&
هل يمكن الاكتفاء بالقول إلى أن مفهوم "الهوية" في بنيته المعرفية، يقوم على مدى الارتباط العميق بالتاريخ، وهل هو دائماً نتاج للثقافة والعقيدة الفكرية والسياسة. وفي حال الاستمراء في إطلاق الأسئلة، يكون الفصل الاستفهامي حول "الهوية" في قيمتها "كأصل" أم "استراتيجياً". هل هي مجرد بنية لا حضور لها، أم تشكل رؤيوي يقوم على التفاعل والتأثر والتأثير.
وإذا كان الحضور الأشد تأثيراً، يتبدى من خلال التحديات التي تفرضها ظاهرة "العولمة" فإن ثمة ارتباطا صميميا بين هذه الظاهرة ومفهوم "الهوية". حيث الدافعية العالية والموجهات المستثارة نحو تثبيت آليات الاشتغال نحو ما هو "ثقافي"، والذي يؤسس لإبراز مواطن الاختلاف في الحضور المعرفي، باعتبار نبذ الجاهزية والتطلع نحو زحزحة اليقينيات والخوض في غمار الحفر المعرفي للتحليلات والاستنتاجات، بل أن الأمر يطال حتى القناعات.
ها هي ذي "العولمة" تزحف بكل ثقلها لفرض ملامحها وقسماتها على العالم. فيما يدور الجدل العلني حولها، وتثار المواقف إزاءها بين التأييد والرفض. وفقاً لاعتبارات شديدة التعلق بالذاتية وطبيعة المضامين المعرفية التي يتم النظر إليها من خلالها. فالمؤيدون لا يتوانون عن وضعها بالمرحلة التاريخية التي لا يمكن التغاضي عنها أو تجاوزها. فيما يشيح الرافضون لها وجوههم عنها واسمينها بالوسيلة الجديدة التي يسعى فيها الغرب لتوكيد مركزيته وإزاحة الآخر وسحب جميع وسائل المبادرة من يديه.
درس العولمة الذي يتصدى له المؤرخ سيار كوكب الجميل (1)، يقوم على منطلقات رؤيوية ذات صرامة منهجية لا حياد عنها. إذ يتبدى وبوضوح لا يرقى إليه الشك الحضور المعرفي لعنصري: "الاجتماعي - التاريخي" في سبر غور الدلالات والمعاني التي تزخر بها ظاهرة "العولمة". وباعتبار أهمية الأدوات المنهجية، ذات التأسيس الواعي يكون واضح الاتجاه في خلخلة اليقينيات والجاهز من البديهيات. يحفزه في ذلك القدرة على الإمساك بتلابيب فعالية "التأويل" التي تمكن الباحث من تحديد معالم الخصوصية في الظاهرة، وبالتالي إفساح المجال نحو طرح الفكرة في نموذج قابل للفهم والشرح. والأمر برمته لا يخضع لاستنطاقات التعالي المنهجي، بقدر ما يتوجه وبحضور معرفي نحو الإمساك بعنصري؛ "الفاعل الاجتماعي، والتحولات السياسية" في دراسة الظاهرة التاريخية، حيث التجلي لمقاليد منهج " السويسو - تاريخي"، الباحث في مضامين التجربة التي يخوض في لجتها المجتمع الإنساني.
من هنا يكون "رهان المعنى" هو الأصل، فيما تنزوي الأسبقيات والمابعد جانباً. فالمسألة تقوم على بحث في العلاقات التاريخية، لا على انشغال مباشر بالسرد الحدثي المباشر. وهكذا يكون دور "المُؤَوِلِ" في عملية التفكيك حيث الإقصاء لأي تعميم. وبما أن الانشغال الرئيس يتطلع نحو إنتاج المعنى، فإن المقارنة تتخذ حضوراً فاعلاً في توطيد ملامح الاختلاف والقطائع المعرفية مع التجارب التاريخية الأخرى. من حيث؛ "السياقات، الرهانات، الممارسات، الرؤية". مع أهمية الخوض في منظومة "التنافس" المحددة لمعالم الشكل والمضمون في السياقات الثقافية والحضارية لكل تجربة تاريخية.
وما تحمله التجربة التاريخية من سياقات وأنساق، يمكن أن تتيح للباحث المدقق الانتقال من التعميم إلى التخصيص. هذا على اعتبار، أن كل تجربة تاريخية عامة، تحمل بين ثناياها تجارب مختلفة. ومن هنا بالذات تبرز ملامح الوحدة والتعدد والاختلاف والمطابقة في التجربة قيد الدرس والفحص. وباعتبار التنوع، فإن العوامل الدينية والاجتماعية والسياسية لا بد أن تتمظهر أدوارها في أكثر من حقل واتجاه لا سيما في مجال تداخل الأنساق الذي يبلوره، الخصوصي والعمومي. فالأمر ليس منوطاً فقط بالتأويل الباحث في أو آليات الاتصال والتكيف والاستقبال واحتمالات المستقبل، بل يكون للوصف حضور فاعل في تحديد قسمات المنجزات والتحولات وأشكال التفكير لا سيما في مجال نطاق "الذات والآخر". فيما يكون للعامل الاجتماعي أثره في تحديد معالم الاندماج والنمو حيث الفاعلية الأهم والأكثر حضوراً، تتجلى في الدور الذي يلعبه عموم الأفراد وليس النخبة. فآلية الاشتغال التي يعمل عليها "سيار الجميل" في تحديد قسمات ظاهرة العولمة، إنما تقوم استراتيجية الصراع فيها، بين ممارسات التفكير وأنماطه، وحالة التكيف مع الثقافة والتاريخ من جانب آخر.
يبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الدكتور الجميل حول ظاهرة العولمة، كامناً في تلك الثنائية القائمة بين "ما تحمله العولمة، الشر كله، أم الخير العميم؟!". وعبر الاخضاعات المنهجية الصارمة، يكون التطلع نحو منهج التفكيك حيث العمل على فرز البنى الكبرى القائمة في الظاهرة، والغور في تفصّص الأنساق الكامنة فيها. من خلال تقصّي الملامح والسمات والبحث في العلاقات، حيث العناية بالمعطيات الرمزية، والالتفات إلى أهمية العامل الزمني الذي يمثل عملية البقاء والاستمرار. وإذا كانت العولمة قد استثارت مكنونات مفهوم الهوية بالنسبة إلى العالم المعاصر في تداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن العرب والمسلمين في القرن الحادي والعشرين يجدون أنفسهم في لجّة السؤال الأهم حول تداخل المفاهيم والأنساق والدلالات في وضع التوصيفات المحددة لمفاهيم مثل: الهوية، الذاتية، الخصوصية. ولعل الخلل في استراتيجية التفكير!! يكمن في هذا التداخل الفج، باعتبار حالة المطابقة المفضية إلى إبراز وتوكيد "الهوية الذاتية" حيث سيادة القيم الرمزية المستندة إلى الإبقاء على ذات المفاهيم في قوالب متغايرة. ومن هنا تحديداً يكون الإسقاط لعامل "الزمن".
من تحليل الوقائع إلى التفسير التاريخي
التبصّر التاريخاني في أشد ملامحه حضوراً لدى المؤرخ "سيار الجميل" يقوم على فكرة وجود الإنسان في حقل الاختلاف والتنوّع، حيث يكون الحضور الأمضى للذاتية في تمييز الفرد الإنساني عن باقي نوعه. إلا أن هذا الأمر لا يعني إلغاء حالة التشّكل الجمعي والذي يكون حضوره وفاعليته في الاتجاه الاجتماعي.
وعلى اعتبار أن قوة التاريخ ومحصلته تكمن في تفاعل القوى الخارجية المتمثلة بالطبيعة، والقوى الداخلية الماثلة في روح الشعب، فإن الثمار لا بد أن تتبلور في تأثير المعطيات الجغرافية والمناخية على القوى الداخلية الممثلة لروح الشعب. حيث الإبراز الأهم لحالة التكّيف والتغيّر. وباعتبار تفاعل العامل الذاتي فإن "النسبية" في التاريخ تتخذ مكانتها وتأثيرها، إزاء إقصاء للتصورات المطلقة، حيث الغاية متجهة نحو بلوغ المعنى. هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أهمية الوقوف عند القوة الداخلية لكل شعب والتوقف مليّاً عند العصر التاريخي. وهكذا يكون تفكيك المعاني إزاء ظاهرة العولمة، حيث الزحف القادم بقوة عبر تجليات ومظاهر بارزة المعالم شديدة الأثر والمتمثلة في اتفاقية الجهات والشركات العابرة للقوميات والإنترنت والقنوات الفضائية والشفافية. وعلى هذا يكون السؤال الأشد حضوراً حول "الهوية" ومصيرها، فهل هي تسير وسط هذه اللجة نحو الموت والأفول والنهاية. أم أن كل ما يحدث إزاءها ما هو إلاّ مستثير لاستجابتها.
وعبر تجليات الاستيعاب الدقيق لمضامين التاريخانية يكون تأكيد "سيار الجميل" على أن شروط التقدم التاريخي بالنسبة للعرب والمسلمين لا يتم إلاّ من خلال "إتاحة الفرص أمام الجميع للعمل وبشكل يقوم على الكفاءة لا على أي شيء آخر كما ولا بد من أن يتساوى الرجال والنساء في العمل والإنتاج" ص121. فالجوهر يكمن في ثنائية العقل والحرية لدى الإنسان، فالتقدم لا يمثل الأصل، بقدر أهمية ارتباط التقدم بالغاية والهدف وصولاً إلى بلوغ روح الشعب المفضية إلى تفسير التاريخ وليس إلى تفسير الطبيعة. ومن أجل بلوغ المعنى التاريخي لا بد من التوقف ملياً عند القوى الباطنية للعصر التاريخي، فالإنسان هو الفاعل الأهم في التاريخ وهو القيمة الكامنة في ذاته، حيث قيمته تبرز في وجوده مع الآخرين. وباستذكار مبّسط للنسبية فإن قيمة الإنسان تكمن في "القيمة في الواسطة" وليس في "القيمة المطلقة". فالوصول إلى المعنى التاريخي لا يتم من خلال سبرغور ظاهرة بعينها، بقدر ما يكون الأمر منوطاً بالوقوف عند حالة التعاقب للأدوار والعصور التي تشّكل حركة التاريخ. ومن أجل تكثيف آلية الاشتغال، كان من الواجب التوقف ملياً عند دراسة "الروح" الماثلة في العصر التاريخي، حيث البحث عن مكامن القوى الأصلية فيه. والتطلع نحو العناية بأهمية "الرموز" لكل أمة من الأمم أو لكل عصر من العصور. وبقدر الانشغال باللحظات التاريخية التي تجسّدها العصور، فإن حالة التفرد والخصوصية، لا يمكن أن تتوضح معالمها، من دون الوقوف عند مضمون "الروح" والذي يمثل القوة الداخلية لاستمرار الوجود.
