"ايلاف"&موسكو: كان من الطبيعي أن يحصل العالم العربي على نصيبه من تركة الاتحاد السوفيتي السابق مثل بقية "الورثة". وبينما كان نصيب الغرب والولايات المتحدة وإسرائيل من العلماء والخبراء والمتخصصين في مختلف المجالات العلمية، اقتصر نصيب الدول العربية على الراقصات الروسيات، والممرضات المتخصصات في التدليك أو "علم الماساج". ولكي لا يتهمنا أحد بما يسمى بـ "جلد الذات"، فالغرب أيضا حصل على عدد هائل من "بائعات الهوى" من روسيا ومختلف جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق إلى جانب ما حصل عليه من العلماء والخبراء. بيد أن العرب وحدهم هم الذين فازوا بـ "الهدية الأكبر"، إذ إنهم ليسوا في حاجة إلى أولئك الخبراء والمتخصصين: فأين سيعمل خبراء الذرة أو الكمبيوتر، أو علماء الفيزياء والكيمياء في العالم العربي؟ ولكن من يأتي تحت مسمى راقصة أو ممرضة سيجد حتما عملا في عالمنا العربي، إما المتصابي جدا، أو العجوز جدا.
العلماء الروس في الغرب وأمريكا وإسرائيل يجدون أماكن عمل، ويواصلون أبحاث علمية موجودة فعلا في مجالات كثيرة موجودة على أرض الواقع. وبالتالي لا يخسرون مستقبلهم العلمي، وإنما يطورونه، ويتطورون معه. وبالمثل فالراقصات الروسيات، سواء في البالية أو الفنون الاستعراضية الأخرى، عندما انتقلن إلى الغرب، كان الأمر بالنسبة لهن مجرد مواصلة "طريق" إبداعي، وعمل، ومصدر رزق. وبالتالي لم يخسرن، بل استفدن، وأفدن. فهل هذه اللوحة موجودة في عالمنا العربي؟ وهل هو ذنب "المساكين" الروس، أم ذنب "العباقرة العرب"؟
وتفاديا للاتهام بالتخريب، و"التفعيص" في الجراح، فالعلوم العربية بخير، وفن الرقص العربي بألف خير، ولسنا في حاجة لا لعلمائنا، ولا لعلماء أي أحد آخر. فلدينا ما يكفينا من علمائنا وراقصاتنا. وكل ما هناك هو إننا في حاجة إلى "الترويح" عن أنفسنا بقليل من الرقص المغاير قليلا لإشفاء القلوب والأرواح، وللعلم رب يحميه. وبالطبع فحال روسيا أيضا لا يسر لا عدو ولا حبيب. وهاهي الصورة بالأرقام لعلها تكون دافعا لمقارنة ما.
كارثة ديموجرافية
لم تأت وكالة أنباء "إنترفاكس" بأى جديد عندما استندت إلى اللجنة الروسية للإحصاء معلنة أن أعداد الروس مستمرة في التناقص وإنها تراجعت حوالي 400 ألف نسمة خلال الأشهر الخمسة الأولي من عام 2002. ولا يعرف أحد من أين جاءت لجنة الإحصاء الروسية أو وكالة أنباء "إنترفكاس" بإحصائيات في غاية الدقة بشأن حالات الوفيات والمواليد من قبيل أن روسيا سجلت خلال هذه الفترة 567700 ولادة مقابل 998300 وفاة. وحذرت اللجنة من أن العدد الحالي للسكان وهو 6ر143 مليون نسمة سيتراجع إلى 131 مليونا عام 2020 وإلى 9ر101 مليون نسمة عام 2050، وذلك لسبب بسيط جدا وهو أن جميع الأعداد تقريبية للغاية إذ أن جميع لجان الإحصاء في روسيا مشغولة منذ بداية عام 2002 بمشروع ضخم جدا ألا وهو "إحصاء سكان روسيا". من جانب آخر، وبشكل جزئي، فهذه الأرقام الدقيقة تبدو تقريبية بالنسبة لأرقام أخرى أكثر خطورة تبشر بأزمة ديموجرافية في روسيا ذات الأراضي مترامية الأطراف، والثروات الطبيعية المتنوعة واللانهائية. فالسنوات العشر الأخيرة أظهرت بشكل أو بآخر مدى ما تعيشه روسيا من أزمات في جميع المجالات بما فيها ميدان التسليح الشيء الوحيد الباقي من تركة الاتحاد السوفيتي جاعلا روسيا في مصاف الدول "الكبرى". ولكن الجانب الديموجرافي بدأ يثير ليس فقط قلق السلطات الروسية، وإنما أيضا العلماء والمختصين بشكل لم يحدث أبدا في تاريخ روسيا إلا مرة واحدة: بعد الحرب العالمية الثانية والحكم الستاليني حيث تم فقدان ما يقرب من 25 مليون سوفيتي أغلبهم روس في حربهم الوطنية ضد ألمانيا النازية، وحوالي 20 مليون آخرين في المعتقلات الستالينية.
