نسرين الفار


&
مع حلول العام 2004، تستمر مقولة "التسارع" دارجة على ألسنة الشعوب في كل بقاع الأرض، فبالرغم من محاولات كبح جماح الهيجان الذي أثارته العولمة، وأضافت على مصطلحات علم الاقتصاد الجديد من العبارات والرموز التي لم يكتمل تدريسها بعد في المعاهد والجامعات الاقتصادية، في الوقت الذي بدأت فيه تلك المصطلحات تدخل في سياق تعميم وتحديد هوية الدول النامية في العالم، ذلك أن "التسارع" المشهود في العولمة، والتضخمات الرهيبة في ثورة رأس المال أصبحت بحاجة إلى تقويم جديد لمرحلة جديدة نتجت عن استعمار العالم المادي بحيث تلتفت أنظار المفكرين وأقلام المحللين إلى رؤية واستشراف ما بعد رأس المال أو ما بعد العولمة.
وضبط إدارة الجيل الحديث من رأس الما ل، أصبح يحتاج لمعايير ومقاييس مختلفة، وأصبح من عدم الإمكان& مراقبة تطرف رأس المال في العالم وسيطرته على الحراك السياسي والاجتماعي والثقافي، وذلك بالرغم من أجهزة الحواسيب الحديثة والمصفوفات التي تُعد بالمليارات لجدولة نظام النقد العالمي وحركة الأسواق والبورصات العالمية، الأمر الذي دعا لصناعة مصفوفة حديثة مهمتها فقط مراقبة وضبط سير عمل المصفوفات الإلكترونية الأخرى بحيث يتم تسييس جميع المصفوفات في منظومة واحدة.
والفرضية المنطقية تقول، أن في كل وحدة صناعة واحدة ومنفردة، ضابط يدير مصالح تلك الوحدة الواحدة و يسعى إلى تطويرها واستمراريتها في الأسواق، وكان الضابط دوما ومنذ أزل التاريخ رجل المال والجاه والثروة.
والعالم اليوم يقف أمام تحول تاريخي لم تظهر نتائجه العلنية بعد، وهذا التحول هو تحت ضوابط& من؟ وتحت إدارة من؟ ...
ـ الشعوب تحدد هوية ذاك الضابط، وتعتبره المسبب في حدوث أي كارثة تلحق بالبشر نتيجة الثقافة التصادمية مع نظام الإقطاعية التاريخي، والضابط يدافع عن نفسه بقوله بأن الضابط الحقيقي والطبيعي هو فلسفة البشر وطريقتهم في الحياة، وهذا ما تثبته دوما السياسة الأمريكية في العالم، حيث لا يوجد هناك "إما الحياة وإما الموت"، وبالطبع خرجت أمريكا من منطقة العقول إلى مرحلة الحرب من أجل الاستيعاب، بعد أن تمادت في رفاهيتها، وتركت الشعوب لا تفكر إلا بأقل القليل من الحقوق التي تؤهلها للعيش الكريم، ولكن ضمن أطر العولمة واتجاهات العالم الحديث، فكيف لتلك الشعوب إذاً أن تفكر؟! ...
لقد أخطأ العالم بقدر ما أخطأت أمريكا، وأخطأت الشعوب والمجتمعات الإسلامية كذلك، بقدر ما أخطأت عواطفها في تحديد معالم كياناتها ضمن صراعات عالمية هائلة ...
واكتشاف الخطأ، أو على الأقل التأكد من أنه خطأ، يجعل تفكيرالعالم ينقلب فجأة ويشتّ عن مساره القديم، ويمارس الحياة الجديدة بأسلوب آخر، وبالتالي فإن الفيزياء والرياضيات مثلاً لا يحتملان ولو جزءا ضئيلا من الخطأ لقراءة باقي معادلات التغيير والمنظومة الحديثة، لذا فأمر طبيعي أن كل ما يُرى ويُسمع و يُمس يقول بأنه لا بد من دخول سباق جديد لإدارة على الأقل بعض ما يجول في عقلية تلك المنظومة التي تحتوي العالم.
