قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سرمد الطائي
&
تابعنا باهتمام من منفانا الإيراني القاصي، المقالات العديدة التي انتقدت ادوارد سعيد على موقفه من العراقي كنعان مكية الاستاذ في جامعة هارفرد، في مقال "معلومات مضللة عن العراق: المنشور اخيراً بجريدة الحياة اللندنية. ورغم اهمية تلك الردود ولا سيما غير العراقية منها (مقالي محمد الرميحي وحسن منيمنة) باعتبار ان الأخيرة تسجل تقدماً في فهم افضل للحالة العراقية... رغم ذلك فقد كنت اتمنى ان تتنبه المقالات النقدية تلك، الى السياق الثقافي الذي ينتمي اليه مقال "او مجمل ما ينتجه" ادوارد سعيد والمرحلة الفكرية التي يعبر عنها والخطاب المحدد الذي يعتمده. هذا ما سكتت عنه المقالات المنوه اليها واستبعدته على ما يبدو (باستثناء مقال عزيز الحاج الذي حاول الاقتراب قليلاً من تلك الزاوية)، بينما ارى ذلك امراً جوهرياً لا يمكن تجاهله في تحليل موقف سعيد او موقف شريحة عريضة من مثقفينا وكتابنا وأكاديميينا.
يزعم سعيد في مقاله المذكور ان كنعان مكية "يمثل ظاهرة زائلة. لكنه عَرَضٌ لاشياء عدة في آن. انه يمثل المثقف الذي يخدم السلطة من غير تردد". غير ان التحليل الذي ادعو اليه يخرج بنتيجة مغايرة تماماً مفادها ان الخطاب الذي يعتمده سعيد لا يمثل سوى ظاهرة آخذة في الانحسار (ولا اقول الزوال، كي لا اقع في فخ الاطلاقية الذي ارتهن على الدوام احكام سعيد). بينما يحاول مكية ان ينخرط في تيار صاعد هو حصيلة الدرس المستفاد من تجربة مريرة للخطاب الثقافي العربي منذ عصر النهضة حتى اليوم. لم أشأ ان أقحم نتيجة التحليل في فقرة تسبق معالجة انا في صددها هنا، غير ان كلمة سعيد هذه استفزتني (ولا اخشى من الاعتراف بذلك) منذ قرأت مقاله في "الحياة"، خاصة وأنا اتجرع مع امثالي مرارة النتائج الفظيعة التي جرها علينا نمط الخطاب الذي يدعو اليه سعيد ويستهلكه.
ليس في وسع المتابع للفكر العربي المعاصر (مثلاً لا حصراً) ان يتجاهل مهمة عاجلة تحتم علينا تحليل نمطين يتقاسمانه منذ فترة نشوئه، رغم هيمنة الأول وشيوعه، وندرة الثاني وعزلته الراهنة (اعني قلة ممثليه مقارنة بسواه). ثمة نمط الثقافة التبشيرية الدعوية التي لم تفتأ تنصّب المثقف نبياً يحمل لواء (الآيديولوجيا) ويضحي بالمعرفة (وهي رأسماله الحقيقي الوحيد) لتسييد مشروعه الايديولوجي ولا يتورع عن تشويه معطيات المعرفة وتحويرها والاستهتار بها وتقديمها قرباناً على مذبح الدعوة الايديولوجية. هذا هو الحال مع القسم الاعظم من اتجاهاتنا الثقافية حتى الآن، ولا اعني بهذا الوصف مجرد الايديولوجيات الرسمية والارثوذكسيات الشمولية كاليسار العربي والاسلام السياسي والقومانية المثالية، بل ذلك ما يشمل طيفاً واسعاً من العلمانويين (ولا اقول العلمانيين) أي اولئك الذين يتخذون العلمانية مشروعاً ايديولوجياً له طقوسه وشريعته، انبياؤه وشياطينه، فردوسه وجحيمه وشموليته، ناهيك عن وحدانيته وأوتوقراطيته الاقصائية... هؤلاء الذين عجزوا عن استيعاب العلمانية كنظرية متعددة المستويات تستهدف بناء مفهوم الانسان على قواعد جديدة تعيد ترتيب شبكة المفاهيم في ضوء فصل منهجي بين ما تداخل من خطوط، وعلى نحو يضمن تخليص الانسان من شتى الاكراهات وألوان القسر وتحقيق كرامته الذاتية وفردانيته المتحررة، والتأكيد على بشرية الجميع وبشرية افكارهم ومشاريعهم ودعواتهم، ورفض المزاعم التي تدعو الى الايمان بأنصاف الآلهة وتقديس طاقم الاقزام المتفرعن بكل ما يحمله من جنون العظمة او البارانويا المزمنة.