انهار الاتحاد السوفيتى رسميا في نهاية 1991 عندما وصل عدد سكان روسيا إلى 150 مليون نسمة. وفي نهاية عام 2000 تراجع عدد السكان إلى 145 مليون. من هنا بدأت المشكلة الديموجرافية تهدد مستقبل روسيا بتركيبتها العرقية والدينية والانهيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
أبعاد ديموجرافية مخيفة
كانت دائرة الإعلام الحكومي الروسية قد أعلنت مؤخرا أن عدد سكان روسيا سوف يتناقص حتى عام 2005 بـ 8ر2 مليون نسمة (من 2ر144 مليون إلى 4ر141 مليون) وقد تحدث تغيرات غير مرغوب فيها في التركيبة السكانية. الخطير في الأمر أن عدد السكان الشباب سيقل خلال هذه الفترة وفقا لحسابات اللجنة الدولية الروسية للإحصاء بـ5ر5 مليون نسمة (من 8ر27 مليون إلى 3ر22 مليون). وعلى الرغم من أن عدد السكان المؤهلين للعمل سوف يزيد بـ 6ر2 مليون نسمة (من 1ر87 مليون إلى 7ر89 مليون) إلا أن هذا العدد سوف يتقلص بعد عام 2005 بشكل مطلق في الفترة من 2006 إلى 2015 بمقدار 4ر7 مليون نسمة .
على ضوء ذلك أعلن رئيس الوزراء الروسي ميخائيل كاسيانوف أن تدني عدد السكان في روسيا يتخذ أبعادا مخيفة. ووفقا لما صرح به فتقلص عدد السكان يعود إلى تدنى نسبة الولادات، والوفيات المبكرة بين الرجال، والوقاية السيئة، والوفيات نتيجة الإدمان على المشروبات الكحولية، وهو ما يتفق تماما مع ما يقوله الخبراء والمختصون، حيث يعتبر فعلا الإدمان على الكحول والنظام الصحي المتدهور بعد سقوط الاتحاد السوفيتى أهم الأسباب وراء ارتفاع معدل الوفيات بين الذكور بصورة خاصة.
وأشار كاسيانوف إلى أن تقلص عدد السكان القادرين على العمل ليس فقط مشكلة اجتماعية وإنما المفصل الذي يتوقف عليه تطور روسيا في السنوات القادمة حيث التنمية الاقتصادية-الاجتماعية سوف تعتمد بالدرجة الأولى على توافر الأيدي العاملة بالذات وبشكل عام، وعلى الأخص الأيدي العاملة الماهرة والمدربة. ووصف كاسيانوف عام 1999 بأسوأ الأعوام حيث تناقص فيه عدد سكان روسيا بمقدار 768 ألف نسمة (بنسبة 5ر%).
تقلص إجمالي سكان روسيا رغم الزيادة
في تقرير للجنة إحصاء السكان تبين أن عدد سكان روسيا قد ازداد خلال القرن العشرين بنسبة 99% . ففي عام 1901 كان عدد السكان 75ر72 مليون نسمة، وفي نهاية القرن العشرين بلغ 145 مليون. وقد وصلت نسبة زيادة السكان في روسيا خلال النصف الأول من القرن إلى 5ر41% (كانت نسبة الزيادة من عام 1901 إلى 1917 حوالي 25%). وفي النصف الثاني من القرن وصلت إلى 41%. ومن عام 1951 إلى 1990 ازداد عدد سكان روسيا بنسبة 44%. ومن 1991-2000 قل بنسبة 4ر2%.