عبر هذه التجليات التاريخانية، يخوض "سيار الجميل" في موضوعه العولمة ومدركاتها وآفاق ملامحها على واقع الحياة العربية والإسلامية، في تناسل معرفي من الأسئلة الدالّة الحضور، حيث التطلّع نحو استثارة المسكوت عنه وتحريك الساكن والراكد، إنه المفكّر فيه في أشد لحظاته توّقداً وحفزاً. والمعالجة الأوضح تتجلى في هذه الأسئلة الحافزة لمسألية "الوعي" بالظاهرة "ظاهرة العولمة" وحالة المقايسة التي تستدعيها مع الآخر. ولا يتوقف الأمر عند حدود المعالجة البنيوية في مجال الذهنية السائدة وأنماط التفكير الشائعة أو الاحتكام إلى المؤثرات الأيديولوجية والمعالجات العاطفية. بل أن قراءة "الوعي التاريخي" التي يدعو إليها "الجميل" تقوم على أهمية الاستنطاق الإبستمولوجي "المعرفي" لمواجهة العولمة "كظاهرة استراتيجية تاريخية تتمفصل وتتسرب مياهها في مسارب العالم كله" ص23. ومن هذا الاستنطاق الواعي لمدركاتها يكون التحديد على أن هذه الظاهرة ليست بالزحف الأيديولوجي قوامه التغيير المباشر لأحوال أو أوضاع بعينها، بقدر ما هي تسلل يستهدف الذهنيات وأنماط التفكير لكل الأنساق والأنظمة بما فيها الأهلي والرسمي، المجتمعي والدولاناتي، المؤسسي والفردي، الخاص والعام إنه الاستهداف الأوسع للتغلغل في مجال العقل الإنساني برمته من دون حواجز أو حدود. إنه العقل التفكيكي الرافض لمقولات المركز والمتجه نحو إعادة صياغة العالم في توليفة جديدة لا تؤمن بالحدود ولا التبعيات ولا الانتماءات(2) أو الهويات والثقافات.
وإزاء هذا كله تكون ملامح الإشفاق على واقع العرب والمسلمين حيث التبعية على أشدها، والاستنزاف في الطاقات والموارد، والتناحر السياسي والعقائدي، والخضوع للإرادات الفردية والامتثال للمضامين التقليدية، وحالة الترهل وعدم الانسجام في المفاصل العامة، بل أن العقم يصل مداه، حين تكشف الوقائع عن الخطر والارتباك في تحقيق الحد الأدنى من تجربة التحديث للنهوض بالواقع الاقتصادي والإداري والسياسي منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. فيما غدت مراكز التعليم والجامعات بمثابة المجال الذي يزيد العبء على واقع الدولة القومية العربية حيث أفواج العاطلين تتزايد، لتنبثق عنها العديد من المشكلات والعقد المريرة، التي باتت تنكيء هذا الجسد(3) المليء بالدمل والقروح.
الركائز البنائية للظاهرة
يؤكد "الجميل" على أهمية الفصل بين "العولمة" كعلم ذي مبتنى مفاهيمي ومعرفي، وكونها ظاهرة تحمل بين ثناياها الأدوات والوسائل. وانشغاله الأهم بالشق الثاني حيث الظاهرة، والتي يعمل في توصيفاتها انطلاقاً من ركائز بنائية ثلاث قوامها؛ "الواقع، التفكير، المصير"، ص53. هذا بالنسبة لمؤثراتها وتطبيقاتها في مجال عالم الجنوب حيث التركيز العربي والإسلامي. وباعتبار مشروعه المعرفي اللامع في "المجايلة التاريخية وفلسفة التكوين التاريخي"(4) بالنسبة للمعرفة العربية الإسلامية، يكون تساؤله المعرفي حول مصير الأجيال العربية والإسلامية الثلاثة القادمة في القرن الحادي والعشرين. لا سيما وأن الإرث الذي تحصلت عليه الأجيال الآنية، لا يوحي بالتفاؤل، بقدر ما يشي بالجنبات والنكسات والانكسارات، خصوصاً في مجال التحديث والموقف من الحداثة. لكن يبقى الجانب الأهم في كل هذا يقوم على أن العلاقة مع المستقبل غير قابلة للفكاك، ومهما كانت ظلامية المشهد وسكونيته آنياً، فإن المعطيات التي يتحصل عليها العرب والمسلمون تقوم على جملة من المعطيات البارزة يكون الأهم فيها، الإمكانات الإستراتيجية والتي تهيؤ لهم القدرة على بناء التكتلات الاقتصادية، والقسمات الحضارية والعقائدية حيث الإسلام الحامل لها كدين وثقافة وعقيدة، وتجارب التحديث والنهضة التي مرت بها هذه المجتمعات، والقدرة على الاستجابة للتحديات باعتبار الحضور الروحي والصيرورة التاريخية والتي تمثل نقطة الانطلاق الأشد وثوقاً في مواجهة زحف التحديات. ص83.
