غالب حسن الشابندر
&

&
1
&ليس كالفلسفة الميتافزية تعرضت للاتهام على صعيد الموقف من الأنسان، لقد أُتهمت هذه بالجمود والخمول وتعطيل قوى الا نسان العقلية والعاطفية، وأتهمت بمجاراة الظلم وتبرير الإضطهاد وتسويغ التناقض الطبقي القبيح، وأتهمت بانها عائق دون إنطلاق الإنسان باتجاه الرقي والتطور والسطوع الفكري والحياتي!
فهل هي كذلك؟
تبدأ الفلسفة الميتافيزية بالوجود لتعدّه بديهية قائمة بذاتها، لا يمكن تعريفه ولا تحديده ولا البرهان عليه، ولا يمكن البحث عن علله واسبابه، هو مملوء بذاته، يشهق بحقيقته، افلا ينفعنا ذلك بتحويله إلى حافز للامتلاء، حافز للحركة، حافز للتواصل مع الحياة بفاعلية ونشاط وأمل؟
كل ظاهرة، كل عين، كل شكل، كل مضمون، كل فكرة، إنّما هي تجليات للوجود، هي إنبثاقات وجودية، بل حتى المقولات والمعادلات الفكرية هي تجليات للوجود البدهي المتأصِّل، ولكن تجليّ الانسان الوجودي هل هو كغيره من التجليّات؟ هل نُدخل الارادة هنا كعامل جوهري في تقرير نوع هذا التجليّ؟
الوجود مشترك معنوي، مفهوم كلي عام، ينطبق على زيد هذا، وعلى تلك الشجرة، وعلى ذاك الحجر، من قبل واليوم وغدا، يصدق عليها جميعاً، بلا مواربة وبلا شك، فهل نستلهم من ذلك مبدأ التواصل بين مفردات الوجود، رغم تباعد الزمان والمكان، رغم تنوع العوارض والطروئات؟ هل نستطيع تخطي فن الإنطباق والحمل الى فن التواشج والتفاعل بالاستفادة من شفافيّة المفهوم الرائعة؟ بل هل يمكننا ان نستفيد من كليّة المفاهيم مبدأ التواصل والتلاحم بين مصاديقها، وليس مفهوم الانطباق وحسب؟ هل يمكننا أن نشيّد مبدأ التجسيد بين المفهوم والمصداق إلى جانب الأنطباق والحمل؟ فزيد ليس فرداً مصداقيِّا لمفهوم الانسانية فقط، بل هو يجسِّد الإنسانية، هو يمثلها، حاملها، وبعد ذلك نتحدث عن إنسانية أكثر وإنسانية أقل، عن إنسانية شفافة رائعة، وعن إ نسانية كثيفة جاحدة، عن خلو زيد من الإنسانية وأمتلاء عمر بها، لابد ان تخضع المفاهيم الى فن اللعب والخلق والإبتكار والتوسيع والتحميل، ليس هذا تضبيباً للمفهوم بل هو تفتيق لطاقاته الهائلة، تفكيك لبنيته الشفافة، وليكن كل إستعمال مرهوناً بظرفه وأجوائه وفهمه وتطلّعاته، ليس من شك، لولا كليّة المفهوم لم نستطع القيام بهذه العملية التكيفيَّة من الاستعمالات الضخمة، ننطلق من الإستعمال المنطقي الفلسفي الخام ولكن نخلِّق داخله ممكنات جديدة.
الوجود لا يُعللّل، تلك قفزة كبيرة في تطور الفكر البشري، فأنها تفتح المجال أمام التاويل والاستلهام، وتنقذه من محنة الإيغال بالمستحيل، الوجود لا يُعلّل، وبالتالي ينبغي ان نشتغل بعوارضه، وتلك طفرة أخرى تنقذ الفكر من الضبابية والغموض والإبهام، بل كل ذاتي ينبغي الإبتعاد عن محاولة التورط به، بغياهبه، بقيعانه المبهمة، وقد كانت إلتفاته مشرقة في تحديد العلم بانه البحث في عوارض الموضوع الذاتية، ليس هو بحث في الجسم، وإنما في مرضه وصحته، في حياته وموته، في حركته وسكونه، وهل موضوع العلم غير هذه الأعراض؟ ليس بحثاً في الكلمة من حيث هي هي، بل بحث في نحوها وصرفها وبلاغتها، وبذلك ينأى العقل عن الغوص في العوالم المنغلقة المدلهمة.