الجدير بالذكر أن عدد سكان روسيا القيصرية بحلول عام 1914 (الحرب العالمية الأولى) وصل إلى 9ر89 مليون نسمة. ومع بداية عام 1917 (انتهاء الحكم القيصري) وصل إلى 91 مليون. وخلال الحرب الأهلية (1918-1922) تراجع عدد السكان إلى 8ر87 مليـون نسمة. وفي عام 1937 وصل إلى 93ر104 مليون . وفي عام 1941 إلى 36ر111 مليون. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية تراجع عدد سكان روسيا (وفقا لإحصاءات 1951) إلى 9ر102 مليون نسمة ثم ازداد عام 1961 إلى 7ر120 مليون. وفي يناير 1991 بلغ 5ر148 مليون ليتراجع بعد ذلك إلى 145 مليون نسمة عام 2000.
الاستقطاب الداخلي
لم تنكر دائرة الإعلام الرسمي الروسية أن هناك حاليا استقطاب أو هجرة داخلية تحدث داخل روسيا نفسها. ولعل خطورة هذا الأمر تكمن في التركيبة الإثنية لسكان روسيا من ناحية، ومساحتها من ناحية أخرى. فقد حدث نمو مطلق ونسبي لتعداد السكان من ممثلي القوميات الأصلية، فيما سجلت هجرة السكان الروس من عدد من جمهوريات روسيا الاتحادية نسبة عالية للغاية. هذا الأمر في جمهورية فيدرالية يشكل خطورة على أغلبية السكان وهم في هذه الحالة من الروس. وقد نزح من جمهورية الشيشان حوالي 95% من الروس، وغادر 20% من الروس أيضا جمهورية داغستان.
وأعلنت دائرة الإعلام في تقرير رسمي أن اتجاهات الهجرة الداخلية المتغيرة مقارنة بالسنوات السابقة تؤدي إلى تقلص تعداد السكان في المناطق الشمالية والشرقية في روسيا، وهى المناطق الأغنى من حيث الموارد الطبيعية. هذا الأمر يشكل خطورة على الاقتصاد الروسي وخطط الاستثمار التي تضعها الحكومة الروسية على أولويات برامجها الاقتصادية للتنمية.
ووفقا للإحصاءات الرسمية فقد تقلص عدد سكان جمهورية تشكوتكا الشمالية خلال السنوات العشر الأخيرة بنسبة 50%، ومقاطعة ماجادان الشمالية أيضا بنسبة 36%، وفي دائرة كورياتسك بنسبة 26%، وفي دائرة أفينسكي بنسبة 25%، وفي مقاطعة كامتشاتكا بنسبة 18%، وبنفس النسبة في دائرة تاييمير، وفي سخالين بنسبة 17%.
وعلى الرغم من هذا التناقص يشير الخبراء إلى أن عدد السكان يعتبر فائضا نسبيا في ظروف النمو الاقتصادي المتدنية الموجودة في روسيا، بيد أن نزوح الجزء النشط اجتماعيا يساهم أيضا في تردي البنية السكانية ويهدم القدرة العملية المكيفة للظروف الطبيعية في هذه المناطق. وسوف يخلق ذلك على المدى البعيد مشاكل اقتصادية واجتماعية، وربما إثنية وتاريخية نظرا لأن مصالح روسيا الاستراتيجية متركزة في هذه المناطق.
