&
تحية خالصة وبعد..
أود ان أعبر لجنابكم عبر هذه الرسالة بسبب تعذر الحضور إلي عاصمة بلدي بغداد لأسباب فنية، ومن خلالكم لدولتكم الولايات المتحدة عن الشكر والتقدير لقيامكم بتخليص الشعب العراقي من نظام الحكم المحلي الصدامي الدكتاتوري، حيث تمكنتم من تكسير قيود العبودية والاستبداد، واسقطتم أسوار العزلة بالقوة، بعد أن عجز العراقيون عن تحقيق هذا الهدف بأدواتهم الوطنية، وستأخذ هذه المهمة مكانتها في التاريخ حين تؤدي إلي عودة مسار العراق لحالته الطبيعية بأسرع وقت وتغادرون بلدي بحسن توديع وشكر من الشعب.
وقبل أن أقدم لجنابكم مقترحات وطلبات هذه الرسالة، أوّد تذكيركم برسائل و(عرائض) وجهاء بغداد للحاكم (مود) عام 1917 وما بعدها التي كانت تطالبه بتحقيق مطالب الناس بتحقيق الأمن،وإنشاء حكومتهم الوطنية، وكذلك إحاطتكم بما قام به بعض زملائي السياسيين المعارضين في المنفي وأنا من بينهم حين اختاروا مثل هذه الوسيلة في مخاطبة حاكم بلدهم السابق صدام حسين نصحوه من خلالها وخاصة في أيام حكمه الأخيرة لتلمس طريق الصواب والخروج من سياسة العزل والدكتاتورية، وآخرها المناشدة بتخليه عن الحكم كمخرج سلمي عراقي لتجنب الحرب، لكنه لم يسمع، وحمّل الشعب دفع ثمن خراب هذه الحرب. ولكي يلمس العراقيون الفارق ما بين دكتاتورية صدام وديمقراطيتكم من حيث الاستماع لرأي الجماعة ومطاليبها، وتقديرنا لظروف السياسيين العراقيين الذين يقابلونكم هناك في بغداد من حيث دواعي المجاملة، وخشية عدم موافقة الآراء مع مزاج الحاكم العام صاحب الصلاحيات المطلقة، ولحسابات أجندتهم الذاتية في عدم التفريط بمكسب أو منصب سياسي منتظر لصالح مطالب شعبية واضحة، ولانشغالهم بأمور أوضاعهم التنظيمية، ولكوني أتحدث من بلد الديمقراطية العريقة بريطانيا، حيث احتمينا بها وفيها سنوات من (رصاصة صدام القاتلة) اسمحوا لي بتقديم بعض الملاحظات والطلبات التي أعتقد بأن إخوتي العراقيين يتضامنون في أهمية وضعها أمامكم مباشرة، متمنياً أن يتوافر لكم الوقت لسماعها والاهتمام بها، أو الرد عليها وفق التقليد الديمقراطي الأمريكي والبريطاني الرائع، في ردّ الحاكم علي الرسائل الواردة إليه حتي وإن جاءته من أصغر مواطن، وأتمني أن يحدث ذلك التقليد الديمقراطي قريباً في بلدي، ونسعي جميعاً لتحقيقه:
أولاً: في الوقت الذي وضعتك إدارتك في أضخم مهمة سياسية في العراق، قد يحسدك عليها الآخرون، حيث سيسجل اسمك في خانة من التاريخ تتأرجح اليوم ما بين موقعين أحدهما لن يكون محموداً من قبل الشعب العراقي، وسيعيد لذاكرته مهمة الجنرال البريطاني (ستانلي مود) الذي قال للعراقيين قولته المشهورة (جئنا محررين لا فاتحين)، والموقع الآخر الذي نتمناه لكم هو أن لا يطول مقام مهمتكم في العراق، وتتحولون إلي مندوب سامي للوصاية الأمريكية علي العراق مثلما كان البريطانيان (آرنولد ويلسون عام 1918) ومن بعده لفترة قصيرة برسي كوكس عام 1920 (قبل تسليمه الحكم لأبناء العراق، لأن ذلك سيعقد العلاقات الأمريكية العراقية، ويعرقل تحولها كما نريد إلي علاقة صداقة استراتيجية، تكون أنموذجاً لعهد جديد في علاقات الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.