لا يمكن الهروب من الوجود، يحيط بنا، يلاحقنا باستمرار، وكل محاولة للهروب من الوجود تنتمي مصيراً وآلية الى الوجود ذاته بالمطاف الاخير، حتى الموت لون من ألوان الوجود، فما علينا إلا أن نقبل الوجود، نعانقه بطموح وتطلّع وإشراق، هذه القدرية الوجودية يمكن تحويلها الى إختيار من الداخل، إلى حركة تنفعل بالوجود إ نفعالاً حيّاً ساخنا.
أصالة الوجود تعني أصالة هذه العينات التي تملأ ساحة النظر والسمع والشم، هذه العينات سواء الظاهر منها للعيان أو الخفية عن الحواس، هذه العينات التي طالما يكشف عنها العلم والفكر والبحث، وليس المقصود هنا اصالة المفهوم الكلي الشمولي الذي نحمل به على العينات، والأصالة هذه يمكن ان نستفيد منها ضرورة تبجيل الوجود، الوجود أصيل، فهل يستوجب غير الإحترام والتبجيل والتقدير؟ الوجود ليس وهماً، ولا هو فكرة خالية الوفاض، ولا هو صورة ذهنية محتجزة في صقع الذهن، هي واقع، واقع متحرك فعّال يتخلّق باستمرار، أفلا يدعونا ذلك إلى التماهي مع هذه الحركة؟ نعم، نحن متماهون معها بمنطق الوجود ذاته، ولكن ألا يمكننا ان نُدخل الإرادة هنا في عملية التماهي، وذلك من أجل المزيد من التحقق، ومزيد من التشخص، خاصة اذا قالوا ان الوجود كلي مُشَكَك.
يتحدث العقل الميتافيزي عن كثرة عرضية وكثرة طولية في الوجود، الكثرة العرضية تستوعب نظرة أفقية، فيما الكثرة الطولية تستوعب نظرة رأسية، تشتد في حركتها باتجاه التحقق الاكثر شدّة والأكثر ترسّخاً والأكثر أصالة، وإذا كان الأمتياز في مفردات الكثرة العرضية هو ما فيه الاختلاف بين هذه المفردات كما يقولون، فان مفردات الكثرة الطولية عبارة عن تسلسل تراتبي أو بالاحرى مراتبي بالوجود، فالممكن في طول الواجب والمعلول في طول العلة، ولذا ما به الامتياز إنما بما يحويه الموجود في المرتبة الأشرف نسبة إلى ما يفتقده الموجود في المرتبة الاسفل، ومهما يٌقال عن صحة هذا التقسيم أو عن حرفيته، نتعامل معه كمعطى مطروح، ولكن يمكن ألاستفادة منه، يمكن توظيفه لصالح الانسان، تماما مثل الاسطورة ( أن الله لا يستحي ان يضرب مثلا بعوضة ما فوقها... )، فأن الفكرة تشجع وتشحذ الهمم على تحويل المراتب النازلة من الوجود الى مراتب عالية، وذلك في سياق إرادة خيّرة دافعة إلى الامام، فان تصعيد المعلولات في تيار الخلق والإبداع والتأثير سوف ينقلها الى مراتب العلل، وبذلك نكثّر من سعة الوجود الخيّر المعطاء، ندفع بمسيرة التاريخ الى الأمام، إنّ تحويل النازل الفقير إلى العالي الغني مشروع كبير وطموح يمكن إشتقاق هويته وفكرته وممكناته من هذا التقسيم الفلسفي المدرسي للوجود. انّنا هنا بين يدي مشروع تأويلي، ينتقل بالفكرة الفلسفية من صورتها المجرّدة الى حركة، ولا يهمنا مدى صحة الفكر ومدى تطابقه مع الحق، على غرار الأمثلة فإنّها تضرب ولا تقاس، وعلى غرار ذلك الاسطورة والحكاية الخرافية والمثل الخيالي والحالات المُفترضة.