تنطوي الدعوة التي يتبّناها "الجميل" على جملة من الخصائص الرؤيوية المستندة في محتواها على قراءة واعية لمختلف الاتجاهات والمناهج. وفي هذا يكون التوكيد على أهمية الاستفادة من البنيوية في قراءة التاريخ الحضاري، حيث الضرورة للانتقال بالفكر والوعي من حالة الاجتزاء والذاتية، إلى الشمول والموضوعية. فالدور المناط بالمؤرخ لا يتوقف عند عملية التحليل والتركيب، بقدر أهمية ارتباطه بالتفكيك والخوض في مدركات الجدل الحافز لإنتاج المعنى، والذي أحوج ما يكون له العرب والمسلمون في حاضرهم الراهن.
الخاصية الثانية قوامها الاعتماد على ترسيخ مفهوم القطيعة المعرفية والإفادة منه في بناء قطائع تاريخية، ليتم من خلالها الوقوف على حجم التجارب التاريخية وخصائصها وإعادة صياغة وبلورة المواقف والاتجاهات إزاء العديد من الظواهر. وعلى أساس محاولة الخلاص من الالتباسات الأيديولوجية والثيولوجية، تتمظهر معالم الخاصية الثالثة والكامنة في أهمية الاستفادة من نظرية الحقول والتي اجتهد في وضع ترسيمات محتوياتها الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو. ولا يعدم "الجميل" من الإشارة إلى الخاصية الرابعة والمتمثلة في الفروض المنهجية التي تقدمها "التاريخانية" حيث الانتقال الأهم والأكثر جدوى للانتقال بالدرس التاريخي من التحليل إلى التفسير. أما الخاصية الخامسة والأخيرة فإنها تكمن في أهمية التوقف عند درس المستقبل، والذي لن تتبدى ملامحه إلاّ من خلال المزاوجة بين التاريخ والذهنية الجمعية، على اعتبار أن مفهوم التاريخ ليس منوطاً بالنخب أو سرد بطولات الأمراء والسلاطين بقدر ما هو حالة تمثل ذهني وإدراكي، قوامه الوعي الباحث عن المعنى. من تلك الاشتراكات والخصائص، تتبدى ملامح الخوض والمعالجات المعرفية لظاهرة العولمة، هذا بحساب الذات على أقل تقدير.
محاولة للفهم
الكم الهائل والكبير من الكتابات التي تصدت للخوض في مجاهيل ودهاليز "ظاهرة العولمة"، أفرزت الكثير من التسطيح والابتسار والإنشائية المريرة. حتى أن المعالجات المقدّمة في الدوريات والمجلات والكتب والمؤتمرات، خضعت للعديد من مواطن الضعف والترهل، كان الأبرز فيها، حالة التطلع لقراءة جانب واحد من هذه الظاهرة، مما عزز جانب الخلل والتكرار في تقديم طروحات عفا عليها الدهر، خصوصاً وأن الاعتبار الأساسي في تلك المداخلات، كان مبتناه الأصلي يقوم على أهمية الإعلاء من الجانب التخصصي والأداء الأكاديمي، حتى بدا الأمر وكأنه سجال بين مجموعة من الجهابذة، كل يعمل لجمع الحاصل إليه. ولعل حالة "عدم الفهم" التي طبعت الكثير من الطروحات حول وضع التوصيفات لظاهرة العولمة، كانت قد تبدّت في تداخل المفاهيم وترهلها وانعدام الضبط فيها.
