سادت في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية فكرة يقول دعاتها على اختلاف التخصصات: إن الإنسان يجب ألا يرى أكثر مما يجب!الفلاسفة الوجوديون قالوها بطريقتهم، والتيار البريطاني اللامنتمي قالها أيضاً من خلال مسرحيات صادمة وروايات وأبحاث، لكن مثل هذه الأفكار لا تمر بسهولة في الغرب، إذ سرعان ما وجدت من يحللها ويعيدها إلى جذورها، فالحربان العالميتان عصفتا باستقرار العالم كله، وإن كانت حصة أوروبا هي الأكبر من الدمار، والشك في جدوى الحياة، ربما لأن تلك الحروب وما يماثلها تتصف بقدر من العدمية والمجانية، والآن رغم كل ما يعجّ به كوكبنا من حروب، قد لا تكون كونية في شكلها المباشر، لكنه كذلك في العمق، وقد تتشكل من حاصل جمعها حرب عالمية ثالثة، وأخرى رابعة أو خامسة، لم نشعر بها رغم أن ضحاياها أضعاف ضحايا الحربين العالميتين.
فالخسائر لا تُقاس فقط بعدد القتلى أو الجرحى والمعاقين، مادامت الجراح النفسية وما تفضي إليه من أوبئة لا تقبل الاندمال السريع، وقد يكون لها من الفيروسات ما ينقل عدواها إلى الأجيال الجديدة، التي لم يكن لها ناقة أو جمل في تلك الحروب!
لكن ما معنى ألا يرى الإنسان أكثر مما يجب أو ينبغي؟ ومن هو ذلك الذي تُناط به عملية وضع الحدود لما يجب أن يعرف، أو لا يُعرف؟
الأرجح أن المقصود بهذا الخوف من المعرفة هو خوف آخر أشد سرية هو الخوف من الوعي الذي يقود إلى الحرية، وقد قالها عالم النفس ايريك فروم بوضوح تام، وافتضح هذا المستوى المسكوت عنه من الخوف السري، فالحرية عبء بل هي صخرة ينوء بثقلها عابرو نهر الزمان حسب تعبير مسرحي لسارتر والخوف من الحرية، هو خوف من المسؤولية لأن الحرية تتطلب بل تفرض على الأحرار أن يختاروا، وبالتالي أن يدافعوا عن خياراتهم ويتحملوا مسؤولية ما يترتب عليها.
ويبدو أن ما يُسمى العولمة لم يشمل من البشر كلهم سوى المخاوف، والبعد السلبي للوعي، الذي يتهرّب بكل الأساليب من المواجهة والاحتكاك!
إن ما يشغل بال المبشرين بالقَطْعنة والامتثال والتماثل، هو استئصال أي نتوء يعلن العصيان على النموذج المقرر، والذي يطلب من ستة مليارات إنسان أن يتحوّلوا إلى مجرّد نسخ كربونية عنه، فالاختلاف إضافة إلى كونه حقاً إنسانياً، يضاعف من حيوية العقل، ويعطي لثنائية التحدي والاستجابة معناها ورصيدها التاريخي.
في إحدى المسرحيات نصف الكوميدية ونصف التراجيدية، يقول الرأسمالي المتوحش للموظف البيروقراطي في إدارته إنني أعطيك كل ما أعطيك من أجل شيء واحد فقط هو ألا تفكر !
يقول له ذلك رداً على عبارة تورّط بها الموظف عندما قال لمديره إنه فكّر واجتهد، فأخطأ.
هنا يقدم التفكير مقترناً بالخطأ فقط، لأن الصواب، هو في هزّ الرأس، وتكرار كلمة نعم، حتى لو كانت تبارك الشيء ونقيضه، مثلما تبارك الخطأ والصواب بالقدر ذاته!
إن التفكير أكثر مما يجب، أو أكثر من المسموح به قد يقلب المائدة، ويهدم المسرح على كل من فيه، ولكي يبقى التاريخ الإنساني يراوح بين سيد وعبد وحاقد ومنتقم، وضحية وجلاد يجب على الناس أن يعرفوا حدود التفكير المشروع والمحلل، وهم أحياناً يتقاضون أجراً إضافياً مقابل الصمت عن الخطأ، أما الدفاع عن هذا الخطأ فيستحق رشوة أخرى!
إن معظم ما بشّر به المنتصرون بعد الحرب العالمية الثانية، انتهى إلى النقيض تماماً، فما سُمي تصفية الحقبة الاستعمارية أصبح تجديداً وتمديداً لصلاحيتها، وما قيل عن حق الإنسان في الاختلاف تحوّل إلى حق آخر في اختيار نسبة الانحناء والخنوع.
لهذا، فالمزاج السائد الآن في عالمنا هو مزاج حرب كونية سواء حدثت دفعة واحدة أو بالتقسيط الممل وقد تنبعث مجدداً تلك الأطروحات التي سادت في فترة ما بين الحربين وتمدّدت حتى العقد الذي أعقب الحرب العالمية الثانية، فالعدمية السياسية مبثوثة الآن في الهواء الذي نتنفسه، وما ثقب بالفعل ليس الأوزون فقط، بل ذلك الغلاف الأخلاقي الذي طالما شكّل حصانة التاريخ ضد الهمجية وحصانة العقل ضد الخرافة!
الآن، ما من أحد يقول لنا علانية: لا تفكروا أكثر مما يجب، لكننا برقابة ذاتية، وتطوّع مجاني، نفعل ذلك وغالباً ما نعود من الربع الأول في الطريق!
الخليج














التعليقات