الوجود يساوق التتشخّص، يساوق الوحدة، فكل موجود متشخِّص وواحد، فلا يصدق إلاّ على نفسه، يمتنع من إ نطباقة على ألآخر، فزيد يساوق ذاته لانه وجود، وكل وجود متشخّص، كل ذات، كل موجود، كل مخلوق... له شخصيّة قائمة فيه، ذائبة فيه، يحملها بجدارة مهما كان هش القوام، ضعيف البنية، متهاوي القوة، له شخصيته، وذلك بصرف النظر عن الغير، هناك شخصية تصرخ بذاتها، تصرخ ككيان، تستدعي النظر بصرف النظر عن مخالف او موافق، بعيد عن المقارنة والمقايسة، هي قرينة نفسها، التشخّص هنا يتنافى بطبيعة الحال مع مفهوم الكليّة، فهل نستفيد أو نستوحي من هذه الفكرة الفلسفية أن كل موجود يملك هويّة خاصّة به رغم إشتراكه مع نظرائه بقسائم وجوامع؟ وإن الوجود في كل لحظة يتلقى الجديد؟ لأن الخلق مستمر ( ويزيد في الخلق ما يشاء )، ليس هناك روتين ولا سليقة باردة، بل هناك تدفق وجودي بالجديد، هل نستطيع تجيير هذه الفكرة لصالح الفردية الانسانية؟ وإن الفرد من الإنسان هوية مستقلة يجب إحترامها وتقديسها وتبجيلها وعدم المساس بكرامتها؟ هل يمكن الإستفادة من فكرّة التشخّص من أن كل فرد من نوع الإنسان يملك ذاته؟ لانّه مخلوق متشخّص، يملك خصوصياته، ليس تابعاً، هو ذاك، هو يصرخ بعنوانه الذي لا ينطبق إلاً عليه، فلماذا نعمل لتهميشه؟ لماذا نحاول إمحاء عنوان خاص، لا أريد هنا التحدث عن مشاكل الانسان الا جتماعية والسياسية، ولا أريد أن أتحدث عن قضايا الحرية والفردية وإحترام الرأي الآخر بالإنطلاق من مصطلحات فلسفية، فذلك غير معقول، ولكن يمكن إستشراف الفكرة خارج مملكتها، خارج إرضيتها البكر، فان تشخص زيد يعني جزئية حقيقية، وبالتالي ينبغي إمضاء حقوقه الخاصّة، حريته الخاصّة، رايه الخاص، وذلك بإستلهام فكرة المساوقة بين الوجود والتشخّص، سواء يرجع التشخّص إلى الاعراض، كالمكان والزمان والوضع والهيئة وغيرها ممّا يعرض عليه بالذات دون غيره ـــ وفي الحقيقة تشخّص الموجود بالاعراض يرفع من أهميّة الأعراض ويعزّز من قيمتها، فلي زماني الخاص، ولي مكا ني الخاص، ولي وضعي الخاص، ومن هنا اشعر بالاستقلالية والفردية، هذه الاستقلالية لها مستحقاتها على الصعيد العملي ـــ أو كان التشخّص بالوجود وليس بالاعراض، فأن ذلك يوفر فرصة هائلة على تأصيل الفردية والاستقلالية بالحقوق والحرية والحركة.