العولمة بكل تجلياتها المعقدة والمتداخلة، لا تقوم على ثنائية الإيمان أو الكفر، بل أن المكوّنات الحاملة لها، تستدعي من المفكرين والمنظرين العرب، وقفة هي الأبعد عن التبنّي أو الرفض، قوامها الفكر النقدي المستند إلى التفحّص العميق لآليات العلاقة الكامنة والخروج باستنتاجات واستنباطات، حول تفاعلاتها. بحيث لا تتخذ طابع الإنهائية والتمديد، لا سيما وأن الظاهرة ما زالت في أطوار مخاضها ولم تتمدد ملامحها وقسماتها حتى لحظتنا الراهنة. وإذا كانت ثمة محاولة للفهم فإن الأمر يبدأ أولاً من خلال المفاهيم وفرز الأنساق والأنظمة الكامنة في الظاهرة، لتبدأ المعالجات في خضم العلاقة الجديدة بين "الهوية" و "العولمة"،
وإذا كان الحضور الأشد تأثيراً، يتبدى من خلال التحديات التي تفرضها ظاهرة "العولمة" فإن ثمة ارتباطا صميميا بين هذه الظاهرة ومفهوم "الهوية". حيث الدافعية العالية والموجهات المستثارة نحو تثبيت آليات الاشتغال نحو ما هو "ثقافي"، والذي يؤسس لإبراز مواطن الاختلاف في الحضور المعرفي، باعتبار نبذ الجاهزية والتطلع نحو زحزحة اليقينيات والخوض في غمار الحفر المعرفي للتحليلات والاستنتاجات، بل أن الأمر يطال حتى القناعات.
ها هي ذي "العولمة" تزحف بكل ثقلها لفرض ملامحها وقسماتها على العالم. فيما يدور الجدل العلني حولها، وتثار المواقف إزاءها بين التأييد والرفض. وفقاً لاعتبارات شديدة التعلق بالذاتية وطبيعة المضامين المعرفية التي يتم النظر إليها من خلالها. فالمؤيدون لا يتوانون عن وضعها بالمرحلة التاريخية التي لا يمكن التغاضي عنها أو تجاوزها. فيما يشيح الرافضون لها وجوههم عنها واسمينها بالوسيلة الجديدة التي يسعى فيها الغرب لتوكيد مركزيته وإزاحة الآخر وسحب جميع وسائل المبادرة من يديه.
درس العولمة الذي يتصدى له المؤرخ سيار كوكب الجميل (1)، يقوم على منطلقات رؤيوية ذات صرامة منهجية لا حياد عنها. إذ يتبدى وبوضوح لا يرقى إليه الشك الحضور المعرفي لعنصري: "الاجتماعي - التاريخي" في سبر غور الدلالات والمعاني التي تزخر بها ظاهرة "العولمة". وباعتبار أهمية الأدوات المنهجية، ذات التأسيس الواعي يكون واضح الاتجاه في خلخلة اليقينيات والجاهز من البديهيات. يحفزه في ذلك القدرة على الإمساك بتلابيب فعالية "التأويل" التي تمكن الباحث من تحديد معالم الخصوصية في الظاهرة، وبالتالي إفساح المجال نحو طرح الفكرة في نموذج قابل للفهم والشرح. والأمر برمته لا يخضع لاستنطاقات التعالي المنهجي، بقدر ما يتوجه وبحضور معرفي نحو الإمساك بعنصري؛ "الفاعل الاجتماعي، والتحولات السياسية" في دراسة الظاهرة التاريخية، حيث التجلي لمقاليد منهج " السويسو - تاريخي"، الباحث في مضامين التجربة التي يخوض في لجتها المجتمع الإنساني.
من هنا يكون "رهان المعنى" هو الأصل، فيما تنزوي الأسبقيات والمابعد جانباً. فالمسألة تقوم على بحث في العلاقات التاريخية، لا على انشغال مباشر بالسرد الحدثي المباشر. وهكذا يكون دور "المُؤَوِلِ" في عملية التفكيك حيث الإقصاء لأي تعميم. وبما أن الانشغال الرئيس يتطلع نحو إنتاج المعنى، فإن المقارنة تتخذ حضوراً فاعلاً في توطيد ملامح الاختلاف والقطائع المعرفية مع التجارب التاريخية الأخرى. من حيث؛ "السياقات، الرهانات، الممارسات، الرؤية". مع أهمية الخوض في منظومة "التنافس" المحددة لمعالم الشكل والمضمون في السياقات الثقافية والحضارية لكل تجربة تاريخية.
وما تحمله التجربة التاريخية من سياقات وأنساق، يمكن أن تتيح للباحث المدقق الانتقال من التعميم إلى التخصيص. هذا على اعتبار، أن كل تجربة تاريخية عامة، تحمل بين ثناياها تجارب مختلفة. ومن هنا بالذات تبرز ملامح الوحدة والتعدد والاختلاف والمطابقة في التجربة قيد الدرس والفحص. وباعتبار التنوع، فإن العوامل الدينية والاجتماعية والسياسية لا بد أن تتمظهر أدوارها في أكثر من حقل واتجاه لا سيما في مجال تداخل الأنساق الذي يبلوره، الخصوصي والعمومي. فالأمر ليس منوطاً فقط بالتأويل الباحث في أو آليات الاتصال والتكيف والاستقبال واحتمالات المستقبل، بل يكون للوصف حضور فاعل في تحديد قسمات المنجزات والتحولات وأشكال التفكير لا سيما في مجال نطاق "الذات والآخر". فيما يكون للعامل الاجتماعي أثره في تحديد معالم الاندماج والنمو حيث الفاعلية الأهم والأكثر حضوراً، تتجلى في الدور الذي يلعبه عموم الأفراد وليس النخبة. فآلية الاشتغال التي يعمل عليها "سيار الجميل" في تحديد قسمات ظاهرة العولمة، إنما تقوم استراتيجية الصراع فيها، بين ممارسات التفكير وأنماطه، وحالة التكيف مع الثقافة والتاريخ من جانب آخر.
يبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الدكتور الجميل حول ظاهرة العولمة، كامناً في تلك الثنائية القائمة بين "ما تحمله العولمة، الشر كله، أم الخير العميم؟!". وعبر الاخضاعات المنهجية الصارمة، يكون التطلع نحو منهج التفكيك حيث العمل على فرز البنى الكبرى القائمة في الظاهرة، والغور في تفصّص الأنساق الكامنة فيها. من خلال تقصّي الملامح والسمات والبحث في العلاقات، حيث العناية بالمعطيات الرمزية، والالتفات إلى أهمية العامل الزمني الذي يمثل عملية البقاء والاستمرار. وإذا كانت العولمة قد استثارت مكنونات مفهوم الهوية بالنسبة إلى العالم المعاصر في تداعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن العرب والمسلمين في القرن الحادي والعشرين يجدون أنفسهم في لجّة السؤال الأهم حول تداخل المفاهيم والأنساق والدلالات في وضع التوصيفات المحددة لمفاهيم مثل: الهوية، الذاتية، الخصوصية. ولعل الخلل في استراتيجية التفكير!! يكمن في هذا التداخل الفج، باعتبار حالة المطابقة المفضية إلى إبراز وتوكيد "الهوية الذاتية" حيث سيادة القيم الرمزية المستندة إلى الإبقاء على ذات المفاهيم في قوالب متغايرة. ومن هنا تحديداً يكون الإسقاط لعامل "الزمن".
من تحليل الوقائع إلى التفسير التاريخي
التبصّر التاريخاني في أشد ملامحه حضوراً لدى المؤرخ "سيار الجميل" يقوم على فكرة وجود الإنسان في حقل الاختلاف والتنوّع، حيث يكون الحضور الأمضى للذاتية في تمييز الفرد الإنساني عن باقي نوعه. إلا أن هذا الأمر لا يعني إلغاء حالة التشّكل الجمعي والذي يكون حضوره وفاعليته في الاتجاه الاجتماعي.
وعلى اعتبار أن قوة التاريخ ومحصلته تكمن في تفاعل القوى الخارجية المتمثلة بالطبيعة، والقوى الداخلية الماثلة في روح الشعب، فإن الثمار لا بد أن تتبلور في تأثير المعطيات الجغرافية والمناخية على القوى الداخلية الممثلة لروح الشعب. حيث الإبراز الأهم لحالة التكّيف والتغيّر. وباعتبار تفاعل العامل الذاتي فإن "النسبية" في التاريخ تتخذ مكانتها وتأثيرها، إزاء إقصاء للتصورات المطلقة، حيث الغاية متجهة نحو بلوغ المعنى. هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار أهمية الوقوف عند القوة الداخلية لكل شعب والتوقف مليّاً عند العصر التاريخي. وهكذا يكون تفكيك المعاني إزاء ظاهرة العولمة، حيث الزحف القادم بقوة عبر تجليات ومظاهر بارزة المعالم شديدة الأثر والمتمثلة في اتفاقية الجهات والشركات العابرة للقوميات والإنترنت والقنوات الفضائية والشفافية. وعلى هذا يكون السؤال الأشد حضوراً حول "الهوية" ومصيرها، فهل هي تسير وسط هذه اللجة نحو الموت والأفول والنهاية. أم أن كل ما يحدث إزاءها ما هو إلاّ مستثير لاستجابتها.
وعبر تجليات الاستيعاب الدقيق لمضامين التاريخانية يكون تأكيد "سيار الجميل" على أن شروط التقدم التاريخي بالنسبة للعرب والمسلمين لا يتم إلاّ من خلال "إتاحة الفرص أمام الجميع للعمل وبشكل يقوم على الكفاءة لا على أي شيء آخر كما ولا بد من أن يتساوى الرجال والنساء في العمل والإنتاج" ص121. فالجوهر يكمن في ثنائية العقل والحرية لدى الإنسان، فالتقدم لا يمثل الأصل، بقدر أهمية ارتباط التقدم بالغاية والهدف وصولاً إلى بلوغ روح الشعب المفضية إلى تفسير التاريخ وليس إلى تفسير الطبيعة. ومن أجل بلوغ المعنى التاريخي لا بد من التوقف ملياً عند القوى الباطنية للعصر التاريخي، فالإنسان هو الفاعل الأهم في التاريخ وهو القيمة الكامنة في ذاته، حيث قيمته تبرز في وجوده مع الآخرين. وباستذكار مبّسط للنسبية فإن قيمة الإنسان تكمن في "القيمة في الواسطة" وليس في "القيمة المطلقة". فالوصول إلى المعنى التاريخي لا يتم من خلال سبرغور ظاهرة بعينها، بقدر ما يكون الأمر منوطاً بالوقوف عند حالة التعاقب للأدوار والعصور التي تشّكل حركة التاريخ. ومن أجل تكثيف آلية الاشتغال، كان من الواجب التوقف ملياً عند دراسة "الروح" الماثلة في العصر التاريخي، حيث البحث عن مكامن القوى الأصلية فيه. والتطلع نحو العناية بأهمية "الرموز" لكل أمة من الأمم أو لكل عصر من العصور. وبقدر الانشغال باللحظات التاريخية التي تجسّدها العصور، فإن حالة التفرد والخصوصية، لا يمكن أن تتوضح معالمها، من دون الوقوف عند مضمون "الروح" والذي يمثل القوة الداخلية لاستمرار الوجود.