لا يمكن ان ننهمك ضمن هذه العجالة في المزيد من الوصف، وربما كان الاجدى من ذلك ان نلاحظ النتائج التي انتهى اليها هذا النمط الثقافي وهو يعيش هواجس التبشير ولا يتقن العوم إلا في بحيرات الايديوجيا (ولن أقول مستنقعاتها). فقد أشاع ممثلو هذا الاتجاه الرومانسية النضالية الثورية، وعمدوا الى تحويلها من ظاهرة طارئة تتكون في ظل شروط تاريخية مؤقتة، الى استراتيجية خالدة تتعالى على التاريخ وترافق مكونات الوعي حتى بعد تخطيه لمرحلة الهدم وخوضه في عملية البناء، كما انهم استغرقوا في مستوى المثالية النضالية حتى عجزوا عن التسلح بعدة معرفية او اداة اخرى لمعالجة ما لا صلة له بالثورة على مستعمر ولا علاقة له بالتنظيمات السرية الكفاحية. ومن جهة اخرى طالت غفوة هؤلاء على حلم الكاريزما المخلّص (بتشديد اللام) الذي يأتي ممسكاً بسيف عنترة وقرآن محمد وسطوة هارون الرشيد، وهو طموح طفولي يستولي على المرء في ظروف العجز وغياب الثقة بالنفس الى درجة يخفق المرء عندها في التعبير عن ذاته ويلهث وراء الرمز كي يقدم له فروض الطاعة فينوب عنه في التعبير عن تلك الذات الحالمة المهشمة. وهكذا راح النمط الثقافي المذكور يصنع الآلهة والفراعنة ويردد: ((حلم الثرى ان تستفيق حضارة ويجدد الدنيا نبي اسمر)) كما لا يتورع عن وصف كاريزماه بأنها تواصلٌ لنبوخذ نصر امبراطور العراق والشام او استمرارٌ لبعض الانبياء المرسلين (ولاية الفقيه نموذجاً)، رغم ان ثمة نصف إفاقة اتيحت لبعض هؤلاء بعد هزيمة 67 غير انهم لا زالوا يكابرون ويتشبثون بحاشية الحلم الندية. وفي هذا الإطار انهمك النمط الثقافي المذكور في تنـزيه الذات والإلقاء بتبعة التردي العام على (مؤامرات) يدبرها الامبرياليون و(الخونة والعملاء).
وتشكل هذه السمات مع نظائرها، الحصيلة الأصولية الراديكالية بطابعها الدعوي التبشيري، وروح ثقافة الستينيات المؤدلجة (لو ساغ لي ان اعبر) المشبعة بهواجس التعبئة والتجييش، والمجردة عن الرغبة في الموضوعية والهدوء المعرفي وتوازن الفكر، ناهيك عما ابتليت به من منطق الحسم والنهائيات والإطلاقيات التي تعوّم الأزمة الحقيقة وتنشغل بالتصفيق لشعارات انصاف الآلهة، بينما لا تكاد تجد أي ازمة سوى ان الآخرين لا يشاركونها التصفيق للمزاعم الايديولوجية المقدسة!
وفي قبال هذا النمط، اخذ اتجاه آخر يغالب عزلته ويراغم وحشته وتغريده المنفرد خارج الاسراب والقطعان الحاشدة، فرفض تأليه وصفات الايديولوجيا الجاهزة، وثار على منطق الحتميات السحرية، وطالب بالإفاقة من احلام اليوتوبيا والتعامل بجدية اكبر مع الحقائق، كي يتاح للتصور الثقافي ان يتحرر من مُثل وأوهام تأخذه الى السماء لتنسيه عذابات الارض، ودعا الى ان ينشغل المثقف بمعالجات علمية لا مرجعية لها سوى ضوابط المنهج التي جرى اختبارها، ويتسلح بعدة نقدية لا تتوقف عن المراجعة (قريباً من مفهوم كارل مانهايم للانتلجنسيا) وإعادة النظر سواء في المعطيات او المناهج، بغية الابتعاد عن التحيز الى ما تمليه عواطف الطفولة الحضارية الساذجة او تهويمات الانتماء النرجسي وبقايا مفاهيم القبيلة والإقطاع وعصر المماليك.
