تشتري دولة عربية ما مثل المملكة العربية السعودية، طائرات امريكية مثل اف 15، فانها تحصل علي طائرات ذات مواصفات أقل مما تحصل اسرائيل ، وتصر علي ان يتم الاحتفاظ بتلك الطائرات في قواعد عسكرية بعيدة عن الحدود مع الكيان الاسرائيلي، برغم ان الاسعار التي تدفعها الدول العربية تفوق كثيرا ما تدفعه اسرائيل .
منذ قيام الكيان الاسرائيلي، بدأت حكوماته في التفكير الجدي في تحقيق التفوق العسكري علي الجانب العربي لموازنة عدم التوازن في الامكانات البشرية. ومنذ نهاية الخمسينات دأبت علي تطوير سلاحها النووي عندما قامت ببناء منشآت عسكرية في صحراء النقب بمساعدة من فرنسا في البداية ثم من جنوب أفريقيا. واعتبر مفاعل ديمونا قلب المشروع النووي الا سرائيلي، حيث احيط بسرية تامة استمرت حتي اليوم. وعندما كشف مردخاي فعنونو شيئا من الاسرار النووية في منتصف الثمانينات استهدفته المخابرات الاسرائيلية ولاحقته حتي اختطفته من روما بعد. ان استدرجته فتاة الي احدي الشقق وتم تخديره هناك ونقله الي تل أبيب. ووفقا للمعلومات الامريكية تمتلك اسرائيل اليوم ما بين 75 و 130 رأسا نوويا. وتذكر تقارير اخري ان هذه الاسلحة وضعت علي اهبة الاستعداد في حرب 1973 وكذلك خلال حرب تحرير الكويت في 1991. وترفض الحكومة الاسرائيلية الاعتراف بامتلاك السلاح النووي، وترفض توقيع معاهدة الحد من الاسلحة النووية. ولا يخضع مفاعل ديمونا لاشراف دولي. وبسبب امتلاك اسرائيل هذه الاسلحة النووية فمن حق الدول المجاورة التفكير في امتلاكها للحفاظ علي حالة من التوازن. ولكن الولايات المتحدة ترفض بشكل قاطع السماح لهذه الدول بامتلاك قدرات نووية. ولذلك فهي تمارس سياسة ضغط واسعة علي الدول التي تعتقد ان لديها مشروعا نوويا مثل العراق وايران. وقد كان لدي العراق مشروعه النووي الذي تعرض لاعتداء اسرائيلي في 1981، ودمر تماما بعد حرب تحرير الكويت بقرارات من الامم المتحدة كما تستهدف السياسة الامريكية ايران متهمة اياها بامتلاك مشروع نووي. وهناك خشية كبيرة من ان تكون اسرائيل قد كدّست كميات من اليورانيوم المخصّب بعد شرائها من جمهوريات وسط آسيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
في الاسبوع الماضي، ردت وزارة الخارجية الايرانية بقوة علي تصريحات اطلقها جنرال عسكري روسي بان ايران تمتلك الامكانات اللازمة لتطوير السلاح النووي، مؤكدا ان المنشآت النووية الايرانية ذات طابع سلمي وتخضع لاشراف منظمة الطاقة الدولية بشكل كامل. وتجدر الاشارة الي ان اكبر المشاريع النووية الايرانية يقع في منطقة بوشهر، وكان قد تعرض في 1987 و 1988 لضربات جوية عراقية احدثت تدميرا واسعا فيه. هناك تعاون بين روسيا وايران في المجال النووي، بينما يخضع مفاعل بوشهر لاشراف وكالة الطاقة النووية. ومع ذلك فقــــد جعلت الولايات المتحدة استهداف المشروع النـــووي الايراني هدفا ثابتا في سياستها الخارجية واصبحت تطالب ايران بالتوقف عما تسميه أسلحة الدمـــار الشامل . وتكرر ذلك كثيرا في العقدين الاخيرين، في الوقت الذي لم يتطرق اي مسؤول امريكي للمشروع النووي الاسرائيلي من قريب او بعيد.
