عاشور بشير الطويبي ولد 1952 في طرابلس, ليبيا. يواصل في مهنته كاستشاري طبيب في الأمراض الباطنية. عضو رابطة الأدباء والكتاب الليبيين. له ديوانان "قصائد الشرفة"( 1993) و"أصدقاؤك مروا من هنا" (2002) ورواية "دردانين" (2001).
كما نشر الكثير من ترجمات للشعر الأمريكي المعاصر, الأيرلندي المعاصر, الليتواني المعاصر و الكندي المعاصر/ في المجلات الثقافية داخل ليبيا. أغلب القصائد التالية تنشر للمرة الاولى.

الشعر غياب الوهم، حضور الحياة
هل تريدني أن أقول بأن الشعر هو الحياة أليس هذا كلاما معادا؟غير أنني أعتقد أن من مهام الشاعر العربي المعاصر لهذا العالم وما يحدث فيه من خراب كبير أن يعمل على كسر الجاهزية الرثة عن الشعر التي يحملها القارئ العربي وكثير من الشعراء هذه الجاهزية التي ورطت المشروع الشعري العربي في الاعتقاد بأن الشعر العربي أفخر الشعر في العالم وكما يعيش المواطن في العالم العربي كثيرا من الاوهام كذلك حاله في ومع الشعر لا بد من قراءة الآخر وخاصة إبداعاته لأنها أحد المؤشرات التي تدل على حقيقتها لا ترى بأن شعرنا بعيد عن حياتنا الحديثة؟ أم أن هذا راجع إلى أننا لم ندخل إلي العصر إلا من رموزه الاستهلاكية؟ الشعر غياب الوهم , الشعر حضور الحياة ووعينا الشديد بها الشعر البحث بشفافية عالية عن الحياة الحياة بكل صورها هذا هو موقفي من الشعر.

لم يعد في المدى متسع...
إلى عمر الككلي



1
جلس على الكرسي, الحائط وراءه
ومن النافذة تبدُ الصحراء ذليلة
قال:
لماذا الضوء شاحب هذه الليلة
ولماذا دخل العنكبوت بيته مبكرا
على ساقيه يتصبب العرق
وفي الكتاب تاريخ له طعم الفاحشة
قال: نفس الخائف قصير
وقلب الخائف ضيق
كل شيء يصدأ
كل شيء يتحلل
غير أن هذي الرمال اللعينة
لا تموت
تدخل المدينة على أكتاف الريح
تعطي الصفير وحشته الأبدية

2

من هذا الطريق مررت يا أوريليوس
ألتفت إلى الصفصافة, ظلك تحتها
لم يعرفك ولم يتبعك
الطائر الذي بلل جناحيه بالبحر يراقبك
وأنت تحمل الوحشة على كتفيك
وقدماك تغوصان في رمل كريه
قلت: ما أبعد السماء هذا اليوم
سفن العدو تقترب
أشرعة وسيوف و مباخر تشتعل
لغط بحارة وعرق أجساد
يفوح ودهن قديم يطفو على الماء

على يمينك تنساب مياه الوادي
وفي قلبك تنساب موسيقى
خبأتها كوديعة فرعونية
أحنت الشمس ضفائرها
على براح مستسلم
والحصى يتصدع خائفا
هل يحق للناظر أن يتحسس زلزلة الإيقاع؟
هل يحق للكمأة أن تنتظر رجفة البرق؟
لا تسل فدونك مد هائج
وخلفك سد

كانت الخيل قادمة والسيوف مشرعة
كان الوقت أصفر
والقضاة على جانب السد يقرعون الطبل
وكان الشعراء, الأطباء, الصغار يحملون الميت

انه الجنون يتكسر على أصوات النائحين
فلا شيء سوى
نخل تضربه الريح
لا شيء سوى
جمع يقوده أعمى

