عبدالله المدني
&
&
البعض يراهن على ذكائه ومواهبه إلى الدرجة التي يستخف بها كثيرا بالآخر , حتى وان كان هذا الآخر دولة كبرى لها شبكاتها الاستخبارية المعقدة وعلاقاتها المتشعبة وأدواتها المتطورة وعيونها المزروعة في كل مكان , فيمضي بعيدا وهو مطمئن إلى أن أيادي خصومه لن تصل إليه في أي مكان أو زمان . وفي ظل هذا الاعتداد والاطمئنان , حتى لا نقل الغرور, قد تصدر منه هفوات تقوده إلى نهايته.
وهذا ينطبق تحديدا على خالد شيخ محمد الذي وقع في الفخ في الأول من مارس الجاري في كمين نصب له بمدينة راوالبندي الباكستانية. إذ رغم علمه بأن أجهزة الاستخبارية الأميركية& وتلك الحليفة لها في باكستان وغيرها تعمل في حالة الاستنفار القصوى للإيقاع به , فقد آثر أن يتنقل داخل المدن الباكستانية ويحل في ضيافة رموز أحزاب أصولية باكستانية من تلك التي تلاحقها شكوك التعاطف والارتباط مع تنظيم القاعدة مثل حزب جماعت إسلامي ( الفرع الباكستاني لحركة الإخوان المسلمين). بل انه في أغسطس 2002& اتصل هو وزميله رمزي بن الشيبة بالإعلامي يسري فودة مقترحين على الأخير إجراء مقابلة تلفزيونية معهما للحديث عن أدوارهما& "البطولية"& في أحداث 11 سبتمبر , في تجاهل تام لاحتمالات أن تكون هذه الاتصالات مراقبة بقصد تحديد مكان تواجدهما. وهي الحادثة التي أثمرت بعيد إجرائهما للمقابلة عن اعتقال بن الشيبة دون زميله ونقله إلى معتقل غوانتنامو الأميركي . وربما لو بقي خالد شيخ محمد متواريا في المناطق الحدودية الوعرة الفاصلة ما بين باكستان وأفغانستان& والخارجة عن نطاق سلطة إسلام آباد, وترك أمر الاتصال بأعوانه من المتعاطفين مع القاعدة وطالبان في داخل باكستان لغيره ممن يعبرون الحدود جية وذهابا دون رقيب لما وقع في الأسر ولظل إلى اليوم طليقا.
وهذا ينطبق تحديدا على خالد شيخ محمد الذي وقع في الفخ في الأول من مارس الجاري في كمين نصب له بمدينة راوالبندي الباكستانية. إذ رغم علمه بأن أجهزة الاستخبارية الأميركية& وتلك الحليفة لها في باكستان وغيرها تعمل في حالة الاستنفار القصوى للإيقاع به , فقد آثر أن يتنقل داخل المدن الباكستانية ويحل في ضيافة رموز أحزاب أصولية باكستانية من تلك التي تلاحقها شكوك التعاطف والارتباط مع تنظيم القاعدة مثل حزب جماعت إسلامي ( الفرع الباكستاني لحركة الإخوان المسلمين). بل انه في أغسطس 2002& اتصل هو وزميله رمزي بن الشيبة بالإعلامي يسري فودة مقترحين على الأخير إجراء مقابلة تلفزيونية معهما للحديث عن أدوارهما& "البطولية"& في أحداث 11 سبتمبر , في تجاهل تام لاحتمالات أن تكون هذه الاتصالات مراقبة بقصد تحديد مكان تواجدهما. وهي الحادثة التي أثمرت بعيد إجرائهما للمقابلة عن اعتقال بن الشيبة دون زميله ونقله إلى معتقل غوانتنامو الأميركي . وربما لو بقي خالد شيخ محمد متواريا في المناطق الحدودية الوعرة الفاصلة ما بين باكستان وأفغانستان& والخارجة عن نطاق سلطة إسلام آباد, وترك أمر الاتصال بأعوانه من المتعاطفين مع القاعدة وطالبان في داخل باكستان لغيره ممن يعبرون الحدود جية وذهابا دون رقيب لما وقع في الأسر ولظل إلى اليوم طليقا.
نعم , لقد تمكن الرجل من تحاشي القبض عليه طويلا , وكلما كانت يد تقترب من الوصول إليه بعد جهد استخباراتي جهيد , كان هو أسرع في الإفلات والاختفاء , تاركا خصومه في حالة من الإحباط والارتباك. وبين هذا وذاك كانت تجري عمليات إرهابية كبرى سرعان ما يكتشف وجود بصماته عليها. وهكذا ادرج اسم الرجل على قائمة كبار المطلوبين للعدالة الأميركية وغيرها , ووضع اسمه في مصاف أشخاص من أمثال أسامة بن لادن وايمن الظواهري والملا محمد عمر , بل ورصدت ملايين الدولارات ثمنا لرأسه على أمل أن تغرى مثل هذه المكافأة المالية الضخمة أحدا من رفاقه أو معارفه للوشاية بمكان تواجده.