عبر هذه التجليات التاريخانية، يخوض "سيار الجميل" في موضوعه العولمة ومدركاتها وآفاق ملامحها على واقع الحياة العربية والإسلامية، في تناسل معرفي من الأسئلة الدالّة الحضور، حيث التطلّع نحو استثارة المسكوت عنه وتحريك الساكن والراكد، إنه المفكّر فيه في أشد لحظاته توّقداً وحفزاً. والمعالجة الأوضح تتجلى في هذه الأسئلة الحافزة لمسألية "الوعي" بالظاهرة "ظاهرة العولمة" وحالة المقايسة التي تستدعيها مع الآخر. ولا يتوقف الأمر عند حدود المعالجة البنيوية في مجال الذهنية السائدة وأنماط التفكير الشائعة أو الاحتكام إلى المؤثرات الأيديولوجية والمعالجات العاطفية. بل أن قراءة "الوعي التاريخي" التي يدعو إليها "الجميل" تقوم على أهمية الاستنطاق الإبستمولوجي "المعرفي" لمواجهة العولمة "كظاهرة استراتيجية تاريخية تتمفصل وتتسرب مياهها في مسارب العالم كله" ص23. ومن هذا الاستنطاق الواعي لمدركاتها يكون التحديد على أن هذه الظاهرة ليست بالزحف الأيديولوجي قوامه التغيير المباشر لأحوال أو أوضاع بعينها، بقدر ما هي تسلل يستهدف الذهنيات وأنماط التفكير لكل الأنساق والأنظمة بما فيها الأهلي والرسمي، المجتمعي والدولاناتي، المؤسسي والفردي، الخاص والعام إنه الاستهداف الأوسع للتغلغل في مجال العقل الإنساني برمته من دون حواجز أو حدود. إنه العقل التفكيكي الرافض لمقولات المركز والمتجه نحو إعادة صياغة العالم في توليفة جديدة لا تؤمن بالحدود ولا التبعيات ولا الانتماءات(2) أو الهويات والثقافات.
وإزاء هذا كله تكون ملامح الإشفاق على واقع العرب والمسلمين حيث التبعية على أشدها، والاستنزاف في الطاقات والموارد، والتناحر السياسي والعقائدي، والخضوع للإرادات الفردية والامتثال للمضامين التقليدية، وحالة الترهل وعدم الانسجام في المفاصل العامة، بل أن العقم يصل مداه، حين تكشف الوقائع عن الخطر والارتباك في تحقيق الحد الأدنى من تجربة التحديث للنهوض بالواقع الاقتصادي والإداري والسياسي منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. فيما غدت مراكز التعليم والجامعات بمثابة المجال الذي يزيد العبء على واقع الدولة القومية العربية حيث أفواج العاطلين تتزايد، لتنبثق عنها العديد من المشكلات والعقد المريرة، التي باتت تنكيء هذا الجسد(3) المليء بالدمل والقروح.
الركائز البنائية للظاهرة
يؤكد "الجميل" على أهمية الفصل بين "العولمة" كعلم ذي مبتنى مفاهيمي ومعرفي، وكونها ظاهرة تحمل بين ثناياها الأدوات والوسائل. وانشغاله الأهم بالشق الثاني حيث الظاهرة، والتي يعمل في توصيفاتها انطلاقاً من ركائز بنائية ثلاث قوامها؛ "الواقع، التفكير، المصير"، ص53. هذا بالنسبة لمؤثراتها وتطبيقاتها في مجال عالم الجنوب حيث التركيز العربي والإسلامي. وباعتبار مشروعه المعرفي اللامع في "المجايلة التاريخية وفلسفة التكوين التاريخي"(4) بالنسبة للمعرفة العربية الإسلامية، يكون تساؤله المعرفي حول مصير الأجيال العربية والإسلامية الثلاثة القادمة في القرن الحادي والعشرين. لا سيما وأن الإرث الذي تحصلت عليه الأجيال الآنية، لا يوحي بالتفاؤل، بقدر ما يشي بالجنبات والنكسات والانكسارات، خصوصاً في مجال التحديث والموقف من الحداثة. لكن يبقى الجانب الأهم في كل هذا يقوم على أن العلاقة مع المستقبل غير قابلة للفكاك، ومهما كانت ظلامية المشهد وسكونيته آنياً، فإن المعطيات التي يتحصل عليها العرب والمسلمون تقوم على جملة من المعطيات البارزة يكون الأهم فيها، الإمكانات الإستراتيجية والتي تهيؤ لهم القدرة على بناء التكتلات الاقتصادية، والقسمات الحضارية والعقائدية حيث الإسلام الحامل لها كدين وثقافة وعقيدة، وتجارب التحديث والنهضة التي مرت بها هذه المجتمعات، والقدرة على الاستجابة للتحديات باعتبار الحضور الروحي والصيرورة التاريخية والتي تمثل نقطة الانطلاق الأشد وثوقاً في مواجهة زحف التحديات. ص83.