هجرة العقول الروسية
قبل عشر سنوات لم تكن روسيا تعانى من نقص الكوادر المتخصصة أو القصور في تأهيل العقول المدربة. والآن يعلن رئيس الوزراء الروسي ميخائيل كاسيانوف أن عدد الاختصاصيين والعلماء في روسيا قد انخفض بنسبة مرتين في السنوات العشر الأخيرة.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وقيام روسيا الاتحادية أصبح من الممكن السفر والتنقل بحرية تامة. غير أن الناس العاديين في روسيا لا يملكون إلى وقتنا هذا الإمكانيات المادية لهذا الترف نظرا لتدني مستوى المعيشة والأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي تضرب عصب الاقتصاد الروسي. ومع ذلك فروسيا تواجه اليوم واحدة من المشكلات التي تهدد قاعدتها العلمية بالخطر. فمع انخفاض عدد العلماء الهائل وانخفاض الطلب على العقول المدربة بدأت السن المتوسطة للعلماء الشبان في الازدياد الأمر الذي جعل رئيس الوزراء والأوساط العلمية والاجتماعية يعلنون عن قلقهم. وفى بداية الإصلاحات الديمقراطية في روسيا نزح عدد هائل من الاختصاصيين، وفتحت دول أوروبا وأمريكا وإسرائيل وألمانيا أبوابها لهؤلاء الشبان ذوى الكفاءات العالية نظرا لرخصها وارتفاع كفاءتها. واستمرت هجرة العقول الروسية في ازدياد مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى أن بدأت الحكومة الروسية تدق ناقوس الخطر.
ورأى بعض الخبراء الروس مثل المحلل السياسي بوريس بتروف أن هجرة العقول الروسية لا تشكل خطرا كبيرا، بل وتعتبر إضافة إلى ثراء روسيا باعتبارها مصنعا للكوادر العلمية والتقنية. وبالتالي فروسيا ليست فقط دولة مصدرة للنفط والغاز والمواد الخام ، وإنما أيضا للكوادر الثقافية والفنية والعلمية. ورأى بتروف أن هذا الأمر مؤلم لعدم الاستفادة الكاملة من هذه الطاقات التي تتلقى تعليمها مجانا في روسيا ثم تتركها بعد ذلك .
الجدير بالملاحظة أن التعليم المجاني في روسيا قد بدأ فب الانقراض، إضافة إلى سوء النظم التعليمية وانخفاض مستوى التعليم بشكل عام وهو الأمر الذي يهدد العلوم الروسية على أرض الواقع. في هذا السياق رأى مدير متحف الإرميتاج بوريس بيوتروفسكي أن هذه القضية لا تمثل أية خطورة على روسيا مشيرا إلى أن المخرج من هذه الأزمة هو وضع سياسة استراتيجية صحيحة تقضي بعدم القلق وعدم اتهام الآخرين، وإنما بتحويل الأمر كله إلى مصلحة روسيا، وخلق الظروف المواتية لعودة الأدمغة الروسية إلى الوطن بعد أن تكون قد عملت على التقنية الأجنبية وبأموالها.
المثير في الأمر أنه بعد ثورة 1917 هاجر من روسيا حوالي 2 مليون شخص بحلول عـام 1921. وخلال العشر سنوات الأخيرة من القرن العشرين هاجر من روسيا حوالي 10 ملايين على الرغم مما يشاع حول مسألة الحريات السياسية التي تسببت في الهجرة التي حدثت في بداية القرن. فالروس حصلوا على حرياتهم السياسية كاملة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، فماذا حدث؟! الأخطر هنا هو هجرة العقول المدربة التي يصل عدد أصحابها سنويا إلى أكثر من 1000 عالم ومتخصص. وفي الوقت الذي يعتبرهم فيه المحللون السياسيون والخبراء مصدرا من مصادر الدخل القومي لروسيا، تعتبرهم بعض القوى الوطنية الروسية الطابور الخامس الذي يشكل خطرا على روسيا نفسها وعلى علاقاتها التاريخية والسياسية بحلفائها التقليديين. ولعل أوضح مثال لذلك هو هجرة اليهود الروس مليون و200 ألف شخص يحارب معظمهم اليوم في صفوف الجيش الإسرائيلي بعد أن حمل العديد منهم الكثير من الملفات والاختراعات التي تلهث روسيا ورائها تارة بالتعاون المشترك (العسكري أو الأمني) مع إسرائيل، وتارة أخرى باستعادتها عن طريق أجهزة الاستخبارات أو بعقد صفقات مشبوهة.
آخر الإحصائيات الرسمية!