3

أقدام الراحلين تتبع الدرب
صفراء مثل الأوراق التي تسقط على الأرض
قصيرة الخطى ميتة
الأصوات بين الريح والشمس الغاربة
فور بلون البن الصباحي
همهمات هنا
همهمات هناك
ووراء التلة
بين أنين من رحلوا
ظلال الحزن الباردة
أعمدة من حجارة ورماد أجساد هشة

لا جدوى أن تبحث في التراب
لا جدوى أن تطعن الهواء
أيها الراحل المتفرد
لا جدوى أن تقف
أن تتقدم
أن تنحني
مياه الوادي رجعت إلى حيث لا تدري
والذئاب تترقب جائعة
لم يعد في المدى متسع
لضحك
أو
بكاء

لنتوقف قليلا

لنتوقف قليلا
في أول الدرب
لا يهم
في آخر الدرب
لا يهم
قد نسمع
صوتا بداخلنا
يفور
أو يرقص
قد يكون باردا كجلد ضفدع
خرج توا من بياته الشتوي
قد يكون شهيقا في
زوايا رئة أتعبها التبغ
ألا ترون
أننا معلقون بخيط عنكبوت
على غار خوفنا
صرنا نقسم
أي شيء
إلى قسمين
وفي تخمة الوهم
نبول على الوهم
نغرق العالم
بفحولة ذاكرة لا تنتصب
وننصب خيامنا على
صحراء لم تعد لنا

نتوقف قليلا
فقط
لندعي من نبلنا
أن العين اليمنى
لا ترى
ما يسقط
من يسقط
في الجانب الآخر
ألا ترون
أن السماء خاصمت غيم الشتاء
والفراشات لا تحلق فوق سقوف بيوتنا

لنتوقف قليلا
فقط
لنسكب نبيذهم المعتق
في رمل عطشنا الأزلي
ونفخر بإبلنا التي أبدا
ما نسيت مسالك الجوع والتيه

بوليرو*

ماذا يمكن أن تأخذ منه الريح؟
علق على مهمازها تعبا قديما
ومدد على أطرافها أسراره
لم يخف فهي لم تعد تسأل عن حامليها
وهموا ليسوا سوى نبض متاهات وصفير موحش

مقهى مبلل بالمطر وشتائم العابرين
كنتَ في فتحة المكان كلاما بذيئا
ضوئك على الباب دخان أزرق
وحلوق القوم وردية
سلمهم
يفضي إلى أحلام
لا ترجع إليهم

باب المقهى نصف مفتوح
قدمان يتبادلنا الرقص
على خشب هذبه
صهد المسافات القريبة
ودهن قبلات آخر الليل
لم يكن لهما ولع بالأناشيد
ولا ركبا يوما سروجا مذهبة
ولا انحرفا عن طريق

في المبنى المقابل
في الغرفة العليا
تكتظ الحيطان
بالعناق القديم
والعناق الجديد
كان وقت الرقص
نافذة مغلقة
وضوءا في ركن مستسلم

كان بلا خطيئة
حين احتواه المساء
يتساءل هل هي
امرأة الساعة السادسة
أم الساعة الثامنة
الفراش يحاوره النعاس
هو لم يذق برد الشوارع الفارغة
ولا ارتطام الزجاج الفاسق

ولا من ثقب ما
من كأس بين أصابع غضة كأصابعه
من سائل يطفر بالنشوة
من فرح نحيل ينحني على شفة المرأة التي دخلت
كانت الموسيقى تستنسخ ذاتها على مهبط اللذة
وكان السقاءون يريقون
عرق الرغبات في كل شيء
السيقان الملتفة
الرقص والرائحة
تدخل إبرة
الاشتباكات الحميمة

الزمان بطيء
داخل الأنفس
سريع فوق أرضية
المقهى المتألم
بوليرو
بدأت الآن

موسيقى البهو

العازف الأعمى تحسس بقدميه أرضية البهو
ضارب الطبلة شاهد الرغبة ضغط على الطبلة
ضغطت المرأة ذات الفستان الأزرق على كتف العازف الأعمى
اهتزت أسرار الليل, اهتزت أركان البهو بالصور المعلقة عليه
اهتزت يد النادل يحمل الكأس إلى الشاب الواقف قرب النار
وحدها فسيفساء أرضية البهو لم تهتم
انسابت ألوانها بمحاذاة الموسيقى.