إن مقارنة بقاء مصفوفات العهد القديم الذي نتج عن الثورة في التكنولوجيا نتيجة اكتشاف الموصليات الفائقة، مقارنة بولادة علوم وسياسات ومشاعر جديدة تتمثل بدخولنا مرحلة العصر، تلك المقارنة تحتاج إلى إثباتات ووقائع وأحداث عاشها العالم فترة القرن الماضي، كما تحتاج لرسم خارطة المنظومة الجديدة واستشراف المستقبل، وبين هذه وتلك عملية دقيقة مستحيلة، لن يستطيع البشر ممثلين بالمنظمات والهيئات الدولية استيعابها وبفترة قصيرة من الزمن، وهنا يستسلم الواقع القائل بأن من يمتلك التكنولوجيا يمتلك بالتالي مفاتيح المستقبل.
وهناك العديد من الدول الغنية اختفت فيها مدارس اقتصاديات السوق، والأسواق الفقيرة، والتمويل الأجنبي وحتى قيم ومبادئ الصفقات التجارية الصغيرة، في المقابل فإن غالبية الدول من تحاول فهم ودراية وتناول تلك المفاهيم تحت يافطة الحضارة والتطور والتحديث والانفتاح.
إن سياسة النظم الداخلية للمصفوفة سياسة تعتمد على الضابط الرئيسي الجالس في غرفة التحكم، لكن هذا الضابط هو متحكم معزول عن أية محاولة للتحكم به، وإن الشرائح الداخلية للمنظومة بالتالي تستمر ضعيفة أمام مجاراة "التسارع" بلا رؤية فكرية عالمية تراقب بطريقة موازية عقلية وتصرفات الضابط، وتستطيع لحظة أي خلل إلكتروني أو فني المساعدة على إصلاحه لحماية الدول والشعوب النامية والفقيرة في هذه الأرض.
والولايات المتحدة الأمريكية، تحاول استطلاع الرأي العالمي من العمق لإخضاع سياساتها إلى التوافق بينها وبين العالم ومبدأ السيادة، ولا ندري& ما& مدى تصور الشعوب عن العدالة الأميركية ومبدأ التوافق الذي تحاول أميركا خلقه ليكون توافقاً عالمياً كلياً،هدفه كما يُقرأ من كافة وسائل الإعلام والمحللين والمفكرين هو إثبات السيطرة والهيمنة على العالم.
&
الفرضيات العالمية الحديثة تتكلم عن رؤية تحاول من خلالها تقليص آلية التحكم للمنظومة الجديدة ولذلك فهي تدخل مرحلة التفكير الجديد، ومثال على ذلك هو إقامة القمة العالمية لمجتمع المعلومات في جنيف الذي أشرفت عليه منظمة الأمم المتحدة وقد افتتح القمة أمينها العام كوفي عنان ناشد فيها قادة العالم المشاركين إشراك الدول الفقيرة والأمية في صلب موضوع تكنولوجيا المعلومات والمجتمعات الرقمية.
ولا يفهم من طبيعة الحال وتسارعات التحول العالمي الجديدة مدى قوة السياسة على احتواء التطورات الحديثة ومدى خيارات الشعوب والمنظمات الدولية في المشاركة بعملية الاحتواء تلك.
إن من أبرز المعالم التي ظهرت خلال العقد الأخير، هو البينية المتباعدة بين إشراك الفكر في نظريات رأس المال، وبين مفهوم إدخال تكنولوجيا المعلومات من أجل عصر حضاري منفتح ومستنير، وكبوة رأس المال بجانب إدخال تكنولوجيا المعلومات في الدول النامية، أدى إلى تضخيم أسواق "غسيل الأموال" وإعطاء الشرعية بغسل أموال الحروب والنزاعات العسكرية المسلحة، إضافة إلى سياسة مكافحة الإرهاب، التي تتزعمها أيضا أميركا.
تكمن هناك عناصر بارزة في تركيبة المنظومة الجديدة التي مهمتها تنظيم حياة المصفوفات الأخرى، ويمكن أن عقولنا قد تشرّبت بالتكنولوجيا وهوسها المستمر وتشرّبت بالتفكير المكثف بالعولمة لدرجة أننا قد نفسر الحياة من خلال الشرائح الإلكترونية، لأننا نشعر بحجم الخضوع للتكنولوجيا ولأننا نحاول فك رموز وطلاسم المصفوفة.