وبطبيعة الحال لم يكن هذا الاهتمام به غريبا , لأن المعلومات الاستخباراتية المتجمعة حوله والإفادات التي انتزعت من رفاق له تم القبض عليهم من أمثال الفلسطيني ابوزبيدة ( اعتقل في فيصل آباد الباكستانية في مارس 2002) واليمني ابن الشيبة ( اعتقل في سبتمبر 2002 في كراتشي) والكويتي محمد منصور جبارة ( اعتقل في سلطنة عمان في أبريل 2002)& أجمعت على انه إذا كان أسامة بن لادن وايمن الظواهري هما المرجعية الإيديولوجية والقيادية لفكر التطرف والتشدد والأداة المحرضة على الجهاد المسلح فان خالد شيخ محمد هو الأداة التخطيطية لأعمال تجسد مثل تلك الأفكار على نحو ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر وما حدث قبله وبعده من عمليات إرهابية ناجحة أو فاشلة.
وطبقا لتحليلات الكثير من المراقبين , فان وقوع خالد في الفخ قد لا يؤدي إلى توقف أعمال تنظيم القاعدة الإرهابية لأن للأخير مخططين ومنفذين كثر في أماكن عديدة حول العالم , إلا أن المؤكد أن القاعدة قد تلقت ضربة قوية بخسارتها للرجل بسبب امتلاك الأخير لمواهب من الصعب توفرها في آخرين.
ذلك أن خالد شيخ محمد , على خلاف جل المرتبطين بالقاعدة,& شخصية ذكية وديناميكية وحاملة لمؤهلات علمية عالية من جامعات الغرب& ولمواهب متنوعة , فضلا عن إجادته للعربية والإنجليزية والاوردية بطلاقة وتمتعه بعلاقات وروابط متشعبة مع الكثيرين في جنوب وجنوب شرق آسيا ومنطقة الخليج , وغير ذلك من الصفات التي كان بإمكانه توظيفها لخدمة نفسه وبلده ورفع شأن دينه وأمته لولا انه تشرب في وقت من الأوقات فكر التطرف والعنف الذي قاده مؤخرا إلى& المعتقل ذليلا مقيد اليدين منفوش الشعر, تاركا خلفه ابنين صغيرين ( حمزة وزاهد ) لن يتمكنان بعد اليوم من رؤية أبيهما أو التمتع بدفء حضنه.& وحالة الرجل لا تختلف كثيرا عن حالة قائده أسامة بن لادن الذي كان بإمكانه أن يوظف حماسه وثرواته الطائلة وعلاقاته الواسعة وتاريخ عائلته المشرف& في بناء صروح علمية وتكنولوجية ترتقي بأحوال أمته الإسلامية وتدفعها إلى الأمام& , أو حالة قائده الآخر أيمن الظواهري الذي كان باستطاعته أن يستثمر علمه وتخصصه الطبي في تخفيف آلام مواطنيه أو اكتشاف ما يضيف إلى& الإنجازات البشرية باسم الأمة الإسلامية , بدلا من اللجؤ إلى الكهوف و التحريض على العنف والتسبب بالتالي في معاناة الكثيرين , فضلا عن توفير المبررات لشن حملة ضد العقيدة التي يدافعان عنها و التضييق على أبناء هذه العقيدة في الخارج.
تردد اسم خالد شيخ محمد لأول مرة في عام 1995 على خلفية اكتشاف خطة لاغتيال بابا الفاتيكان والرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون في العاصمة الفلبينية,& وأخرى لتفجير 12 طائرة ركاب أميركية أثناء تحليقها فوق المحيط الهادئ. حيث تبين ضلوع الرجل وابن أخيه يوسف رمزي مع آخرين ( مثل رضوان عصام الدين الملقب بالحنبلي) في تلك الخطط& , كما تبين أن خالد شيخ محمد استخدم أثناء إقامته في مانيلا أسماء مستعارة وانتحل صفة تاجر أخشاب سعودي وكان كثير التردد على الحانات ومواخير الليل لإبعاد شبه انتمائه إلى الجماعات الأصولية المتشددة مثلما فعل لاحقا محمد عطا ورفاقه في الولايات المتحدة قبيل قيامهم بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر.
ولئن تم إلقاء القبض على يوسف رمزي لاحقا في باكستان في عام 1996 واقتيد من هناك إلى الولايات المتحدة حيث ينفذ عقوبة السجن لمدة 240 عاما بسبب دوره في& تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك في عام 1993 , فان خالد شيخ محمد استطاع الإفلات و الوصول إلى منطقة الخليج عبر موطنه باكستان للاختباء فيها و العمل من هناك كأحد معاوني بن لادن بعد عودة الأخير إلى أفغانستان في عام 1996 , فيما ظل الأميركيون الذين اصدروا بحقه حكما غيابيا بالسجن لدوره في مخطط تفجير الطائرات الأميركية وبسبب أموال كان يبعثها إلى ابن أخيه في عام 1992 للتحضير لضرب مركز التجارة العالمي , يبحثون عنه وينبشون في سيرته.
