علي عيسى
&
للبدع والخرافات تاريخ حافل طويل متجذر في عقول المؤمنين على اختلاف عقائدهم ودياناتهم التي استدلوا عليها، وعلى صحتها وصدق بيانها بالقلب أولاً ثم بالعقل بعد ذلك لترشيد هذا الإيمان وتثبيته ودعم حججه ومنطقه. والبدع والخرافات ليست أبدا من الأديان التي حضّت على عمل الخير والمعروف ونهت عن الباطل والمنكر، وكانت تعاليمها ومبادئها لخير البشرية والإنسانية وتحسين المستوى الفكري والأخلاقي للناس والمجتمع. ومن المؤسف أن من ينشر هذه البدع والخرافات هم ( المؤمنون ) أتباع الديانات أنفسهم لسبب أو لآخر، والمسلمون من جملة هؤلاء المؤمنين الذين نشروا وانتشرت الخرافات بين أوساطهم، فدوّنوها في أدبياتهم ومؤلفاتهم وآمنوا واقتنعوا بها فأصبحت جزءاً لا يتجزأ من التراث والمعرفة والثقافة، بعد أن ابتدعوا لها الكثير من الشواهد والأدلة والبراهين لتصبح حقيقة ثابتة لا منازع لها في عقول الناس وقناعاتهم، والأخطر من ذلك أن من روّجها ونشرها وبرهن على صحتها هم علماء الأمة وفقهائها، لا بل قادة الفكر الديني آنذاك. ومن هذه الخرافات التي كانت سائدة ومتداولة حتى وقت قريب جداً لولا أن دحضها العلم أن الأرض محمولة على قرن ثور إذا تعب هذا القرن نقل إلى القرن الثاني كما جاء في كتاب ( قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس )1، والذي ما زال متداولا بكثرة حتى يومنا هذا، ولكن بعد حذف الكثير من صفحاته التي لم تعد تتناسب مع علوم هذا العصر، وقصة خلق الأرض هذه مذكورة أيضا في كثير من كتب التاريخ الهامة القديمة مثل ( مروج الذهب للمسعودي ) و(تاريخ الطبري ) و... الخ. يقول كتاب قصص الأنبياء في خلق الأرض ما يلي : (( أن ملكاً أدخله الله تحت الأرضين السبع وبسط يديه لتكون إحداهما في المشرق والأخرى في المغرب فيحمل الأرض عليهما لكن لم يكن لقدميه موضع قرار، فأهبط الله من أعلى الفردوس ثورا له سبعون ألف قرن، وأربعون ألف قائمة، جعل قدمي الملك على سنامه، فلم تستقر قدماه فأحدر ياقوتة خضراء من أعلى درجات الفردوس غلظها مسيرة خمسمائة عام فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدما الملك الذي يحمل الأرض على راحتيه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض كالحسكة تحت العرش ومنخر ذلك الثور في البحر فهو يتنفس كل يوم نفساً واحداً، فإذا تنفس مدَّ البحر، وإذا أراد نفسه جزر& ولم يكن لقوائم الثور موضع قرار فخلق الله تعالى صخرة خضراء غلظها كغلظ سبع سموات وسبع أرضين فاستقرت قوائم الثور عليها، ولم يكن للصخرة مستقر فخلق الله تعالى ( نونا) وهو الحوت العظيم اسمه ( لوتيا ) وكنيته ( بهلوت ) لقبه ( بهموت ) فوضع الصخرة على ظهره وسائر جسده خالٍ، والحوت في البحر، والبحر على متن الريح، والريح على القدرة، ولكن إبليس تغلغل إلى الحوت فوسوس إليه أن يلقى ما على ظهره فذلك أريح له، فهمَّ الحوت ( لوتيا) أن يفعل ذلك فبعث الله إليه دابة دخلت منخره ووصلت إلى دماغه فعج الحوت إلى الله تعالى فأخرجها من منخره، وإنه ينظر إليها وتنظر إليه، فإن همَّ بشيْ من ذلك عادت كما كانت، وهذا الحوت هو الذي أقسم الله تعالى به فقال : " ن والقلم وما يسطرون " )) ولو علمنا وكل الناس تعلم أن الكون يحتوي على مليارات لا متناهية من الكواكب والنجوم، فهل خلق الله سبحانه وتعالى لكل كوكب أو نجم ثورا وحوتا يحمله ودابة تحميه من نوايا الحوت أم أنه خصَّ الأرض فقط بهذه النعمة والمعجزة ؟ كما أن الكتاب ذاته روى عن الصحابي الفقيه الجليل عبد الله بن عمر عن الرسول (ص ) ما يلي : (( وروى عبد الله بن عمر عن رسول الله ( ص ) أنه قال : بين كل أرض إلى التي تليها مسيرة خمسمائة عام وهي سبعة أطباق، الأرض الأولى هذه فيها سكانها، والأرض الثانية مسكن الريح ومنها يخرج الرياح المختلفة كما قال تعالى وفي الأرض الثالثة خلق وجوههم مثل وجوه بني آدم وأفواههم مثل أفواه الكلاب وأيديهم مثل أيدي الأنس وأرجلهم كأرجل البقر وآذانهم كآذان المعز وأشعارهم كأصواف الضأن لا يعصون الله طرفة عين ليس لهم أثواب، ليلنا نهارهم، ونهارهم ليلنا، والأرض الرابعة فيها حجارة للكبريت التي أعدها الله لأهل النار تستقر بها جهنم، والأرض الخامسة فيها عقارب أهل النار كأمثال البغال لها أذناب الأبقار ))2. لقد كانت هذه (المقولات العلمية ) لوقت قريب جداً كما ذكرنا حقائق ثابتة مؤكدة في أذهان الناس لم يتجرأ أحد على معارضتها أو نقضها، وإلا اعتبر خارجا عن الملة مكذبا لعلوم أهلها، ومما يؤسف له أن مكتشفو هذه ( الحقائق العلمية ) استعانوا بأحاديث نحلوها واختلقوها عن النبي ( ص ) ونسبوها إليه، تماما مثلما وضعوا الأحاديث التي تغفر ذنوب الخلفاء أو تتنبأ بمجيئهم وتثبت شرعيتهم أمويين كانوا أم عباسيين. ومما لا شك فيه أن هذه الخرافات والبدع ( العلمية ) لها ما يماثلها في العقائد والأديان الأخرى، وربما نجد حتى وقتنا الحاضر أناسا ما زالوا مقتنعين بها، أو أنهم يجدون صعوبة بالغة في تكذيبها، لأنهم ما زالوا يعيشون في كهوف وأنفاق عميقة بعيدة كل البعد عن عصرهم الذي لا يستطيعون الاندماج فيه، ينهلون من صفحات كتبهم القديمة، بينما العالم يتحرك ويتبدل ويتطور من حولهم دون أن يدروا، كما صرح سابقا أحد كبار العلماء المشهورين ( متولي شعراوي ) في مقابلة تلفزيونية مفاخرا أنه لم يقرأ منذ أربعين عاما كتابا آخر غير القرآن الكريم، كما لا زلنا نسمع حتى أيامنا هذه بخرافات تطلقها بعض الجماعات من أن القيامة ستقوم هذه السنة أو السنة التي تليها، أو أن كائنات من كوكب آخر غزت الأرض واستنسخت البشر الموجودين عليها حالياً، أو كذا... أو كذا... إلى آخر ما هنالك من هرطقات وبدع وخرافات وردت في كتب وأدبيات أولئك أو هؤلاء. ومن هذه البدع التي تهمنا كعرب مسلمين ما جاء في كتاب من أهم كتب الحديث قاطبة ( صحيح البخاري ) في حديث منسوب إلى النبي ( ص ) من أن (( الشمس حين تغرب تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، وتوشك أن تسجد فلا يُقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يُقال لها ارجعي من حيث جئتِ، فتطلع من مغربها ))3 أو كما ادّعوا أن الرسول ( ص ) قد قال : (( إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه، ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء )) 4 فهل يمكن لعاقل أن يصدق أن النبي ( ص ) الذي حض على النظافة ولم يتساهل بها، والعناية بالروح والجسد والصحة يمكن أن يقول مثل هذا الكلام ؟ إن الكثير، الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى النبي ( ص ) يجب مراجعتها وتمحيصها وتدقيقها وحذف ما لا يصح منها لدرء خطرها، فقد وُضعت في زمن كثر فيه النحل والوضع دون حسيب أو رقيب، بأمر أو محاباة لهذا أو ذاك، لإثبات رأي أو ادعاء أو شرعية بحيث أصبحت تشكل عبئاً على تاريخنا وإهانة لأدبياتنا وثقافتنا وخطرا على تقدمنا واستهزاءً بعقولنا، وبكل أسف ما زلنا نرى ونسمع عن الكثيرين من هؤلاء المتزمتين الذين لا يقبلون ولا يصدقون شيئاً لا يجدون له سندا في كتب السلف، هؤلاء الذين يقفون سدا منيعا في وجه تقدم هذه الأمة وازدهارها، كالذين لا يصدقون حتى الآن أن الإنسان قد وطئت قدماه منذ أربعين عاما وجه القمر، لا بل أن بعضهم يعتبر حديثا كهذا كفرا وزندقة، ولعلهم يظنونها من المؤامرات الأبدية المستمرة من الغرب