بهية مارديني من صنعاء: فاطمة ناعوت شاعرة مصرية تكتب منذ سنوات، لكنها لم تنشر الا منذ فترة بسيطة نسبيا فاستطاعت رسم طريق لها، وعندما سألتها لماذا التأخير في النشر؟ قالت ان الظروف العائلية تقودك الى حيث لاتريدين، وما لمحته من كلماتها، ان فاطمة الان اقوى لانها ليست فاطمة الشاعرة فقط بل ان عملها كمترجمة هو لون من العلاج تستعيض به أحيانا عن أدوية الاكتئاب، حين تنخرط في الحزن نتيجة أية مؤثرات خارجية تجد نفسها في الترجمة الأدبية فهي تتجنب القراءة والكتابة الثقافية وكتابة الشعر وهي مكتئبة، لأنها فضلاً عن كونها تحتاج إلى مزاج خاص وصفاء ذهن لإنتاجها، لا تحقق لها حال الانخراط التي تنشدها لتنجو من كآبتها، فتجد في الترجمة الأدبية الحل الناجع، لأن بوسعها استلاب تركيزها تماما وإدخالها في شَرَك الضلوع، فلا تستطيع أن تترك مكتبها قبل أن تنتهي من العمل، بما يعني ثماني ساعات متواصلة من العزلة التامة، عادة ما تخرج بعدها طفلا يطلب مزيداً من الحياة.
&
فاطمة وقصيدة النثر
التقيت فاطمة في صنعاء عبر حوارات عديدة وقالت انها عندما تقدم نفسها عادة تقول انها شاعرة ثم تستطرد قائلة ولكني اكتب قصيدة النثر وكأن النثر جريمة مع ان قصيدة النثر هي محاكاة الحياة بالمعنى الفلسفيّ، لا التشكيليّ، انتثار القيم والموجودات، هدم المُسلَّمات والأيديولوجيات والأُطر، سقوطُ السُّلطاتِ والثنائيات الفكرية، إعادة النظر في المقدس والجميل، المفهوم الجديد للإيقاع و التناغم والتنافر، تلك بعض مفردات الوجود الجديدة التي نحياها والتي تحاكيها قصيدة النثر بامتياز.
انتقال الشعر من الخانة التبشيرية إلى خانة السؤال كان يتطلب في الأساس كسر القالب الذي يشي بامتلاك اليقين والذي يعمّق الإشارة إلى ألوهية الشاعر وامتلاكه قبضة الحق ويحيله إلى محض بشريّ استوقفه سؤال الوجود عازفًا عن القيد طامحًا إلى التحليق في براح النص بغير حاجة إلى رتابة ركضة الخبب أو وثبة الرجز.
في ظني أن قصيدة النثر هي اختبار دقيق وحاسم لشعرية شاعر، إذ يدخل ساحة الشعر أعزلَ من أدواتٍ وأسلحةٍ طالما تخفّّى وراءها متشاعرون، فيما الآن لا محلّ لهذه اللعبة، الشعر ينبع من ذاته ويرتكز على شعريته فحسب، بغير عكازات أو دعامات خارجية، إما شعرٌ صافٍ فيقف سامقَ النسغ، أو ركامٌ متهاوٍ سرعان ما يموت بغير أسف عليه و بغير بكاءٍ على طلله وان فلسفة قصيدة النثر هي الأكثر مناسبةً للفترة الراهنة التي نحياها في ظل سقوط السلطة على كل المستويات وبالتالي سقوط سلطة قوالب الشعر الخليلي الجامدة و كذا تشظي العالم ما يجعل من النثرية منهجا أكثر ملائمة للحياة.
&
الازمة الثقافية والابداع
&واعتبرت فاطمة انه لا شك في أن الأزمة الثقافية التي يعيشها العالمُ العربي هذه الفترة، ستكون مناخاً خصباً لاستشراء أزمة إبداعية أو لنقلْ أزمة يحياها المبدعون الحقيقيون. فالكتّابُ الجدد يواجهون مشكلةً في إيصال أصواتهم إلى القارئ. وهذا يدفعنا إلى الحديث عن طبيعة القارئ الحالي ومدى استحقاقه لقلب القارئ.
و نجد أن نوعا جديدا من القراء قد غَيّبَ النموذجَ الصحيّ للقارئ التقليدي القديم الذي كان يُعدُّ الكتاب أحد أهم مصادر ثقافته ومتعته. لقد اختلف الحال الآن، مات القارئ الحقيقي أو كاد، أو لنقل تحوّل إلى قارئ مؤقت أو غير مدرَّب ولا يحفل إلا بالكتاب الاستهلاكي السريع الهضم. ولهذا أسباب ليس أولها انهيار النظم التعليمية والتثقيفية في البلاد، واختلاف مفهوم الثقافة وأهميتها بالنسبة للنشء الجديد، لكن أخطر الأسباب هو اختلاف الكاتب ذاته، ولا أنكر أن في الوطن العربيّ الآن رموزا أدبية وفكرية رفيعة، ولكن وجودهم إلى جوار آلاف الكتّاب المتوسطين جعل الحصول على كتاب جيد بسهولة أمراً مشكوكاً فيه ولن أعزو هذه المشكلة إلى سهولة النشر الآن، فتلك ميزة بالطبع لا يجب تحميلها تبعات المشكلة، لأن الاستراتيجي المدروس إذا نُفِّذ عبر تكتيكٍ خاطئ لا ينتج إلا نتائج سلبيّة، لكن الشاهدَ أن غيابَ حركة نقدية صحيّة، تفرز الغثَّ من السمين، زاد الأمر ارتباكا.