&2
يندرج تحت مقولة الإمكان اكثر من لون من الإمكانات، فهناك الإمكان العام المُشتق من سلب ضرورة واحدة كان تكون ضرورة العدم أو ضرورة الوجود، وبذلك يُحمل على الواجب والممكن، إلى جانب هناك الإمكان الخاص، ويتقوّم بسلب الضرورتين، فاكتشاف فايروس السرطان ممكن بهذا المعنى، غاية ما في الامر هناك الشروط والآليات التي لم تتوفر بعد، وهناك الإمكان الوقوعي وهو الإمكان الذي لا يؤدي إفتراض حصوله إلى محال نظراً إلى ذاته، كأن تقول، غدا سوف يصل الانسان الى الزهرة، فليس هناك ما يمنع ذلك، لأنه ليس ممتنعا بذاته كما هو الحال في إجتماع النقيضين بشروطه المعروفة، وعدم الوصول هنا إ نّما هو بالغير وليس بالذات، لأنّ هناك موانع خارجية ليس إلاً، وهناك الإمكان الإستعدادي ومفاده إنطواء كل موجود على إستعداد لأن يكون شيئا آخر، كما في البذرة في تحولها إلى فسيلة والجاهل إلى عالم، وفارقه عن الإمكان الذاتي، انّ الاول من لواحق الوجود، فيما الثاني من لواحق الماهية.
هل هناك مستحقات يمكن إستشفافها من هذه الالوان من الإمكان تكون لصالح الانسان، وتخدم حركته الصاعدة للامام؟ هل هناك ما نستطيع أن نؤسّس عليه من هذه المفاهيم الفلسفية، في سياق تصعيد الذات الإنسانية في معركتها مع الواقع، وفي سياق إنفعالها الحي في خضم هذا الواقع؟
أنّ مفهوم الإمكان الإستعداديي تصور هائل يلتحم بحركة الكون، فكون كل شي من أشياء الطبيعة يحمل إستعداد التحوّل لما هو أرقى يعني نفياً للسكون، بل وإعتماد الحركة بانّها أصل وليس فرعا، بأنّها من قوانين الوجود، والإمكان المذكور يشي بان على الإنسان أن يفتش عن قابلياته وإستعدادته، يفتش عمّأ فطره الله عليه من قوى وطاقات، نظرية إلإمكان الاستعدادي ثورة تربوية رائعة ولكن لم نلتفت لذلك، وإقتصرنا على تصويره عقليّا، وإستخدامه في تحليل الوجود نظريّا، ونقطة مشرقة أخرى ينطوي عليها الإمكان الإ ستعدادي، ذلك ان هذا الإمكان يحث الأنسان الذي يفقه جوهر المفهوم على توفير الاسباب والشروط التي من شأنها تحريك الإستعداد النائم، تحريك الطاقات المعطلة، تفجير الذات الإ نسانية، حقا، ان فكرة الإمكان الإستعدادي من منظور تربوي واع، من منظور قراءة براكماتية مسؤولة، يخلق ذاتاً هائلة، ذات متخلّقة باستمرار، ذات متحوّلة عن وعي وبصيرة وفهم ويقظة. نظرية الإمكان بحد ذاتها توفر أروع فرصة للجمع بين العقل وا لخيال، فهي نظرية فلسفية عقلية، ولكن التشرّب بها، وتفهمها والتفاعل معها، يؤسس لخيال خصب، ربما يكون بداية لإبداع خلاّق، ومن هنا نستضيف بكل إفتخار ما يُنقل عن إبن سينا قوله ( كل ما طرأ على الأذهان ذره في بقعة الإمكان )، هنا سياحة خيالية ر ائعة، ولكن بلحاظ الأمل وليس بلحاظ التنفيس عن آلام مكبوتة او بلحاظ تسلية مؤقتة، ففكرة الإمكان تفتح الذهن الإنساني على مشاريع كبيرة، وهل كانت النظريات العلمية والإكتشافات النظرية الكبيرة في التاريخ غير خيال في البداية؟
نظرية الإمكان تخصِّب الخيال بالقوة وبالحيوية وبالدفق الشعوري المعطاء، بل هي تنقذ الخيال من تخرّصات الناقدين السذّج، لك ان تتخيل، وعليك ان تؤمن ان الخيال ممكن ان يتحول الى واقع محسوس، شريطة ان لا يكون من المستحيلات.