هذه السيرة التي تقول انه ولد في الكويت في عام 1965 لعائلة باكستانية من بلوشستان& قدمت كغيرها إلى هذا البلد الخليجي للبحث عن العمل . وفي الكويت ترعرع خالد بين اخوته الخمسة وحصل على فرص التعليم المجانية والعيش الكريم , بل أن عائلته كانت بفضل خيرات الكويت في وضع سمح لها بابتعاث ابنها إلى الولايات المتحدة الأميركية للتحصيل العالي. وهناك التحق بجامعة نورث كارولينا الحكومية للزراعة والتقنية في غرينزبورو , حيث تمكن بفضل اجتهاده ومواظبته وابتعاده عن اللهو من الحصول على بكالوريوس الهندسة الميكانيكية خلال عامين ونصف. ويقول من عرفه أو التقى به في هذه الفترة انه كان ملتزما دينيا ويقضى جل وقت فراغه في المسجد لكن دون أن تظهر عليه امارات التطرف والعنف. لذا فان& تشدده و انجرافه نحو فكر التطرف جاء لاحقا& لفترة دراسته الجامعية وربما بتأثير من شقيقه الأكبر& زاهد& شيخ محمد الذي هو الآخر تربى في الكويت ودرس في جامعتها مجانا وصار من رموز جماعة الإخوان المسلمين قبل أن ينتقل في الثمانينات إلى بيشاور للانضمام إلى المجاهدين الأفغان في حربهم ضد السوفييت. ولعل ما يؤكد صحة هذا القول أن خالد فضل الالتحاق بشقيقه زاهد في بيشاور بعد إنهائه لدراسته الجامعية بدلا من أن يعود إلى الكويت للعمل , وهناك شاءت له الأقدار أن يلتقي بابن لادن لأول مرة ويرتبط به بعلاقة فكرية تطورت مع الأيام إلى حد انخراطه بحماس في أنشطة القاعدة واضطلاعه بمسئوليات التخطيط للأعمال الإرهابية الكبرى وتجنيد الشباب المسلم لها.
ولعل سعادة الأميركيين بإلقاء القبض على الرجل ليس مصدرها الوحيد انهم وضعوا حدا لنشاط رجل موهوب وذكي وشخصية بارعة في انتحال صفات عدة& (تاجر ومحاضر وسائح وثري خليجي)& وأسماء كثيرة ( عبد المجيد و نبيل& و سالم علي و خالد عبدالودود واشرف رفعت وفهد بن عبدالله بن خالد) وجنسيات مختلفة (مصرية وسعودية وقطرية وبريطانية وكندية ) ومتحدث جيد& بلغة إنجليزية سليمة لا تشوبها شائبة , وإنما أيضا لتمتع هذا الرجل بعلاقات واسعة في الخليج ( كنتيجة لنشأته الأولى في الكويت ومعرفته بخرائط المنطقة الاجتماعية والقبلية والسياسية) حيث توجد قواعدها والآلاف من جنودها , الأمر الذي كان يحمل دائما مخاطر نجاحه في تجنيد المتحمسين وذوي النزعة الجهادية بصورة اكبر من غيره.
الطريف في موضوع اعتقال خالد شيخ محمد& أن الجماعات الإسلامية ذات الميول البنلادنية والطالبانية , ولا سيما تلك المتواجدة في لندن , سارعت إلى التشكيك في هوية المقبوض عليه مدعية انه ليس خالد الحقيقي , وان الحكاية مجرد فرقعة إعلامية يقصد من ورائها رفع معنويات الأميركيين.& وبالتوازي مع هذا الطرح ظهرت أصوات أخرى من ضمن الجماعات نفسها تقول أن خالد الشيخ في حقيقة الأمر موجود في قبضة السلطات الباكستانية منذ حادثة اعتقال بن الشيبة , وان الإعلان عن القبض عليه اليوم ليس سوى مسرحية تستهدف إسلام آباد من ورائها رضاء واشنطون ودعمها بصورة اكبر. وبطبيعة الحال فان مثل هذه الطروحات ليست بغريبة في ظل انزعاج تلك الجماعات من تعاون إسلام آباد المضطرد مع واشنطون في مكافحة الإرهاب. ألم يقف أبو حمزة المصري مؤخرا ليلقي خطبة في صلاة الجمعة خارج مسجده المغلق بعنوان " آيات الرحمن في سقوط طائرة الباكستان" في إشارة إلى أن سقوط الطائرة التي أودت بحياة قائد سلاح الجو الباكستاني ورفاقه إنما هو عقاب الهي لتعاون الحكومة الباكستانية مع الاميركان ضد طالبان والقاعدة؟ (تنشر تزامنا مع صحف الخليج)
&
باحث وخبير خليجي في الشئون الآسيوية















التعليقات