المشروع النووي الاسرائيلي يمثل مصدر خطر دائم للمنطقة، ويجعل امكانية حل المشكلة الفلسطينية شبه معدومة. فالمطلوب، وفقا للمنظور الاسرائيلي - الامريكي، اخضاع الجانب العربي للموافقة علي مشروع السلام الامريكي بالتهديد والابتزاز. فبينما تشن حكومة شارون اعتداءاتها علي المناطق الفلسطينية تمتنع الدول العربية من تقديم دعم عسكري للفلسطينيين بسبب الخشية من تفاقم الوضع الي حرب اقليمية. وبسبب امتلاك اسرائيل السلاح النووي فهناك ما يشبه الاستسلام لواقع يفرض علي المنطقة بالقوة،. ولا تكتفي اسرائيل بالاعتماد علي خيار التفوق العسكري والنووي، بل تستمر في محاصرة مشاريع التسلح لدي الجانب العربي. وفي الاسبوع الماضي، قامت باطلاق صاروخ أفق 5 للتجسس علي المنشآت العسكرية في ايران والعراق والدول العربية الاخري. وكانت قد أطلقت الصواريخ الثلاثة الاولي في 1988 و1990 و1995، بينما فشل الصاروخ الرابع. ولا بد من الاعتراف بان المشاريع العسكرية الاسرائيلية المدعومة من قبل الولايات المتحدة قد حققت ما تريده قوات الاحتلال من خلق رعب لدي الحكومات العربية يمنعها من المغامرة في دخول حرب معها. وقد يبدو ان ذلك امر ايجابي لانه يمنع نشوب الحرب. غير ان منع الحرب يتحقق عادة بأمرين: فاما الاحترام المتبادل وحسن الجوار، او الردع المتساوي الذي يقنع الاطراف المعنية بفداحة الحرب اذا قامت فمهما قيل عن الوضع علي الحدود الهندية - الباكستانية، فقد أصبح لدي الطرفين قناعة بخطوة اندلاع الحرب، اذ ان كلا منهما تمتلك سلاحا نوويا مدمرا، وأصبح تماثل السلاح لديهما مانعا لهما من الدخول في حرب. ويبدو ان باكستان غامرت كثيرا عندما قامت باطلاق صواريخها الثلاثة التي يصل مداها الي 150 و 950 و 1800 ميل وتستطيع جميعا نقل الرؤوس النووية. فالردع هنا حقيقي، ولا يستطيع اي من البلدين المخاطرة بشن الحرب. بينما الوضع في الشرق الاوسط مخالف لذلك تماما. فقد أصبح مفتاح الحرب والسلام بأيدي قوات الاحتلال. فهي التي تملك السلاح النووي الذي يردع الجانب العربي من المخاطرة بالدخول في حرب، بينما لم تمتنع اسرائيل من شن الحروب ضد الدول المجاورة في السابق، وشن الاعتداءات علي المناطق الفلسطينية في الوقت الحاضر. ويبدو امرا مستحيلا موافقة اسرائيل علي التخلي عن مشروعها النووي في الوقت الحاضر، فهي تستعمله لاجبار العرب علي القبول بمشروع السلام الامريكي، مستفيدة من الدعم الامريكي غير المحدود لسياساتها . وقد أصبح المشروع النووي الاسرائيلي وسيلة ابتزاز لحمل الآخرين علي الاعتراف بما تفرضه من أمر واقع والتخلي عن فكرة تحرير فلسطين. وهناك الآن ضغوط كبير ة علي كل من العراق وايران لاجبارهما علي التخلي عن مشاريع التسلح والقبول، بشكل او آخر، بمبدأ التصالح مع اسرائيل . عندها فقط يمكن ان تعيد اسرائيل في مشروعها النووي تحت الضغط الدولي.