لقد نجح النمط الجديد في تخطي عزلته وتعرض الى اختبارات مهمة حتى الآن، الى درجة ان بعض المثقفين العرب اعلنوا موت النظام الثقافي العربي بعد صدمة 91، وظهور نظام نقدي جديد لا يتعفف من الليبرالية (كما صنع غيره) ولا يخشى من المراجعة كما لا يتهرب من صياغة اسئلة حضارية جادة حتى لو ادى ذلك الى التساؤل حول ثوابته القومية والوطنية والعقائدية، وبالتالي فإنه منظومة ثقافية لا تخشى من تحمل مسؤولية مواقفها وتصرفاتها ولا تلقي بلائمة ذلك على اعداء وخونة وهميين تجعل منهم (شماعة) لتعليق الاخطاء. كان هذا تحولاً منطقياً اذ ان النماذج الثقافية تخضع الى ما يشبه قانون الاصطفاء الطبيعي (او الثقافي) ومبدأ بقاء الأصلح، وماذا في وسع المثقف العربي ان يصنع بعد ان وجد ولعه بتقديس الآيديولوجيا وهتافاتها يجره الى حروب اهلية وعنف داخلي واحتراب سجالي عقيم يدمر كل فرصة للتقدم؟ هكذا وجد علي حرب مثلاًً، نفسه يفقد الايمان بعشرات العقائد التي بشر بها زمناً طويلاً في حلقات التنظيم العقائدي، ووجدها تتساقط مع كل قذيفة تزمجر بصلف في اجواء بيروت اثناء حرب لبنان، كما يذكر عند حديثه عن تجربته في احد أعداد مجلة العربي.
لا يعني ذلك اننا نواجه تحولاً (سحرياً) يحصل بين ليلة وضحاها، لأننا اذا لاحظنا اوربا او مسار التحولات الغربية ذاته وهو يسبقنا بالتأكيد عدة قرون، فسنجد ان كل تحول يحصل لن يعني زوالاً كاملاً لما قبله، فهذا بيار بورديو عالم الاجتماع الفرنسي الراحل قبل نحو عام، ظل حتى الرمق الأخير يتشبث بإصرار بمفهوم المثقف الكلاسيكي ويدعو الى قرن الممارسة الثقافية بممارسة نضالية ثورية دعوية. لكن المهم ان موقف كل من الخطابين يتحدد في ضوء المواجهة الحاصلة بين المعرفي والآيديولوجي، والاختبارات التي يتعرضان لها، ولا شك اننا نجد إقبالاً يتزايد يوماً بعد آخر على الأخذ بالمفهوم الذي يضع المثقف في موقع المنتج للمعرفة بطابعها الاكتشافي المحايد، ويحذر من خطر تحوله الى مصفق للآيديولوجيا يخلط بين المشاعر والانحيازات وبقايا قيم مرحلة الاقطاع ومبادئ العمل الثوري الحالم، ويتأكد لدى المثقف العربي ان الاتجاه الاخير هو الذي يصنع الدكتاتور ولا يثور عليه إلا بهدف تسييد دكتاتور آخر يبرر استبداده بقداسة القيم التي ينافح عنها! وهو الذي يدعو الى تجاهل كرامة الانسان في سبيل شعارات رومانسية حالمة تبتعد عن الواقعية في التقييم وتدعو الانسان الى الحلم بالكرامة بدلاً عن ممارستها! إرضاءً لطفولية في المشاعر او تأميناً لمصلحة فئوية خاصة.
هذا الفرز سيساعدنا كثيراً في رسم خارطة واضحة للثقافة العربية اليوم، الأمر الذي يجعل في وسعنا تقديم فهم افضل للخطابات الثقافية السائدة، وتحليل بناها والتأريخ للحقيقة الثقافية. ان هذا الفرز يجعل بمقدورنا تفسير الانفعال الشديد الذي يطبع معالجات سعيد، رغم انه يعيش في ذروة التحولات الثقافية العالمية، ويشي بأن ميول اليسار والآيديولوجيا لا تزال هي المكون الرئيسي لمعالجاته حتى وهو يستخدم اكثر الأدوات حداثة وترندنسنتالية. وحينئذ لن ننتظر من سعيد ونظائره الكثيرين في العالم العربي وخارجه، سوى موقف كهذا من كنعان مكية الممثل البارز (عراقياً) للواقعية الثقافية والنمط الليبرالي من المعالجات، وهو الداعي الى المرونة والهدوء والنسبية والقبول بأنصاف الحلول والمرحلية، اضافة الى تمسكه بالوضوح وابتعاده عن النفاق السياسي الذي يدعو الى إبقاء شعب عربي مهم تحت سلطة هولاكو (او نيرون) بغداد، ارضاءً لنرجسيته القومية او مثاليته ومنهجه في الحسم الايديولوجي.