لم يكن للفستان الأزرق اللماع علاقة بما تحتويه الغرفة
استلقى دون قلق على ظهر المرأة
لم يفتح عينيه
لم ينتبه للتشيللو متكأ بأبهة
لم ينتبه للمرأة في الصورة تعد البرتقالات وتضعها في سلة ارجوانية
لم ينتبه للبيانو في الركن وهو يفخر بأرجله الرخامية
لكنه انتبه للكرسي يسري فيه دفء الجسد

يا لرحابة العود
يا لبهجة العود
يسمع دقات قلبه
دو
ري
دو

من وراء كتف الصبية
من وراء عالم ثري بفصاحة الرغبات
استرق النظر للنوتة المفتوحة على نافذة ناعسة

أحاول أن الحق بأصواتهم
حبل كلماتهم يعلق صوتي
في طيات الكلمات

من وراء رؤوس الرجال
المتكئين على آلاتهم
ترقص الفتيات الوردية
خلفهن تأتي الفتيات الزرق
ببطء وحياء
نافخ البوق يتبع بجعة البحيرة
إلى مخدعها
بكل وقار الأرض وجمالها
لا يرفع عينيه عن لمعان الجسد في حائط البهو
تنطلق الأصابع إلى الغرفة الجانبية ناعمة
غاب عنها ارتجاف السنين العجاف
تدخل الماء البارد
تكتب على السطح أصوات
السمك القادم من كهف البصيرة

على أوتار الكمان الطيب
تصعد آهات النسوة المستلقيات
على سرير الاستسلام القديم
هذا متكأ يستريح فيه الخريف المسافر
هذا خشب ناصع الرائحة يحضن النغمات الجانبية
يتوهج في عينين لا يقترفان الفاحشة

بلهفة الاشتياق
العري يفضح النحاس المؤكسد
بنبض الصوت المرفرف بملايين الأجنحة
يصعد العري الجبل الأليف
يضع الغيوم في جيب الشاعر

أيها العازف المتجول
تقف على بيوتهم
تمرر ضحك الأعشاب الفاحش البريء
من نافذة السماء
تحمل إليهم صوت النوافير البعيدة

الطيور التي رافقتك في رحلة الوهم تحلق الآن
تقطف كلماتهم المعلقة بين السابحات
تملأ بها قواقع أحلامهم.

شهقات وزفير ساخن
تتشكل دوائر على الشواشي الحمراء
عود ونار
بخور جلسة مالوف
في الزاوية الكبيرة

الأصوات تحملق من جدران البيوت التي
زينها الطين الجبلي
هل أخفق العفاس حين استراح تحت ظل العائدات من الحقل
ولم يضخ خميرته في قلب الطين؟

شاحذ السكين أشار له أن:
أرفع عينيك عن وعاء الألم
كان الوعاء يحمل عظايات وسلاحف وأفاعي بحرية سامة
ما كان له سوى يدين طليقتين ليحفر في الجدار شقوقا
يختبئ فيها الرجال الذين أتوا من الأماني الكاذبة
شاحذ السكين رأى في المعدن:
لهفة تتجمع على سطح البركة
غابات تصلب عصافيرها على الأغصان
مراكب تبحث عن ملاحيها
أغاني أخلفت مواعيدها
أنهار تحن إلى منابعها
سواقي تصفر فيها الريح
باردة كالفضيحة


* اسم مقطوعة موسيقية من تأليف الموسيقي الفرنسي موريس رافي