&
رولا نصر من بيروت: بعد حوالي شهر ونصف الشهر من الإعلان عن الأغنية المفاجأة التي حضرّتها المطربة اللبنانية نجوى كرم، والتي تحكي موضوعاً وطنياً وإجتماعياً عن هجرة الشباب اللبناني إلى الخارج بسبب
الأوضاع المالية والإقتصداية الصعبة التي يعانيها، صدرت وأخيراً الأغنية التي بقيت محط أخذ وردّ في دوائر الأمن العام اللبناني، وتم الإفراج عنها منذ أيام قليلة فقط، بعد أن حذفت منها مشاهد المظاهرات التي اعتبرت قاسية ومحرّضة...
بادرة جميلة من الفنانة كرم، في تقديمها أغنية عن الوطن وللوطن، ولكن...
بعد سماع الأغنية من خلال الفيديو كليب الذي قام بإخراجه سعيد الماروق، لا بدّ وأن نسجل بعض الملاحظات أو بالأحرى التحفظات:
قد لا يخفى على احد أن الشعب اللبناني بأسره يتخبط في أزمة مالية خانقة لا يعلم سوى الله متى ننتهي منها، فهل نحن بحاجة إلى من يذكرنا بمعاناتنا اليومية؟
أليست مشاهد السواد والدمار تحريض آخر على الهجرة، بدل أن يكون صوت نجوى التي تحظى بتقدير واحترام الجميع، بادرة أمل لهذا الشعب المثقل بالمتاعب والهموم في بحثه عن لقمة عيش كريمة؟
أجمل ما في الأغنية هو كلامها الذي وصف بشكل دقيق حالتنا اليومية، وهموم الأهل تجاه أبنائهم ومستقبلهم، وعن انتشار الهجرة خصوصاً في اوساط الشباب، بينما يطالب المسؤولون بالعودة، ليتفاجأ المغترب بوضع أصعب من الذي تركه وراءه عندما قرر أن يهاجر... ولكن أتى اللحن وكأنه في وادٍ آخر بعيداً كل البعد عن أهمية الإنسجام والتناسق ما بين الكلمة واللحن. لحن بدا أقرب إلى أغنيات نجوى كرم العاطفية والإيقاعية مثل "سحرني" و"عاشقة"، و"كيف بداويك" وغيرها، بالإضافة إلى التوزيع الموسيقي المصاحب للأغنية والذي لم ينسى بدوره اللون الغنائي الذي اشتهرت به نجوى كرم، في الوقت الذي يجب أن تحمل فيه الأغنية&الوطنية نمطاً وأسلوباً مغايرين.
نرى نجوى وهي ترتدي فستاناً أسوداً، تمشي وإلى جانبها طفلة صغيرة في شوارع بيروت (وسط بيروت التجاري) وفي المطار الذي نراه خالياً إلاّ من الأشباح. صحيح أن موديل الفستان بسيط نسبياً، ولكن هل يخفى على أي كان أن ثمنه الباهظ أضفى عليه طابع الأناقة والشياكة التي لطالما زينت ملابس نجوى كرم؟ فكيف نقتنع كمشاهدين أن هذه السيدة الأنيقة بكامل ماكياجها وتسريحة شعرها، تقف وتغني امامنا، هي نفسها الصوت الذي يقول لنا أن المسؤولين "سرقونا" وبأنها لا تمتلك ثمن حبة دواء لوالدتها.
من الطبيعي أن نجوى لن تظهر بملابس رخيصة لأنها فنانة تحرص على إطلالتها امام الجمهور، إذا ألم يكن من الأفضل تصوير الأغنية، او على الأقل المشاهد الخاصة بغناء نجوى، على إحدى المسارح العالمية مثلاً، فتكون نجوى من خلال الكليب الصوت الذي يوصل المعاناة إلى العالم!
ثم تأتي مشاهد العروس مرتدية الأسود، مشهد لم نرى أي فائدة أو معنى له سوى تعتيم نظرتنا للحياة اكثر فأكثر، وهي أصلاً ليست بحاجة إلى مزيد من السواد. هذه الصورة الحالكة ومشاهد بيروت المدمرة والخالية من الناس في 2020، ليست سوى رسالة واضحة، تقول لمن لا يزال يعيش في بيروت: إرحل اليوم قبل غد، ماذا تفعل في مدينة الأشباح؟
بما أن الكل يفكر بالهجرة أصلاً، اما كان أجدر تقديم رسالة مغايرة للواقع تشجع الشباب على المضي قدماً رغم كل الصعوبات، والبقاء في أرض الوطن الذي يعشقه الكل ويعتبرونه "رسالة"؟
فيروز غنت المعاناة وغنت الحرب، لكنها قالت: "سنرجع يوماً"، كما أن جوليا بطرس أيضاً غنت عن الحرب لكنها قالت "منرفض نحن نموت".&عذراً، ولكن هذه الأغنية ليست ما نحن بحاجة إليه، وليست المدرسة او الخط السياسي الملتزم الذي يقنعنا، وليست هذه هي الصورة القاتمة التي نريد توريدها للعالم عن لبنان. بيروت التي بنيت بسواعد أبنائها بعد الحرب، لن تصبح خالية أبداً، لأنها مدينة حياة وليست مدينة أشباح وموت، والا كيف نفسّر يوماً بعد يوم إزدياد عدد السواح العرب والأجانب في موسم كل صيف وفي اجازات العيد، والذين يحضر قسم كبير منهم حفلات نجوى كرم ويدفعون ثمناً لأسعار البطاقات أكثرمن 400 و500 دولار امريكي؟
لم لا تقوم نجوى كرم وغيرها من الفنانين بإحياء مهرجانات بسيطة يحضرها من هو قادر على دفع 10 دولارات ثمناً للبطاقة، إلى جانب حفلات الفينيسيا وأشهر الفنادق واكثرها فخامة؟ وأين الحفلات الخيرية التي لم نعد نسمع عنها منذ سنوات طويلة، التي وبدل من أن تحبط من عزيمة الشعب والناس، تساعد ولو بجزء بسيط من هو بحاجة إلى المساعدة....
جميعنا توقعنا بعد الضجة التي أثيرت حول توقيف الأغنية من قبل جهاز الأمن العام، أن تكون "ليش مغرّب" الأغنية الحدث، لكنها وللأسف كانت الأغنية الصدمة، الي دفعت للسؤال "لماذا في هذا التوقيت بالذات؟ وهل معاناة اللبنانيين جديدة لتغني لهم نجوى كرم بعد عشرين عاماً من احترافها الغناء؟
&