ان مكية نموذج للمثقف العراقي المضطهد بنحو لا مثيل له في تاريخ الاضطهاد العربي (لم يصدر نظام عربي قائمة سوداء تضم كبار مثقفي البلد ومبدعيه كالقائمة التي اصدرها العراق وفيها 350 مثقف عراقي كبير بينهم نازك الملائكة وسعدي يوسف وخيرة الاقلام العراقية، لا لشيء إلا لأنهم رفضوا التعايش مع نظام بربري لا نجد شهية في البرهنة على بربريته). وهو في حركته الدائبة وما يطرح من تصورات، انما يحاول وضع خبرته الاكاديمية وثقافته المتجردة عن تعميمات الايديولوجيا وهموم المبشرين والدعاة، لصالح ما يمكن ان يمثل خطوة على طريق عراق جديد. وذلك بعد ان جرب مكية والشعب العراقي مختلف الوسائل والخيارات ووصلوا الى نقطة تجعلهم يستسلمون بكل ما يعنيه ذلك من مغامرة ومخاطرة وتهور ربما، الى أي خيار جديد قد يتاح لهم. اقول هذا رغم اننا قد نختلف قليلاً او كثيراً مع المتحمسين للتعاون مع الامريكان في مخططهم الحالي، وربما نرفض بشدة ان تتكرر في العراق تجربة 91 المرة وأن يقيم العراقيون اسابيع طويلة تحت رحمة قاذفات اللهب الامريكية، وقد كنت دعوت شخصياً الى تشكيل لجنة للدفاع عن الانسان العراقي للحؤول دون تكرار المجازر المريعة وجرائم الحرب التي ارتكبت بدوافع خارجة عن هدف تحرير الكويت المعلن آنذاك، وضرورة التمسك بخيارات من شأنها تجنيب العراق اسابيع النـزيف المتواصل.
لكن ذلك لا ينبغي ان يحول دون ادراك سعيد ان انشطة مكية وأمثاله هي محاولة ووجهة نظر لا بد ان تحترم وتناقش بهدوء، وأن يقدر الوضع الاستثنائي للشعب العراقي مع حكومته البشعة، بدل ان يستغرب من كتاب مكية (جمهورية الخوف) ويصفه بأنه قد تضمن وصفاً لحكم صدام حسين بقدر كبير من الترويع والاثارة. مع ان الكتاب المذكور ليس سوى وصف مخفف موجز للغاية عن الحال التي عشناها ويعيشها شعبنا في العراق. ان تقييم سعيد المندفع يمثل المنظور الايديولوجي الضيق الذي لا يتماشى مع اولويات المثقف ومهمته المعرفية، وهو من بقايا (الداعية) في واقعنا الثقافي (حسب تعبير عبدالإله بلقزيز في كتابه "نهاية الداعية").
اختم هذا الحديث المطول والمشتت الذي اضطررت اليه، بالتنبيه الى وجهة نظر مكية التي ازدراها سعيد واستخف بها واعتبرها موقفاً خيانياً، اعني دعوة مكية الى عراق غير عربي وغير اسلامي. هذه الدعوة تعبير خاص عن تساؤل مصيري تطرحه شريحة واسعة من المثقفين العراقيين: الى متى ندفع ضرائب القومانية العربية والاسلاموية المتعسفة، بينما نفرط بأولويات العمل الوطني؟ الى متى نخدع انفسنا بلعبة صدام المكشوفة ومتاجرته بالشعار القومي والاسلامي لصالح تكريس حكمه الاوتوقراطي المتهرء؟ وإلى متى يلهث جميع العرب والمسلمين وراء مصالحهم الوطنية فيما نقف نحن حائرين مشتتي الهموم فلا نحن نحقق مكسباً للمطلب القومي او الاسلامي، ولا نحن نؤمن الحد الأدنى من مطالبنا الوطنية؟ هذه التساؤلات تشيع اليوم بين المثقفين العراقيين بعد المحنة الكبيرة التي واجهتهم، لا سيما في ظل المعاملة غير الشريفة التي لاقوها في بلدان العرب والمسلمين حين حملوا بقايا كرامتهم وخرجوا يبحثون عن اطار يستوعب كبرياءهم. ليس ذلك تنكراً للعروبة ونحن معدنها ومن أبرز ممثليها، غير انه دعوة لمراجعة هذه المقولة وإعادة بنائها بعدة نقدية تتجرد عن اوهام الهوية الساذجة وسطحية النـزوع البدائي القومي الذي يبدو ان سعيد يحاول استغلاله وتعبئة قرائه من خلاله، لغاية في نفس يعقوب.
كل التقدير لسعيد الذي نستمتع جميعاً بملاحظاته وتفسيراته في دائرة تخصصه، رغم اننا قد نختلف معه. وكل التقدير للاجيال الثقافية العربية التي لها في اعناقنا ان ندرس تجربتها ونفيد منها، دون ان يمنعنا ذلك عن استرجاعها نقدياً وكشف عيوبها، مع الاقرار بأنها مثلت مرحلة لا بد من المرور بها لتخطيها، لا الوقوف عندها وتحويلها الى قيمة تتعالى على شروط التاريخ.
&