ثانياً: لا نشك في إنكم لا تغفلون دور الحلقات الرئيسة من تاريخ العراق وحضارته، وتأثيرها علي مواطنيه والإنسانية جمعاء، حتي وإن كانت مسؤولياتكم الإدارية في شؤون (الإرهاب) بعيدة عن دراسة الشعب العراقي وملف السياسي. وإذا لم تتح لكم في السابق فرصة زيارة المتحف العراقي للإطلاع علي الدلائل المادية لذلك التاريخ الذي يمثل فجر الانسانية، فإن حوادث نهب الآثار العراقية التي حصلت في الساعات الأخيرة لعملياتكم العسكرية، لا بدّ وأن تكون قد وضعتكم في دائرة الاهتمام ومنحتكم فرصة الانتباه والتفكر بحقائق تتجاوز حالة الخضوع لآراء قارئي التاريخ السياسي لمنطقة الشرق الأوسط أصحاب الأغراض السيئة من بين الأمريكيين أو المستشرقين أو المغتربين ضعيفي الجذور، أو نصائح أصحاب الأجندات الضيقة التي لن تجد لها طريقاً في الواقع العراقي، مثل الاستدلال بتجارب اليابان وألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية وغيرها، في محاولة عقيمة لتعميمها قسراً علي الحالة العراقية. ويمكنكم الاستماع إلي نبض الشارع العراقي وآراء مثقفيه وسياسييه عبر استخدام وسائلكم وأدواتكم الديمقراطية في اللقاء المباشر مع عينات من شباب العراق، أو عبر قياسات الرأي العام التي يمكن أن تجريها وسائل الإعلام الأمريكية (واشنطن بوست أو C.N.N) وغيرهما، ومسؤوليتكم هذه تأتي من كونكم تمثلون شعباً يفتخر بكونه مبشراً عالمياً للحرية والديمقراطية هو الشعب الأمريكي.
ثالثاً: الرسالة الأمريكية في حربها علي الإرهاب دفاعاً عن أمنها القومي، ولتخليص المجتمعات البشرية من آثاره المدمرة، تأخذ الآن حسب سياسة دولتكم مسار إزالة جميع الظروف المساعدة علي خلق بيئة نابتة ومنشطة للإرهاب بشكل خاص في بلدان العالم العربي والإسلامي. ولابد إنكم قد تعرفتم علي حقيقة جوهرية من حقائق الشعب العراقي السياسية والاجتماعية، وهي إن بيئته لم تساعد علي نشوء الإرهاب في السابق، كونه مجتمعاً رافضاً للتطرف بكل أنواعه، ومن بينه التطرف الديني. ونحن ندعم ونعاون هذه السياسة التي تتطلب القوة والحسم تجاه أية بوادر لانباته في العراق. ونتمني ألاّ تساعد ظروف غياب الدولة المركزية ومؤسساتها الأمنية، وقراركم في محاربة (البعثيين) وملاحقتهم علي الهوية، علي صرف الأنظار عن تصاعد التيار المتطرف واستيقاظ خلاياه النائمة في دول مجاورة للعراق دخلت بلدنا في ظروف الفوضي تحت شعارات دينية زائفة وسياسية معادية لدولتكم، وبدعم مادي ومعنوي من الخارج.