شهد عدد سكان روسيا على مدى السنوات العشر الأخيرة، وبسبب زيادة الوفيات على الولادات، انخفاضا يقدر بـ 700-800 ألف نسمة سنويا. وخلال نصف قرن سيكون عدد سكان روسيا 85 مليون نسمة بدلا من 146 مليون كما هو الحال عليه الآن. وبكلمات رئيس الوزراء الروسي نفسه، فقد بدأت مسيرة الهجرة إلى روسيا في التسعينات من القرن العشرين، وجاءت عفوية تماما نتيجة لانهيار الاتحاد السوفيتي. ففي عامي 1992-1993 تدفق السيل الأساسي من النازحين إلى روسيا، وخاصة من أذربيجان وجورجيا وطاجيكستان ومولدافيا. وفي عامي 1994-1995 كثرت الهجرة من كازاخستان وأوزبكستان وطاجيكستان وقيرجيزيا. وفي أعوام 1996-1998 استمرت الهجرة بمعدلات أعلى من جمهوريات كازاخستان وأوزبكستان بشكل رئيسي. إلا إن هذا السيل قد بدأ ينضب تدريجيا. فإذا كان عام 1994 قد شهد تدفق أكثر من مليون نسمة إلى روسيا، ففي عام 2001 لم يتجاوز عدد النازحين 338 ألف نسمة.
الموت الخارق
في تصريح لنائب رئيس أكاديمية العلوم الطبية الروسية يفجيني تيشوك قال إن الوضع السكاني في روسيا قد تجاوز الخطوط الحمراء، وخرج عن نطاق المشكلات الصحية ليدخل إلى منطقة مخاطر الأمن القومي الروسي. وحذر من أن عدد سكان روسيا الذي يبلغ حاليا 149 مليون نسمة سينخفض بحلول عام 2050 إلى 60-90 مليون، وهو ما يعني ظهور مشكلات في الاقتصاد الروسي، وعدم إمكانية سيطرة الحكومة الروسية على مساحات الأراضي الشاسعة والمصادر الطبيعية. وأشار إلى أن نسبة المواليد في روسيا في انخفاض مستمر، ففي عام 1987 بلغت المواليد 2ر17 طفلا لكل 1000 نسمة، وفي عام 2001 انخفضت إلى النصف. بينما ارتفعت نسب الوفاة بين السكان إلى الضعف. ومنذ عام 1992 إلى يوليو 2001 فقدت روسيا 5ر7 مليون من سكانها، وهو ما يعادل اندثار 17 إقليم روسي من أقاليم المركز الكبرى. كما أعرب عن قلقه إزاء انخفاض متوسط عمر الرجل الروسي، واصفا ذلك بـ "الموت الخارق". ورأى أن الفارق الشاسع بين متوسط عمر الرجل والمرأة في روسيا قد وصل إلى 5ر13 سنة وهو الأمر غير الموجود إطلاقا في أية دولة أخرى، حيث يصل متوسط عمر الرجل حاليا إلى 57-59 سنة بينما يصل متوسط عمر المرأة إلى 71-73 سنة.
ومع ذلك..
مع كل ذلك، وبالعودة إلى اللوحة الأصلية، فبرغم فقدان روسيا الكثير من مقومات القوة، والفعل، إلا أن الأرض العلمية الصلبة التي تقف عليها تجعلها متماسكة، على الأقل حتى الآن. فقد أعلنت دائرة الإعلام التابعة لمركز ديميتروف جرادسكى العلمي للمفاعلات الذرية في روسيا مؤخرا عن نجاح العلماء الروس في تركيب العنصر 118 في الجدول الدوري لمندليف والذي تحتوى نواته على 118 بروتون و175 نيوترون، ويشارك علماء المركز في التجارب النهائية التي تجرى في عام 2003 بمركز دوبنا العلمي في ضواحي موسكو. ويشارك في إجراء التجارب علماء الفيزياء من 3 مراكز أبحاث علمية روسية هي المعهد الاتحادي للأبحاث النووية القائم في دوبنا ومعهد الأبحاث العلمية في مجال الفيزياء التجريبية (مدينة ساروف في بوفولجييه) ومركز ديميتروف جرادسكي العلمي للمفاعلات الذرية.
