قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

مراد مصطفى
&
يتعمد المدافعون، صراحة أو ضمنا، عن النظام العراقي من المثقفين والفقهاء والساسة العرب، اللجوء، فيما يلجئون إليه من مغالطات، إلى لعبة خلط الأوراق، وخصوصا مزج القضيتين العراقية والفلسطينية مزجا مفتعلا.& والحال أنهما قضيتان مختلفتان تماما رغم الوشائج بين العراقيين والقضية الفلسطينية، وكأننا بهؤلاء يريدون تحميل الشعب العراقي مسؤولية القضية وأعباء العمل "لتحرير فلسطين "حتى آخر عراقي! . لكن القضية تخص الفلسطينيين أولا وقبل غيرهم، ثم بقية البلدان العربية، فضلا عن المجتمع الدولي الذي أقر التقسيم عام 1947.
لقد دفع العراقيون، منذ اندلاع القضية الفلسطينية في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، أثمانا باهظة باسمها ومن أجلها. وكانت مأساتنا الكبيرة في هذا الشأن تدخل مفتي فلسطين الشيخ أمين الحسيني في شؤون السياسة العراقية في أواخر الثلاثينات، وتوريط العراق وجيشه في حرب خاسرة مع بريطانيا عام 1941، أدت لعودة الاحتلال الأجنبي المباشر العراق، ولاعتقال المئات من الوطنيين العراقيين، وإعدام شخصيات عراقية، عسكرية ومدنية وطنية مخلصة، ورطها جميعا ثم هرب لأحضان هتلر وموسوليني! ولم تكفّ القوى الوطنية العراقية عن مساندة القضية الفلسطينية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وشارك الجيش العراقي مرارا في الحروب العربية ـ الإسرائيلية المرتجلة والخاسرة عربيا، والتي أدت عام 1967 إلى احتلال كل فلسطين ومعها أراضي ثلاث دول عربية مجاورة. ولعب عبد الكريم قاسم دورا كبيرا لمساندة الفلسطينيين وتمويلهم وتسليحهم. وكان عراق ما بعد اغتيال ثورة 14 تموز من البلدان العربية ذات الأنظمة الموصوفة "بالقومية التقدمية"، التي استغل حكامها اسم فلسطين لقهر الحياة الديمقراطية، ومصادرة الإنسان وكرامته، وهدر الأموال على التسلح وأجهزة المخابرات، على حساب المواطنين وتنمية البلد.&
&وبينما ظل العراقيون مساندين للقضية فإن مكافأة الإخوان الفلسطينيين للشعب العراقي هي تمجيد النظام العراقي الدموي ورفع صور الرئيس العراقي في المظاهرات الفلسطينية! وفي حين ساهم النظام العراقي بدور خطير في تمزيق التضامن العربي المقاومة الفلسطينية، وهدر القدرات العراقية، فإن الشارع الفلسطيني[ والشارع العربي عموما ] يعتبر الرئيس العراقي بطل مناطحة أمريكا وإسرائيل. ومع تزايد احتمالات نهاية النظام الفاشي العراقي على أيدي العراقية المسنودة دوليا، تزداد وتيرة العمليات الفلسطينية الانتحارية التي يسهم النظام العراقي في تمويلها علنا. وهناك من يعتقدون أن غرض قادة حماس و"الجهاد " في الوقت الحالي محاولة عرقلة كل حل للقضية الفلسطينية معتقدين أن توتير الوضع باستمرار قديمنع عملية إزاحة النظام العراقي أو يؤجلها طويلا حتى تبرد الأجواء!