سقوط شرعية نظام صدام
ثالثاً: يبدو أن قراركم كحاكم للبلاد بحل حزب (البعث)، جاء كإجراء أمني له أهداف متعددة تتجاوز إعطاء الانطباع بسقوط شرعية الحكومة العراقية السابقة التي قد تحددت سابقاً وفق مرجعية (مجلس قيادة الثورة) وليس حزب البعث المنهار بسقوط النظام فعلياً في التاسع من ابريل. وهذا القرار يأتي ضمن سياسة (تفكيك البعث) التي انطلقت من دوائر التيار اليميني المتطرف في البنتاغون الأمريكي لدوافع معروفة لا تتعلق بنظام صدام حسين، وسبق أن روج لهذا الشعار من قبل بعض رموز المعارضة العراقية المتعاونين مع تلك الدوائر، ولكن بشفافية مقصودة في حينها، كما تحمست له بعض قوي التيار الإسلامي العراقي، وخاصة الشيعي التي تتقاطع أديولوجيتها مع الآديولوجية العلمانية والقومية التي سبق وأن حرمّت مرجعايتها الدينية التعامل مع (الشيوعيين والبعثيين) علي الرغم من تحالفاتها الحالية مع قيادة الحركة القومية الكردية ومع الحزب الشيوعي، كما إن حزباً مهماً (كالحزب الوطني الديمقراطي الكردستاني) بزعامة جلال الطالباني ولد تنظيمه في دمشق (البعثية)التي إحتضنت فعاليات المجلس الإسلامي الأعلي وتنظيمات إسلامية اخري. وهناك حقيقة معروفة هي أن صدام حسين كان قد وجه نيران حربه علي مناضلي حزب البعث قبل الأحزاب الأخري، وقتل من قياداته وكوادره المئات وزج بالألوف في السجون، وأقعد الغالبية في البيوت تحت شعارات مختلفة مثل (المتخاذلين أو المرتدين أو المتآمرين). ومن دون الدخول في تفصيلات دوافع هذه السياسة المستعجلة التي تنفذونها حالياً، فلو افترضنا ان هناك مليون بعثي في العراق وخلفهم عوائلهم، أو علي نظرية الرئيس المخلوع (صدام حسين) (كل العراقيين بعثيون علي طريقتهم) وفي ظل غياب دولة القانون وغياب الديمقراطية، فإن مثل هذا القرار يصبح سنداً لحالة احتراب داخلي وميداناً لعمليات ثأرية، وحالة عنف جماعي قد تتطور إلي مخاطر حرب أهلية. نحن ندين ممارسات نظام صدام حسين بحق شعب العراق، والمقابر الجماعية شاهد علي إنتهاكاته الصارخة لحقوق الانسان التي يجب أن تخضع لحماية ورعاية من التلاعب والتخريب لحين قيام جهات تقصي من منظمات دولية معنية بحقوق الانسان، وإحالة مرتكبيها للمحاكم في العراق. ويجب ألاّ نتردد في الدعوة إلي محاسبة جميع من مارس جرائم بحق مواطنين عراقيين وفق محاكم عراقية، ومقابل ذلك يجب علي جميع البعثيين الذين ظلوا تحت سيطرة نظام صدام حسين حتي نهايته رغماً عنهم، ولم يتمكنوا من مواجهته خوفاً من أن يصبح مصيرهم كمصير تلك الهياكل العظمية وشواهد في التراب، وقد كنا محظوظين في الإفلات من قبضته بالهروب أو عدم العودة من الخارج، علي أولئك أن يقدموا اعتذارهم لجميع ذوي الضحايا، وللشعب العراقي عن تلك الممارسات.
رابعاً: أتمني أن تستمع جيداً إلي جميع زملائي وإخوتي العراقيين، وتحكم بما تمليه عليه قيمك الأمريكية في الحرية والديمقراطية والعدالة، وأن توازن ما بين ما تسمعه من آراء واجتهادات عراقية يعبّر عنها الأخوة ممثلو القوي والحركات السياسية العراقية التي تشكل بمجملها حتي وإن إختلفنا مع بعض دوافعها وأهدافها، رؤية عراقية في ظرفها، وما بين حماية مصالح دولتك. وأن تتخذ قرارات جريئة تتعرف علي أصدائها بين أبناء الشعب العراقي الذين يظلون وحدهم قياس حقيقة الحاضر والمستقبل. كما أرجو ألاّ أن تنخدع بمظاهر تتحدث عن ممارسات لتجمعات محلية مجالسية كونها (ديمقراطية)، فمثل تلك الممارسات تدخل في أية خانة لمواجهة الظروف الأمنية الحالية ما عدا خانة الديمقراطية، فلا (ديمقراطية في ظل الاحتلال) والحل الجوهر هو عدم التأخير في قيام حكومة عراقية مؤقتة.
وأخيراً أتمني أن تكون فترة احتلالكم قصيرة، ليعود للعراق استقلاله وحريته وسيادته بحكم أهله، القادرين والمؤهلين علي صناعة ديمقراطيتهم واقتصادهم وتنميتهم بمعونتكم ودعمكم، وأن يأتي اليوم القريب الذي تزورون فيه العراق كضيوف مرحب بهم، وليسوا كمحتلين.