يذكر أنه في عام 1999 أعلن مختبر لورنس الموجود في مدينة بيركلي بالولايات المتحدة أن علماءه تمكنوا من تركيب العنصر الـ 118 وأطلقوا عليه تسمية "أونونوكتيكوم" وأكدوا أن نواته تحتوى على 118 بروتون و175 نيوترون، وهو ما يمكن حسابه نظريا حتى قبل تركيب العنصر. وعلى الفور تم نشر الخبر لتسجيل السبق من ناحية، ولأهمية العنصر الجديد من ناحية أخرى، نظرا لأنه يقدم البراهين على نظرية "الجزر غير المستقرة في النواة". وبعد ذلك حاول علماء فيزياء من اليابان والولايات المتحدة وألمانيا إجراء اختبارات مشابهة مستندين إلى المنهج الذي اتبعه الأمريكيون ولكن من دون جدوى. ولذلك أصبحوا يطلقون على العنصر الـ 118 تسمية "العنصر الخفي".
وفي 27 يوليو 2001 كشف العلماء الأمريكيون بشكل علني عن أن خطأ علميا قد حصل وأعلنوا عن إلغاء اكتشافهم. وأعلن على الفور مدير مختبر لورنس تشارلز فرانك في تقرير رسمي أمام موظفيه أن: "ما تم إعلانه عن اكتشاف العنصرين الكيميائيين 116 و118 وتسمية ذلك باكتشاف القرن كان نتيجة لخداع علمي قام به أحد علماء المجموعة، وقد تم طرده".
وصرح المدير العام لمركز ديميتروف جرادسكي العلمي للمفاعلات الذرية ألكسي جراتشوف بأن: "الأخطاء في العلم أمور واردة وممكنة ولا مفر منها، وخاصة في المجالات التي تعمل على دراسة سلوكيات الجزيئيات المادية الأولية". إلا إن المركز يأمل بأن لا يظل الجدول الدوري لمندليف طويلا من دون العنصر الـ 118، ولكن في حالة نجاح التجارب النهائية سوف يكون اسم العنصر 118 مختلفا تماما عما تم إعلانه من قبل.
خلال الفترة القصيرة الماضية تصور علماء الفيزياء النظرية أن العنصر 114 الذي قام بتركيبه العلماء الروس في مطلع عام 1999هو آخر حدود جدول مندليف ولكنهم ما لبثوا أن نجحوا في إجراء تجاربهم المستمرة على انشطار نواة العنصر 116 في أحدث معجل روسي بمعهد دوبنا (أو-400) حيث تم قذف الهدف المصنوع من عنصر الكوري 248 بأيونات الكالسيوم 48 (ثمن الجرام الواحد منها 250 ألف دولار) والتي وصلت سرعتها إلى جزء من العشرة من سرعة الضوء. وكان من المفترض أثناء عملية الاندماج أن يتكون عنصر مستقر بتفكك أشعة ألفا (حيث تفكك ألفا يؤدى إلى تحرر 2 بروتون و2 نيوترون-أي نواة ذرة الهيليوم) عندئذ يتحول إلى العنصـر 114، وهكذا. ويعتبر تركيب العنصر 116 نتيجة مذهلة بالنسبة لتطور النظرية النووية، لأن ذلك هو إثبات مباشر وواضح لما يسمى بـ "جزر الاستقرار" للعناصر ما فوق الثقيلة.
عمر العنصر 116 يصل إلى 50 مللي ثانية. ولكن الأهم من ذلك هو أنه يمتلك نواة ثقيلة مما يثبت تماما تنبؤات علماء الفيزياء النظرية التي ظلت دون إثبات طوال أكثر من ثلاثين عاما بالنسبة لحدود جدول مندليف التي يجب ألا تنتهي بعناصر اليورانيوم المتحولة فقط. وتركيب عناصر جديدة يشير إلى أن تجارب الفيزياء النووية تسير في اتجاه اكتشاف عناصر كيميائية جديدة ذات نواة ثقيلة وفترات عمر تقل تدريجيا بازدياد الوزن الذري.