العوالم الممكنة لا نهائية، مجرد ان تسلم من التناقض فهي ممكنة، وبالتالي لك ان تطلق عنان الخيال بلا حدود سوى حد التناسق والإنسجام، أي الفرار من التناقض، وهل الفن في بعض ممارساته ومعاناته غير هذا التحليق في عوالم ممكنة نظريا ولكنها ليست متحققة على ارض الواقع؟ وهل المدينة الفاضلة سوى خيال يداعب أحلام الفلاسفة؟ وقد إنطلقت نماذج جديدة من الهندسة بتخيل أمكنة أُخرى، وبالاعتماد على فرضيات غير متناقضة.

&3
المعقولات تشغل حيّزاً جوهريا في المنهج المنطقي الارسطي، ونقصد بطبيعة الحال المعقولات الكلية لانها هي مدار الإهتمام في هذا المنطق، كما انّها ـ أقصد المعقولات / الكليات العقلية ـ لها موقعها الخاص والممتاز في الفلسفة بشكل عام، ويكفي ان تكون المعقولات هذه ــ اي المقولات العقلية الكلية ـــ نسق العقل وماهيته في جدل هيجل، ومن قبله كانت فلسفة كانظ عبارة عن فلسفة مقولات بالدرجة الاولى، وقد تفننوا في تعريفها وبيان أهميتها وتصنيفها وفي الكشف عن مصدرها وعملها، وعددها وموطنها، ويتجه المنطق الرسمي الى تقسيم المقولات هذه الى ثلاثة أصناف، الاولى هي المقولات الطبيعية وذلك مثل الأنسان الكلي والكتاب الكلي والشجرة الكلية، والثانية هي المقولات الفلسفية مثل الكلي والجزئي والموضوع والمحمول والتصور والتصديق، والثالث هي المقولات المنطقية مثل الامكان وا لوجوب والممتنع والعلة والمعلول والشدة والضعف وغيرها.
يذهب الإتجاه الرسمي الى ان مصدر المقولات الطبيعية هو الواقع الخارجي، الذهن يلتقط هذه الكلية من الموجودات الجزئية من الخارج، فالكتاب الكلي مُنتزَع من الجزئيات، من هذا الكتاب وذاك الكتاب، ويكون ذلك عبر المقارنة بين هذه المفردات وإسقاط ما به الاختلاف من لون وطول وحجم وموضوع ووزن ووضع، وإبقاء ما فيه الإشتراك، وما فيه الإشتراك هو الكلي الطبيعي هنا، مقرّه أو موقعه صقع الذهن، ولكنّه يصدق على هذا أو ذاك من مفرداته الخارجية، وذاك بالتساوي او بالتشكيك.
أن الكلي الطبيعي كما هو مذهب بعض الفلاسفة يُشتق من المشرك الساري بين الأفراد، وبالتالي نستعين بهذا المشترك على الحمل والأخبار، بل سيكون موضوع العلم الطبيعي، وعملية الإنتزاع هذه كثيراً ما تكون سليقية سياقية، تأتي بالفطرة والعفوية، ولكن ماذا لو تحوّلت فكرة الكلي الطبيعي بمفهومه وصيرورته إلى شعلة متوقّدة في الذهن؟ ماذا لو تحوّلت عملية الإنتزاع إلى مران عملي في حلقات الدرس أو أي مجال معرفي آخر؟ أعتقد سوف تحفّز الذهن بشكل خفي على المزيد من إسقصاء ما فيه الأختلاف من جهة وما فيه الإشتراك من جهة ثانية، بغية تحصيل أقصى درجة من التجريد، سوف تحفر في الذهن رغبة المقارنة العريضة، سوف تحقق في ذواتنا سليقة البحث المستمر، سوف تمنع الذهن من الإطلاق في كثير من الإنتزاعات، إنتظاراً لمزيد من السبر والبحث والمقارنة، كي نقع على مقاربة المشترك بدرجة عالية أو تدعو الى الإطمئنان، سوف تعلمنا فن التواضع العلمي.
