خريطة شرق الرياض
"إيلاف" من الرياض: كشفت الحرب السعودية على الإرهاب، في الرياض تحديداً، عن ملمح اجتماعي ومهم، وهو أن شرق الرياض غدا هو المحضن الرئيسي لنشاطات الإرهابيين، والمخبأ الأساسي لهم، بل إن الأيام أظهرت تمحور نشاطهم في هذا الجزء من العاصمة، بعد أن كان حي السويدي، جنوبي الرياض، هو المنبت وهو الميدان
إلى أن انحسر دوره كلياً منذ مقتل إبراهيم الريس، أحد المطلوبين في قائمة الــ26، في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي إثر إبلاغ أحد المواطنين عنه.
وسبب الانتقال إلى الشرق غير معروف على وجه الدقة، خصوصاً أنه ساد، لوقت طويل، اعتقاد مفاده أن حي السويدي المتشدد دينياً، والمحافظ اجتماعياً، والمعارض لكل إجراء تطويري يخدش الوضع القائم، هو البيئة المثالية لاحتضان البذرة الإرهابية وحمايتها، سواء بحكم ظاهرها الديني التقي، أو نتيجة تغلغل المد الجهادي في مفاهيم أبناء الحي الذين جاء تعليمهم الأساسي من دروس المساجد، بما كان يحمله بعضها من نفس جهادي تحريضي صريح وواضح، إضافة إلى متانة الرابطة الدينية بين أبناء الحي المنحدرين من بيئات متلازمة اجتماعياً وأسرياً. كما اتسم معمارياً بمنازله عائلية الطابع حتى تكاد العمائر ذات الشقق تنعدم فيه، وينعدم، تالياً، وجود الأجانب.
والمتابع لتاريخ حي السويدي يلحظ أنه كان ميداناً رئيسياً للإخوان المسلمين بتياريهما: البنائي والقطبي، ثم سيطر عليه الصحويون السعوديون قبل أن يشاركهم السلطة، النصف الثاني من التسعينات، الجهاديون أو التيار التكفيري بملامحه المتعددة والشائكة.
وحي السويدي، صورة نموذجية للبيئة السعودية المتدينة في أوائل القرن العشرين، فهو من حيث الممارسة يمثل امتداداً فريداً لها، ولا يختلف عنها إلا من حيث الصبغة الظاهرية المتجسدة في البناء الحديث والسيارات. وكان حي السويدي أول أحياء الرياض التي قاطعت، نهاية الثمانينيات، كل مظاهر الفساد والانحراف، تبعاً للرؤية النجدية التقليدية، ومنها بيع السجائر، والدمى، والمجلات النسائية، وكل المظاهر الأخرى للمدنية الفاسدة، كما أنه الحي الوحيد الذي قاطع، بشكل صارم، أي استخدام لأجهزة التلفزيون، فضلاً عن تركيب الصحون اللاقطة للقنوات الفضائية، التي ظلت غائبة عن سطوح منازل السويدي نحو عشرين سنة، وإن ظهر بعضها، في السنتين الأخيرتين، على استحياء، وبحذر بيّن.
وفق هذا كله، كان من الطبيعي أن يتحصن الإرهاب بحي السويدي، لكنه غادره فجأة، واتجه شرقاً، دون غيره من أجزاء الرياض، مقاطعاً، بشكل كلي، شمال الرياض، وغربه، وجنوبه الواسع بعد استلال السويدي منه، بل إن الشرق لدى الإرهابيين اتخذ نسقاً جغرافياً محدداً اقتصر على بعض أحيائه دون الأخرى، ويمكن محاولة تبيان ذلك عبر الأسباب الآتية:-
1. حادثة الإبلاغ عن إبراهيم الريس أحدثت صدعاً قاتلاً في طبيعة العلاقة بين الطرفين، وحل الشك والحذر مكان الثقة والطمأنينة، وربما خشي الإرهابيون من تزايد حالات الإبلاغ عنهم بعد نشر صورهم، والإعلان عن مكآفات ضخمة، خصوصاً أنهم وجوه معروفة ومألوفة في الحي.ولعل الملاحظ أن قائمة الـــ26 تضمنت نسبة مهمة من المولودين أو المقيمين في السويدي.