عندما أسس مندليف جدوله منذ قرن مضى كان يعرف 63 عنصرا كيميائيا فقط. وبحلول عام 1940 كانت جميع الفراغات في الجدول قد امتلأت حتى العنصر 92 بما فيها اليورانيوم (ما عدا البروميثيوم 61 الذي اكتشف عام 1945). أما الـ 18 عنصرا الأخيرة التي يطلق عليها عناصر اليورانيوم المتحولة فهي من صنع الإنسان نفسه لأنها لا توجد في الطبيعة. وبالتالي إذا تصورنا أن جميع العناصر الكيميائية في مجموعها تشكل شبه جزيرة في بحر اللامستقرات، فليس هناك أي أساس لمقولة أن الأرض سوف تتلاشى في بحر من الأشعة. والتنبؤ الصحيح إلى الآن هو أن الأرض سوف تغرق في الماء ثم تظهر بعد ذلك جزر الاستقرار-أي العناصر ما فوق الثقيلة. والعلماء يعكفون منذ زمن طويل على تحديد "محاور" مثل تلك الجزيرة المستقرة. ولعل نجاحهم في تركيب العنصرين 114 و 116 قد أعطى الأمل في توسيع مساحة جدول مندليف من ناحية، وتوفير إمكانية للإنسان على استغلال الطبيعة بأقصى درجة ممكنة من ناحية أخرى.
هذا ولا يزال العلماء حائرين رغم تقدمهم. فالنظرية النووية تنبأت بأنه إذا تم التحرك إلى الأمام في اتجاه اكتشاف العناصر ما فوق الثقيلة، فمن الضروري أن تزداد فترة عمرها. ورأى العلماء في البداية أن العنصر 114 يجب أن يمتلك ما يسمى بجزر الاستقرار حيث عدد النيوترونات في نواته يجب أن يصل إلى 184 وتصل فترة عمره إلى ملايين السنين. ولكن مع الأسف فتركيب العنصر 114 الذي يحتوى على هذا العدد من النيوترونات لا يزال أمرا مستحيلا إلى وقتنا هذا. ولكن الأمل لا يزال موجودا مع وجود العنصر 114 الحالي على الرغم من إنه لم يحقق تنبؤات العلماء المسبقة.
المدهش أن العلماء كانوا يناقشون منذ عامين إمكانية التوصل إلى تركيب العنصر الذي يصل عدده الذري إلى 400 وتصل عدد نيوتروناته إلى 900. والآن، بعد اكتشاف العنصر 118 يناقشون إمكانية تركيب عنصر يصل عدده الذرى إلى 500. وآخر تنبؤاتهم أن نواة مثل هذا العنصر سوف تكون شبيهة بالفقاعة (Bubble-nuclear& ). وإذا تحقق مثل هذا التنبؤ ستكون البشرية قد دخلت مرحلة أخرى من طور وجودها، لأن هذا يعنى أن مادة النواة (في أية صورة من صورها) غير قابلة للفناء حتى وإن كانت فارغة.
بائعو السجائر الروس يتحولون إلى علماء ذرة في أمريكا
في نهاية المطاف، إذا كانت راقصات البالية والاستعراض الروسيات يتحولن في عالمنا العربي إلى أشياء أخرى، فطلاب كلية الفيزياء الروس الذين يتحولون في روسيا إلى بائعي "سجاير وحاجة ساقعة" في شارع "أربات"نتيجة للظروف السيئة، يتحولون في أمريكا إلى علماء للمستقبل. فحاليا يجرى باحثان روسيان في مختبرات الولايات المتحدة تجارب في غاية الأهمية والخطورة على سرعة الأشعة الضوئية. وقد توصلا مؤخرا إلى نتائج هامة بشأن إمكانية إعاقة سرعة الضوء. أو ببساطة إمكانية التحكم في سرعة الضوء. مثل هذه التجارب يمكن أن تؤدى ببساطة إلى مراجعة أهم "الثوابت" العلمية، حيث سرعة الضوء هي "السرعة المطلقة" التي يتم القياس عليها. وبالمناسبة، هذان الباحثان، كانا يبيعان سجائر في شارع "أربات" بموسكو بعد تخرجهما من الجامعة.