إنّ مزيداً من السياحة في عالم الوجود سوف تزوِّد الذهن بالكثير من المعقولات الاولية، وهذه المقعولات الأولية سوف تنشط الذهن، تحرّكه، تتصاعد بقوته على الاستنتاج والإستنارة والفهم. فهل نحاول الإستفادة من فكرة الكليات الطبيعية على المستوى التربوي الفكري؟
المقعولات الثانية المنطقية منها والفلسفية يشتقها العقل من الكليات الطبيعية، فهي بمثابة أحوال وصفات وخصائص للاولى، وهي إنتزاعات عقلية من تلك الكليات الأولية، وهذا يعني ان هناك معركة توليدية عقلية بحتة تتم في صقع الذهن، هناك خلق ذهني مبدع، وياليت تتحول علوم المنطق والفلسفة الى تنظير معادلاتي وفي الوقت ذاته تمرين وتمريس على الخلق والإبداع.
&
&4
يقرر بعض المناطقة ان الحدّ صعب إن لم يكن مستحيلا، فان الإطلاع على الذاتيات من جنس وفصل عسير المنال، وربما عصي على البحث والطلب، سواء كان حدّاً تاماً أو ناقصاً، وليس من شك يُلحق بذلك التعريف بالرسم التام، لانّ للذاتي مدخلية في هذا التعريف وإن كان الجنس البعيد، ومن هنا كان الإتجاه السائد هو التعريف بالرسم الناقص، أي بالخاصّة فيشمل على العرَضي فقط، ولذا فأن التعاريف التي نقرأها أكثرها أو كلها كما يقول المظفر رسوم تشبه الحدود، ولا يهمني هنا التأكيد على الخاصّة اللا زمة بالمعنى الأعم، بل يهمني أن هذا الناي عن الذاتيات بالتعريف يحترم العقل، وينقذه من المتاهات والغموض، ولا ننسى ان التعريف بالخاصة كتعريف الانسان بالخاصّة يتيح الفرصة لتعاريف عديدة، الامر الذي يكشف عن غنى المعرَّف كما أنّه يطلق عنان الإكتشاف والسبر والتفصيل والبحث، وليس سرِّاً أنّ الخاصّة عرض والاعراض هي موضوعات العلوم.

&5
طرحت الفلسفة الإسلامية نظرية إتحاد العقل والعاقل والمعقول لتسمو بالنفس الانسانية على طريق التكامل المستمر، وترتقي بها على درب الإشتاد المعنوي المتصل، والإرتقاء في مدارج التكامل المعرفي، فالنفس الإنسانية لا تختزن المعارف التي تتلقّها، وليس هناك عملية إ نضمام وإحتواء، وليس هناك نقش على صفحة تُسمى الذهن، بل هناك عملية تذوات كامل بين الفكر والنفس، فالنفس الانسانية وهي تعلم، إنِّما يشتدّ وجودها ويغتني، فـان الذات تكون عين العلم، وبذلك تتحول النفس الإنسانية الى وجود علمي، لها مراتبها العلمية، ولمَّا كان العلم لا ينفك ينثال على الذات من الخارج الكبير، فان الذات الانسانية مسيرة علمية متقدة بالحضور المتصاعد، فهل إنتبه الإنسان لنفسه أنّه مسيرة متصاعدة؟ وإذا عرف ذلك هل تهون نفسه إنصياعاً لهوامش من الوجود العارض المستهلك؟ وليس يشترط بهذا العلم ان يكون مطابقاً للواقع أو يكون من لدن الخبير بالطريق اللدني، وفي ذلك إشارة لابد انْ تؤخذ بنظر الإعتبار.