سادت الخطاب السياسي العربي، لسنوات طوال، وبخاصة بين "ثوريي المرحلة" كما يحبون أن يصنفوا أنفسهم، مقولة مفادها أن المملكة العربية السعودية تتحرك ضمن هامش ترسمه واشنطن، وتُستدعى عند الحاجة لتنفيذ سياسات كبرى لا تملك حيالها خيار الرفض. هذه السردية، التي راجت في بعض الأوساط وبِيعَت على جمهور واسع بلا تمحيص، سادت أيام الحرب العربية الباردة. تم نفي الفكرة من باحث أميركي متخصص هو غريغوري جوس عندما أصدر كتاباً عام 2011 بالإنكليزية بعنوان "القوة والشرعية في المملكة العربية السعودية". نفى ذلك الكتاب تلك المقولة، واعتمد في نفيه على أنها أغفلت حقيقة جوهرية في السياسة الدولية: المصالح ليست ثابتة، والتحالفات ليست عقود إذعان، والدول التي تُحسن إدارة نفسها تعرف متى تقول "نعم" ومتى تقول "لا" في القضايا الدولية. من هذا المنظور يمكن فهم الموقف السعودي من القضايا المركزية في العالم وفي الشرق الأوسط، ومثال على ذلك فإن الدعوات الأميركية المتكررة إلى شن حرب على إيران، وخصوصاً في ذروة الاضطرابات الداخلية التي يشهدها المجتمع الإيراني أخيراً، وقفت السعودية موقفاً ليس سياسياً فحسب، بل أخلاقي في معارضة الفكرة. لو كانت السعودية تتحرك بوصفها تابعاً، كما ادّعى مروّجو تلك الفكرة، وقد تبناها بعض المنصات التابعة لإيران، لكان من المنطقي أن تنخرط في مناخ التصعيد، أو أن تتعامل مع الأزمة الإيرانية باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة رسم التوازنات بالقوة، بحيث لم تقصر إيران لسنوات طوال في زعزعة الأمن الإقليمي، تحت شعارات فضفاضة مثل "تصدير الثورة ونصرة المستضعفين". غير أن ما حدث كان عكس ذلك تماماً؛ فقد اختارت الرياض رفض الحرب، لا بدافع التعاطف مع النظام الإيراني، بل انطلاقاً من حسابات الدولة، ومن إدراك عميق لتكلفة الصراعات المفتوحة على الإقليم بأكمله. في هذا السياق، يقدّم الكتاب الذي سبق ذكره، الصادر عن مطبعة كامبريدج، وقد ترجم لاحقاً إلى العربية، إطاراً تفسيرياً مهماً، إذ إن الكاتب ينفي القراءة التبسيطية للدولة السعودية. فالكتاب لا ينفي قوة العلاقة الأميركية – السعودية الوثيقة، لكنه يفكك الأسطورة التي صوّرت السعودية دولة منزوعة الإرادة. العلاقة بين الرياض وواشنطن، كما كتب جوس، كانت دائماً علاقة مصالح متبادلة، وتفاوض دائم، وتكيّف مع التحولات الدولية، وعندما تتعرض المصالح العربية للخطر تأخذ السعودية موقفاً معارضاً، كما حدث في حرب 1973 (حرب قطع النفط) فعلاقة القطبين ليست أوامر وتنفيذ، بل تفاهم وتفاوض. هذا الفهم يفسّر لماذا لا ترى السعودية نفسها ملزمة الانسجام التلقائي مع أي خيار عسكري ضد إيران، حين ترى أن نتائجه ستكون كارثية. رفض الحرب على إيران يعكس إدراكاً سعودياً لتبدّل موازين القوة، ولطبيعة المرحلة الدولية. فالعالم لم يعد يُدار بمنطق القطبية الواحدة، والاندفاع العسكري لم يعد أداة ناجعة لتحقيق الاستقرار. التجارب القريبة في المنطقة أظهرت أن إسقاط الدول أسهل بكثير من إعادة بنائها، وأن الفوضى حين تبدأ لا تعترف بالحدود. من هنا، جاء الموقف السعودي مقروناً بموقف خليجي، بوصفه قراراً سيادياً يحاول تحييد المنطقة عن صدام جديد يمكن أن يدفع الخليج ثمنه. لكن هذا الموقف لم يكن سياسياً صرفاً؛ فقد حمل بعداً أخلاقياً واضحاً، يندر حضوره في لحظات التوتر القصوى. السعودية لم تراهن على انهيار الداخل الإيراني، ولم تستخدم احتجاجات الشارع أداة ضغط أو ورقة تفاوض، فاعتبرت أن ذلك شأن داخلي يقرره الشعب الإيراني. واختارت أن تفصل بين الخلاف مع النظام، وبين معاناة المجتمع، وحقه في التعبير عن تلك المعاناة، وهو تمييز دقيق، يعكس فهماً متقدماً لمسؤولية الدولة في محيطها الإقليمي. فالدول التي تحترم نفسها لا تبني استراتيجياتها على آلام الآخرين، ولا تعتبر الفوضى مدخلاً لتحقيق المكاسب. بهذا المعنى، منحت السعودية النظام الإيراني فرصة سياسية وأخلاقية في آن واحد. فرصة لإعادة التفكير في العلاقة مع الجوار التي أربكها النظام الإيراني لمدة طويلة، ولإدراك أن رفض الحرب لا يعني قبول سلوكيات السياسات الإيرانية القائمة في الجوار، ولا غضّ الطرف عن التدخل في الشؤون العربية. بل هو رسالة تقول، إن باب التحول إلى الدولة لا يزال مفتوحاً، وهجر أفكار الثورة التي لم تأت على إيران إلا بالخراب. على مستوى أمن الخليج، كان لهذا الخيار أثر ملموس. فقد ساهم في خفض منسوب التوتر، وأبعد الاستقطاب الداخلي، وحال دون تحويل الممرات البحرية وأسواق الطاقة إلى ساحات مواجهة. يبقى السؤال موجّهاً إلى طهران، هل تلتقط هذه الإشارة؟ فالأخلاق السياسية التي حكمت الموقف السعودي لا تعني التساهل مع سياسات التمدد أو استخدام الوكلاء لزعزعة الأمن وتعطيل التنمية. هي أخلاق منضبطة، ترى أن البراغماتية حين تنفصل عن القيم تتحول إلى براغماتية هدّامة، وتُراكم الأزمات بدل حلّها. التجربة أثبتت أن التدخل في شؤون الدول العربية لم ينتج نفوذاً مستقراً لإيران، أو مكاسب سياسية، بل نزاعات مفتوحة واستنزافاً طويل الأمد للموارد الإيرانية قبل كل شيء، بدلاً من استخدامها في التنمية الداخلية، حيث المجتمع الإيراني أشد حاجة إليها. الموقف السعودي من إيران يبيّن أن الرياض تتحرك وفق منطق الدولة الحديثة: توازن بين المصالح، ووعي بالتكلفة، وحدود أخلاقية لما يمكن فعله حتى في ذروة الخلاف. وقدّمت بذلك فرصة حقيقية لإعادة ضبط السلوك الإقليمي. السؤال ليس لماذا عارضت السعودية الحرب، بل ما إذا كان الطرف الآخر، أي إيران، قادراً على فهم هذه الرسالة، وتغيير سياساته في المنطقة. الخطأ الأكبر الذي يمكن أن يقع فيه النظام الإيراني أن يفسر "فترة التأني" على أنها انتصار للسردية الإيرانية، كما يروج البعض، وبالتالي تستمر في المسار نفسه، وهنا الكارثة!
- آخر تحديث :
















التعليقات