وفي ما يخص الموقف العربي تجاه المشروع النووي الاسرائيلي، فهو يتسم بالغموض من جهة والعجز من جهة اخري. فمصر، وهي الدولة الكبري علي الجانب العربي، في حيرة من الامر، وتجد امامها واحدا من خيارات اربعة: فاما ان تصبح دولة نووية، او تحصل علي ضمانات من دولة نووية، او تقوم بضربة استباقية للمنشآت النووية الاسرائيلية، او العمل علي جعل الشرق الاوسط منطقة خالية من السلاح النووي. ولكنها تفضل، حسب ما يبدو، الخيار الاخير، وذلك بالعمل لتحرير المنطقة من السلاح النووي. وكانت مصر قد تخلت عن الخيار النووي منذ الستينات بسبب قناعتها بعدم جدواها. وفي 1968 وقْعت مصر عبد الناصر معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية، وصدقتها في 1981. وتبنّت بالشراكة مع ايران في 1974 مشروعا في الامم المتحدة يدعو الي جعل المنطقة خالية من السلاح النووي. وفي 1990 طوّر الرئيس حسني مبارك الجهود الدبلوماسية وأطلق في 1990 مبادرة لجعل منطقة الشرق الاوسط خالية من اسلحة الدمار الشامل. وفي ظل تطور العلاقات مع ايران، تبدو مصر أقل حساسية تجاه المشروع النووي الايراني الذي ما يزال في بداياته والذي يتسم بطبيعته السلمية. فحسب التقارير الامريكية، فان ايران لم تصل بعد الي مستوي انتاج القنبلة النووية، وان ذلك يحتاج الي بضع سنوات، وربما لا يتحقق الا في نهاية العقد. ويعود ذلك لاسباب عديدة منها عدم قدرة ايران علي تحمل نفقات البحث والتطوير لمنشآتها النووية، ورفض الدول النووية تطوير الجانب العسكري من المشروع، ورغبتها في عدم التصادم مع الولايات المتحدة بخصوص ذلك. وبسبب حرصها علي تفويت الفرصة علي الخطط الاسرائيلية التي تبحث عن حجج مقنعة لشن عدوان علي تلك المواقع، تنتهج ايران سياسة الخطوة خطوة في مشروعها النووي فيما تسعي لتطوير قدراتها الصاروخية. وعلي عكس اسرائيل فقد اخضعت ايران منشآتها النووية لاشراف المنظمة الدولية للطاقة التي اكدت في تقاريرها المتكررة عدم وجود اي شك في الطبيعة السلمية لتلك المنشآت.
لقد دخل الرعب في قلوب الناس منذ قيام الولايات المتحدة بالقاء القنبلة النووية علي هيروشيما وناغازاكي قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية. وخلال الحرب الباردة حدث السباق النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وكادت مواجهات نووية تحدث الحرب الكورية ثم خلال الازمة الكوبية في 1961 . وقد عمد الجانبان الي استعمال السلاح النووي كوسيلة للردع، وبعد ان بلغت الحرب الباردة ذروتها ادرك الطرفان خطورة السباق النووي، فوقعا في العام 1972 اول معاهدة للحد من انتشار السلاح النووي. وتواصلت مفاوضات الحد من السلاح النووي خلال السبعينات والثمانينات، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي تلاشت احتمالات المواجهة النووية بين الجانبين. واستمرت الرغبة في تقليص الرؤوس النووية حتي جاءت الاتفاقية الاخيرة التي ادت الي القضاء علي ثلثي المخزون من الاسلحة النووية في امريكا وروسيا. غير ان ادارة الرئيس بوش قررت مؤخرا التخلي من طرف واحد عن معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية مؤخرا، الامر الذي احدث ارباكا في الدوائر العسكرية ودفع الي بعض التصريحات غير الودية تجاه الولايات المتحدة. غير ان الطرفين يرغبان الآن في اظهار قدرتهما ليس علي التعايش السلمي فحسب، بل التعاون معا للقضاء علي الخطر النووي في اطار شراكة استراتيجية تستهدف القضاء علي الارهاب. هذه الشراكة مرشحة للاستمرار في الوقت الحاضر، ولكنها قد لا تصمد طويلا اذا استمرت واشنطن في سعيها المتواصل لبسط نفوذها السياسي والعسكري في العالم متجاهلة مصالح روسيا.
وسوف تبقي منطقة الشرق الاوسط بؤرة لصراعات نفوذ بين واشنطن وموسكو برغم انتهاء الحرب الباردة، ومحطة فحص ارادات بين الطرفين برغم ما يبدو من توازن في العلاقات. اما السلاح النووي الاسرائيلي فسوف يؤدي الي المزيد من التوتر ويمنع الاستقرار ويهدد السلام، بعد ان اصبح رادعا لجهة واحدة هي الجهة المطالبة بحقوقها، ومشجعا للجهة التي تملكه علي الحرب. ومهما سعت واشنطن لمنع انتشار السلاح النووي فان استمرار العدوان الاسرائيلي يمثل دافعا قويا اما لامتلاك القدرة النووية لمواجهة ذلك العدوان او لتطوير الاسلحة البيولوجية والكيماوية للحفاظ علي التوازن، وهو امر خطير. والخروج من هذا اللف والدوران لا يتحقق الا بإجبار اسرائيل علي التخلي عن ترسانتها النووية او اخضاعها للرقابة الدولية، عندئذ يمكن ان يتحول الشرق الاوسط الي منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل(القدس العربي اللندنية)