&أما أكثرية المثقفين و" الفقهاء "العرب، وبعض الساسة من عيار السيد أمين الجامعة العربية، فيلجّون هذه الأيام في مناورات لتمييع قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية وإلزامية تنفيذ قرارات مجلس الأمن، برفع الصوت عاليا:"لماذا العراق وحده ؟"[ اقرأ:"لماذا النظام العراقي ؟]، ولماذا لا ينطبق الأمر على إسرائيل ؟إنه تساؤل محرّف لغرض الخلط والتضليل. أجل:كان على المجتمع الدولي، لاسيما أمريكا والدول الكبرى الأخرى، أن تمارس ضغوطا أكثر على إسرائيل للعودة لحدود 1967 ووقف الاستيطان، والحل العملي لقضية اللاجئين. ولكن اللافت للنظر أنه كلما مارست أمريكا وأوربا قدرا من هذا الضغط وجلس الطرفان للاتفاق، سارعت جهات فلسطينية لتخريب المساعي بقتل المدنيين الإسرائيليين، ومهاجمة المتفاوض الفلسطيني واتهامه بالتفريط. وكان ذلك يلقى تشجيعا مباشرا من بعض الحكومات العربية لحسابات خاصة بها لا من& أجل عيون القضية. أما السلطة الفلسطينية فتكتفي دوما بعبارات إدانة باهتة، ويشارك تنظيمها المسلح أحيانا في العمليات التي تعطي الحجج تلو الحجج لشارون والغلاة من ساسة إسرائيل والعسكريين المتعصبين لإعادة احتلال مدن السلطة ولتدمير المساكن والقتل. لقد وقع عرفات ضحية الأوهام حين انزلق في مصيدة " الانتفاضة المسلحة " بعد أن قاد بنجاح"انتفاضة الحجارة"، التي دفعت إسرائيل للجلوس على طاولة المفاوضات. وكان من كبريات أخطائه رفض عرض كلينتون ـ باراك. ولابد أن نذكر هنا رسالة مستشار عرفات ووزيره السابق، نبيل عمر الموجهة لرئيس السلطة الفلسطينية، وحيث يرد :"ألم نرقص طربا لفشل كامب ديفيد؟ ألم نلق الطين على صورة الرئيس كلينتون الذي تجرأ على تقديم اقتراح دولة فيها بعض التعديلات ؟ألم نفعل ذلك؟ لكن هل كنا صادقين فيما فعلناه؟لا لم نكن لأننا بعد عامين من الدم صرنا ندعو إلى ما رفضناه بعدما تأكد لنا استحالة تحقيقه. " ومن اللافت للنظر تنفيذ عمليات انتحارية كبيرة عشية كل انتخابات إسرائيلية، مع أن القادة الفلسطينيين يعلمون تماما أن ذلك سيخدم الساسة الأكثر تطرفا في إسرائيل ويهمّش قوى السلام الإسرائيلية التي استطاعت عام 1982 ان تخرج نصف مليون متظاهر في تل أبيب احتجاجا على مجازر صبرا وشاتيلا، في الوقت الذي لم تخرج فيه أية مظاهرة احتجاج في العواصم العربية! ! وهكذا تعمدت "انتفاضة الأقصى" تجاهل دور الرأي العام الإسرائيلي المتعاطف والواقعي لحساب قوى التطرف والتعصب وتوسيع الاستيطان .
&أما أكثر الصارخين من العرب باسم فلسطين فلا نجد بينهم من قدموا خدمات حقيقية لصالح حل القضية بدلا من استمرار حمامات الدم ودوامة الدمار. ولو سألنا معظم المثقفين الذين يرفعون الرايات في الصحافة العربية عما قدموه هم للقضية لبان أنهم لم يتبرعوا حتى بدولار واحد لصالحها، وهذا أضعف الأيمان. إنهم يباركون عمليات الانتحار التي لم تجلب للشعب الفلسطيني غير المزيد من الكوارث وتعقيد القضية، وخسرانه للكثير من العطف العالمي. وكل جهة تتخذ القضية الفلسطينية ذريعة لقضيتها هي، إن كانت شخصية أو حزبية أو قطرية ـ أي دفع الفلسطينيين ليكونوا وقود حرب مدمرة يحسبون أنها ستخدمهم هم وذلك مهما لحق بالأمهات والأطفال والآباء وكل الفلسطينيين من مآس وخراب وفقر.& وراح " المجاهد الأكبر"بن لادن وشركاؤه في القتل العبثي يخطفون القضية الفلسطينية [ ويريدون اليوم خطف القضية العراقية أيضا] لستر نواياهم الحقيقية من عمليات القتل والتدمير التي ينظمونها وهي نشر مذهب الموت والتعصب والتخلف والسعي وراء حلم تكوين " الدولة الإسلامية الكبرى "في العالم [على النمط الطالباني طبعا]. وقد أساءوا لفلسطين ولكل المسلمين والعرب حين شوهت عملياتهم الدموية صورة الفلسطيني والعربي والمسلم والإسلام في كل مكان.&