على العرب والمسلمين. إن هؤلاء الذين يُرجعون جميع الظواهر الطبيعية والاجتماعية إلى المبدأ الأول ( الله )، ويقومون بإحلاله في الواقع الحسي المباشر، فينفون بالتالي الإنسان ويعطلون دوره، كما يلغون القوانين الطبيعة والاجتماعية بحجة أن الله يفعل ما يشاء ( ما رميت إذ رميت، ولكن الله رمى )، وقياساً على هذا القانون فإن كل ما يفعله الإنسان من شرور وظلم وقتل لا يد للإنسان فيه وإنما كُتب له ذلك، أي لا وجود لقانون يحكم البشر والطبيعة، ونتيجة لهذا التصور والفهم المغلوط للأشياء، ولعدم قدرتهم على التفكير والاستنباط فقد أغلقوا باب الاجتهاد، واكتفوا بعلوم وفتاوى عصر أكل الدهر عليه وشرب. إن الجهل قد أعمى عيوننا وعقولنا من أن ما هو حقيقة مؤكدة في مجتمع ما، قد يكون خيالاً جامحاً في مجتمع آخر بسبب ثقافة وتراث وظروف هذا المجتمع أو ذلك البلد ( الشمس تشرق وتغرب يوميا في صحرائنا العربية، لكنها ليست كذلك في بعض أيام السنة في السويد وفنلندا ). إن الخرافة التي تصبح جزءاً من القناعات والثقافة، فتحارب وتنفي كل الثقافات الأخرى بما فيها العلوم التي تتناقض مع تلك البدع التي لا يمكن لها أبداً إلا أن تكون عائقا لتطور المجتمع وتقدمه، وتبقيه في حالة من الخمول العقلي والكسل الذهني والغيبية والوهم والتخلف، كما حصل للعالم الكبير ( كوبرنيك ) الذي أثبت أن الأرض تدور مما لم يرق للكنيسة في روما آنذاك فاتهمته بالكفر&الذين ترسخت في عقولهم هذه الخرافات فتعصبوا لها، كما حدث أيضا لكثير من علماء المسلمين الذين سُجنوا وعُذبوا وقُتلوا ومُثّل بأجسادهم بطرق قذرة بشعة، دون أن ننسى أن بعضا ممن وُصفوا بكبار علماء الدين الإسلامي، ظلوا إلى وقت قريب لولا أن توفّاهم الله يكفرون كل من كان يقول أن الأرض كروية لأنها في( علومهم) مسطحة كعقولهم. إن الجهل والخرافة وجهان لعملة واحدة ما زالت متداولة في أسواقنا العربية الإسلامية، فالأول ينتج الثانية وشرط لوجودها واستمرارها، وبينما يقيم العالم المتمدن آلافا من مراكز الأبحاث والمختبرات المتخصصة بالمشاكل والظواهر الطبيعية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لدراستها وفهمها وإيجاد الحلول الملائمة لها، نغوص نحن في جوف الكتب السلفية القديمة نبحث في خباياها عن حادثة رواها( فلان) أو قصة ذكرها( علان ) نقيسها أو نشابهها لتفسير هذه الظاهرة أو تلك مستخدمين الوسائل نفسها التي اتبعوها، ومطبقين الأحكام ذاتها التي طبقوها، دون أن ندرك أن مئات كثيرة من السنين تفصل بيننا وبينهم، وإننا في زمن غير زمانهم، وعصر غير عصرهم، وأناس غير أناسهم.
&&
&&&&&&&&&&&&&&&&&
1-&قصص الأنبياء المسمى عرائس المجالس تأليف العالم العلامة الإمام أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري المعروف بالثعلبي الطبعة الأخيرة مكتبة ومطبعة المشهد الحسيني 18 شارع المشهد الحسيني ج.ع.م- صندوق بريد 137 الغورية القاهرة- قام بتصحيحه وتنقيحه: عبد الرؤوف محمد سالم المدرس بمعهد القراءات بالأزهر الشريف + حسن عبد الحميد الشيخ ليسانس كلية اللغة العربية جامعة الأزهر
ص 5&&
2-&المصدر السابق ص 7
3-&صحيح البخاري تقديم فضيلة الشيخ أحمد محمد شاكر دار الجيل بيروت المجلد
الثاني الجزء الرابع ص 131 + المجلد الثالث - الجزء التاسع ص 153&
4-&المصدر السابق المجلد الثاني - الجزء الرابع ص 158
ص 5&&
2-&المصدر السابق ص 7
3-&صحيح البخاري تقديم فضيلة الشيخ أحمد محمد شاكر دار الجيل بيروت المجلد
الثاني الجزء الرابع ص 131 + المجلد الثالث - الجزء التاسع ص 153&
4-&المصدر السابق المجلد الثاني - الجزء الرابع ص 158
&
&















التعليقات