2. أن "السويدي" منطقة مغلقة جغرافياً، ومحاط بأحياء تعتبر معادية وفق الرؤية المتشددة، وبعضها مستهدف ومراقب أمنياً بسبب نشاطات غير مشروعة، ومن السهل خنق النشاط الإرهابي حال بقائه داخل السويدي فقط.
3. تمركز النشاط الإرهابي في تسعة أحياء محددة في شرق الرياض يمكن سردها على النحو الآتي: الربوة العليا، الروابي، الريان، السلام، الفيحاء، المنار، الروضة، السلي، الجزيرة. يبقى أن النسيم يلامس هذه الأحياء جغرافياً، لكنه يفارقها من حيث التركيبة الاجتماعية، ودرجة التدين، لذلك فإن ورود بعض الحكايات عنه إنما هو ناتج من خطأ تحديد النطاقات الجغرافية، باستثناء حالات مرور عابرة.
4. الأحياء السابقة تمتلك مواصفات مشتركة، فهي تمتع بأغلبية دينية تمثل، إلى حد ما، امتداداً لثقافة السويدي، ما يجعلها مكاناً ملائماً للنشاط الإرهابي، كما أن معظم سكانها من القصيم ومناطق نجد المحيطة، وهو ما يرفع احتمالات التعاطف إلى حد ما.
5. الأحياء السابقة كبيرة في مساحاتها، تسمح بسهولة التنقل بينها لكونها متداخلة تخطيطياً، كما أنها منافذ للعبور إلى الخرج أو الدمام، إضافة إلى عدة خيارات للانطلاق باتجاه القصيم، وهي تفاصيل مهمة للإرهابيين عند الهرب أو الفرار من مطاردة. وقد أثبتت التجارب الماضية قيمة هذا الخيار، وأحدثها عملية حي الفيحاء هذا الأسبوع.
6. أحياء شرق الرياض ذات كثافة سكانية، وتفضي إلى مناطق استراحات مما يعني نشاط وكثافة الحركة المرورية، الأمر الذي يوفر غطاءاً تلقائياً ممتازاً للتحركات الإرهابية يجعلها تذوب داخل هذا الخضم البشري. ونظراً لكون المنطقة متصلة بالخرج والدمام، فإن الشاحنات وسيارات النقل المختلفة تعبر الطرق الرئيسية المحيطة أو المخترقة لهذه الأحياء بانتظام، وعلى مدار الساعة، ومن ثم فلا شيء يثير الريبة إذا تسللت عربات الإرهابيين بين الشاحنات، وغدت جزءاً طبيعياً منها.
7. تعددت مخابىء الإرهابيين في الشرق، وتوزعت على مساحات متباعدة، ومتباينة من حيث ملامحها المعمارية والاجتماعية بهدف تضليل فرق المطاردة والتحري.
8. من المحتمل وجود حالات تعاطف استثمرها الإرهابيون عبر مساقات مختلفة سواء كان بعضها عفوي الطابع، أم أنه ناشىء من تبني جوهري لمسلك وممارسات الإرهابيين.
9. معظم منازل شرق الرياض واسعة، وحديثة التصميم، ولا تخلو من مواقف داخلية مظللة للسيارات، وأقبية تحت الأرض، عكس الحال في حي السويدي، مما يجعل منها مخابىء مستترة عن العيون سواء للسيارات المطلوبة أو الأسلحة.
10. من خلال استقراء بعض عمليات الدهم للسويدي في الفترة الأخيرة، فإنه من المحتمل أن بعض الخلايا لاتزال كامنة هناك، وربما انتقلت العناصر التنفيذية شرقاً بينما ظلت القيادات مختبئة في السويدي، إلا أن الاحتمال الأكثر منطقية هو أن السويدي بقيت مجرد مستودعات لأسلحة الإرهابيين، أو استديوهاتهم، فمن الواضح أنها منطقة مهيمن عليها أمنياً، ومن السهل العثور على الأفراد المختبئين فيها.
لاشك أن عملية الانتقال هذه منحت الخلايا الإرهابية فرصة محدودة لاستعادة أنفاسها، إلا أن الخناق بدأ يضيق عليها تدريجياً وبشكل متلاحق، وأخذت عناصرها تتهاوى قتلاً واعتقالاً، فهل ستلجأ إلى الشمال أو الغرب هذه المرة، أم أن الشرق سيكون مقبرتها وإعلان الخلاص منها؟.
[email protected]
&