تنطوي الدعوة التي يتبّناها "الجميل" على جملة من الخصائص الرؤيوية المستندة في محتواها على قراءة واعية لمختلف الاتجاهات والمناهج. وفي هذا يكون التوكيد على أهمية الاستفادة من البنيوية في قراءة التاريخ الحضاري، حيث الضرورة للانتقال بالفكر والوعي من حالة الاجتزاء والذاتية، إلى الشمول والموضوعية. فالدور المناط بالمؤرخ لا يتوقف عند عملية التحليل والتركيب، بقدر أهمية ارتباطه بالتفكيك والخوض في مدركات الجدل الحافز لإنتاج المعنى، والذي أحوج ما يكون له العرب والمسلمون في حاضرهم الراهن.
الخاصية الثانية قوامها الاعتماد على ترسيخ مفهوم القطيعة المعرفية والإفادة منه في بناء قطائع تاريخية، ليتم من خلالها الوقوف على حجم التجارب التاريخية وخصائصها وإعادة صياغة وبلورة المواقف والاتجاهات إزاء العديد من الظواهر. وعلى أساس محاولة الخلاص من الالتباسات الأيديولوجية والثيولوجية، تتمظهر معالم الخاصية الثالثة والكامنة في أهمية الاستفادة من نظرية الحقول والتي اجتهد في وضع ترسيمات محتوياتها الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو. ولا يعدم "الجميل" من الإشارة إلى الخاصية الرابعة والمتمثلة في الفروض المنهجية التي تقدمها "التاريخانية" حيث الانتقال الأهم والأكثر جدوى للانتقال بالدرس التاريخي من التحليل إلى التفسير. أما الخاصية الخامسة والأخيرة فإنها تكمن في أهمية التوقف عند درس المستقبل، والذي لن تتبدى ملامحه إلاّ من خلال المزاوجة بين التاريخ والذهنية الجمعية، على اعتبار أن مفهوم التاريخ ليس منوطاً بالنخب أو سرد بطولات الأمراء والسلاطين بقدر ما هو حالة تمثل ذهني وإدراكي، قوامه الوعي الباحث عن المعنى. من تلك الاشتراكات والخصائص، تتبدى ملامح الخوض والمعالجات المعرفية لظاهرة العولمة، هذا بحساب الذات على أقل تقدير.
محاولة للفهم
الكم الهائل والكبير من الكتابات التي تصدت للخوض في مجاهيل ودهاليز "ظاهرة العولمة"، أفرزت الكثير من التسطيح والابتسار والإنشائية المريرة. حتى أن المعالجات المقدّمة في الدوريات والمجلات والكتب والمؤتمرات، خضعت للعديد من مواطن الضعف والترهل، كان الأبرز فيها، حالة التطلع لقراءة جانب واحد من هذه الظاهرة، مما عزز جانب الخلل والتكرار في تقديم طروحات عفا عليها الدهر، خصوصاً وأن الاعتبار الأساسي في تلك المداخلات، كان مبتناه الأصلي يقوم على أهمية الإعلاء من الجانب التخصصي والأداء الأكاديمي، حتى بدا الأمر وكأنه سجال بين مجموعة من الجهابذة، كل يعمل لجمع الحاصل إليه. ولعل حالة "عدم الفهم" التي طبعت الكثير من الطروحات حول وضع التوصيفات لظاهرة العولمة، كانت قد تبدّت في تداخل المفاهيم وترهلها وانعدام الضبط فيها.
العولمة بكل تجلياتها المعقدة والمتداخلة، لا تقوم على ثنائية الإيمان أو الكفر، بل أن المكوّنات الحاملة لها، تستدعي من المفكرين والمنظرين العرب، وقفة هي الأبعد عن التبنّي أو الرفض، قوامها الفكر النقدي المستند إلى التفحّص العميق لآليات العلاقة الكامنة والخروج باستنتاجات واستنباطات، حول تفاعلاتها. بحيث لا تتخذ طابع الإنهائية والتمديد، لا سيما وأن الظاهرة ما زالت في أطوار مخاضها ولم تتمدد ملامحها وقسماتها حتى لحظتنا الراهنة. وإذا كانت ثمة محاولة للفهم فإن الأمر يبدأ أولاً من خلال المفاهيم وفرز الأنساق والأنظمة الكامنة في الظاهرة، لتبدأ المعالجات في خضم العلاقة الجديدة بين "الهوية" و "العولمة"،















التعليقات