&& ومن الجهة الأخرى، فإذا قصّر المجتمع الدولي في ملاحقة مجرم كبير، فهل إن ذلك يبيح لمجرم آخر، ينزل الكوارث الدامية بشعبه هو ويغزو جيرانه، أن يواصل اقتراف الإجرام ؟! ثم لماذا ينسون أن القرارات التي فرضت على العراق جاءت بسبب غزو بلد عربي آخر، وأنها اتخذت كعقوبات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يطلب فرض القرارات بالقوة عند اللزوم ؟؟
&أما إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل فإنه هدف مطلوب لأمن شعوب المنطقة والعالم . ولكن ماذا فعلت الدول العربية وجامعتها لجعل القضية ساخنة دوما وتكثيف الجهود الدبلوماسية دوليا باتجاه الضغط نحو تحققه ؟! والادعاء، الذي يتشبث به النظام العراقي ومحاموه العرب، بكون القرار رقم 678 يلزم دول المنطقة بذلك ما هو إلا قراءة خاطئة [ ربما متعمدة ] للقرار المذكور. فالفقرة التي تشير لذلك الهدف الهام جدا هي الفقرة 14 من القرار. وفيما يلي نصها :
"ويحيط علما بأن الإجراءات التي من المقرر أن يتخذها العراق، والواردة في الفقرات 8 و9 و10 و11 و12 و13 من هذا القرار، تمثل خطوات نحو هدف إنشاء منطقة في الشرق الأوسط خالية من أسلحة التدمير الشامل وجميع قذائف إيصالها، وهدف فرض حظر عالمي على الأسلحة الكيميائية . "[ الترجمة الرسمية ]. إن جميع الفقرات الخاصة بنزع أسلحة التدمير الشامل العراقية تبدأ ب"الطلب" من النظام العراقي، أي بصيغة الأمر. أما الفقرة رقم 14 فهي مجرد "إحاطة علم" بأن نزع الأسلحة العراقية خطوة من الخطوات نحو ذلك الهدف. وبعبارة فإن المطلوب بصيغة الأمر هو نزع الأسلحة العراقية واعتبارها شرطا وخطوة أولى للسير نحو إنشاء منطقة منزوعة من أسلحة التدمير الشامل في الشرق الأوسط. لقد كان مطلوبا، ومنذ وقت طويل، لو أن مجلس الأمن أصدر قرارا بموجب الفصل السابع لنزع أسلحة التدمير الشامل لجميع دول المنطقة ومنها إسرائيل. ولكننا، مع الأسف، لا نملك مثل هذا القرار ولأسباب دولية معلومة.
&إن هذه الأوساط والشخصيات الصاخبة هذه الأيام تريد تبرير جرائم النظام العراقي باسم فلسطين والصراع العربي ـ الإسرائيلي، صامتين عن التقصير العربي، ومادّين "خيط أمان "للنظام العراقي". هذه الأوساط تسيء بهذه المواقف لشعب العراقي المنكوب المبتلى بأفظع نظام في تاريخنا الحديث. والعراقيون لا يمكن أن ينسوا خطيئة الصمت عن محنته والدفاع عن البطش الذي يفتك بهم ليل نهار. ولا يمكن عدم فهم هذه المواقف التي تتستر وراء مهاجمة أمريكا، أو باسم الدين أو باسم فلسطين . وكلما بدا الطغيان العراقي أقرب للنهاية المحتمة ارتفع الصراخ والعويل بنشر الحكايات عن سقوط مليون او نصف مليون عراقي وخطر الكرد والشيعة، وغيرها من الفبركات والأساطير.
أهو دفاع عن فلسطين ؟أم دفاع عن الاستبداد وأنظمته، وعن التطرف وشبكاته وفكره الدموي والمتخلف الذي ألحق أضرارا كبرى بالعرب والمسلمين وبالقضية الفلسطينية ؟وهل أمثال "فرسان"كوبونات النفط الصد! مي، وسماسرة "الجواد "الخاسر في العراق، تهمهم فلسطين حين يروجون لثقافة الكراهية ولأكاذيب "حكماء " البوليس السري الروسي القيصري؟أم محاولة ستر ارتزاقهم الكوبوني للنظام العراقي، وركوب متن عواطف الشارع العربي الذي تروعه المأساة الفلسطينية وفشل الأنظمة داخليا في التنمية والإصلاح ؟!&
إن العراقيين في الداخل، الذين تحترق أرجلهم في نار النظام، سوف يشكرون كل من يساندهم للتحرر من العذاب، وهم يلعنون وسيظلون يلعنون المشاركين في محاولات نجدة الطغيان، مهما كانت لافتاتهم و"فتاواهم "وجنسياتهم!