&ووجدت فاطمة ان من واجبها تقديم بعض التجارب الشعرية ونقدها لانها كما اكدت انه لاوجود لحركة نقدية حقيقية في الوطن العربي بل هناك تكاسل رهيب في ابراز المواهب الحقيقية واهابت ناعوت بالشعراء تقديم تجارب بعضهم المتميزة.
&
مشرفون لا يقرأون
على صدر كل كتاب صادر عن مؤسسات الدولة أسماء كثيرٍ من الكتّاب المفترض أنهم لجنةٌ استشارية قرّرت أن هذا الكتاب يستحقُ النشر، لكن أحداً من هذه اللجنة لم يقرأ المخطوطة قبل أن تصير كتابا، وأنا أتحدث من واقع تجربة، فقد صدر لي كتابان عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ورحت أهدي كتابي لبعض الأسماء المكتوبة على ترويسته وانتبهت إلى أن أحدا منهم لم يقرأ بل لم ير المخطوطة من قبل، إذاً غياب لجان القراءة ومن بعدها غياب الحركة النقدية جعلا سوق الكتب عامرا بإصدارات لا تستحق الورق والمال الذي تكلفته فضلا عن استحقاقها عناء القراءة، من هنا بدأ القارئ ينسحب ويُستقطب نحو مجالات أسهل لا تكبّده عناء البحث عن الجيد لكنها من جهة أخرى تستلب من جوهر مكوّنه المعرفيّ فكانت الأزمة الثقافية المروّعة التي نحياها.
ولكن على الجانب الآخر، ثمة مواهب حقيقية تجد عناءً في الوصول لدائرة القارئ إن كان ثمة قارئ وهنا يلعبُ الحظُّ لعبته، وأنا أكره هذه الجملة التي لا أجد لها مدلولاً منطقياً. وأعيد الكرةَ مجدداً لفقر وتكاسل الحركة النقدية التي من أول واجباتها البحث عن المواهب الحقيقية والعمل من أجلها ومن أجل القارئ معاً. الحركة النقدية الواعية التي من المفروض أن تلمَّ بكل كلمة تكتب في كل صحيفة وكل كتاب، ثم تعمل لتوقف نزف الترهات والعبث الذي نقرأه كلّ يوم.
يمكنك بسهولة أن تجدي أدباء مكرسة أسماؤهم يفشلون في إقامة جملة عربية سليمة ومبررهم أن الإبداع لا علاقة له باللغة، ومع هذا تفرد لهم الصفحات لأن لهم علاقات وعلائق مع القائمين على دورية ثقافية ما، وفي المقابل أعرف كتّاباً حقيقيين قطعوا ويقطعون آلاف الكيلومترات الأوديسيوسية من أجل نشر قصيدة أو قصة في منبر ما.
&
مهمة القارىء
واعتقدت فاطمة ما يجب أن يفعله القارئ هو بالضبط ما يفعله الشاعر و أيضًا ما يجب أن يفعله كل إنسان، وهو الغوص داخل الذات والإبحار في عمق العمق لاستكناه الجمال، بداخلنا مناجم شديدة الروعة، نغفل عنها وننشغل بالبكاء حين يباغتنا قبح العالم، دعينا نستخرج المسرّة من ذواتنا وإن لم نجدها نخلقها، هذا ما أظن أن الله يريده ويتوقعه منا، الله تعالى لم يخلق قبحًا على الإطلاق، إن كان ثمة قبح أو خطيئة فنحن صانعوها وحتى هنا لا مشكلة هناك،المشكلة الحقّة أن نستسلم لهذا ولا نقاومه فضلا عن غفلتنا عن رؤية الجمال وتأصيله وتكثيفه.
&فالفن هو المعادل الموضوعي للقبح في العالم وهو التطهر من الآثام لننعم بملكوت الجمال والفرح..
&
التصنيف الادبي المرفوض
وفاطمة ضد التصنيف الكتابيّ نسويًا ورجوليًا، ولو وافقت عليه يجب بالتبعية أن أقتنع بوجود موسيقى نسوية، وفنٍّ تشكيليٍّ وعمارة وسينما ومسرح..نسوية وأخرى ذكورية. جوهر الأمر أن ميكانيزم تناول المرأة لأي فكرة أو موضوع قد يختلف عن تناول الرجل، مع احترام وجود فروق لا نهائية كذلك بين فرد وآخر بصرف النظر عن النوع، وكذا على المستوى البيئي والحضاريّ والجغرافيّ والعقائدي وغير ذلك. يمكن للمرأة المبدعة أن تكرّس أنوثتها في الكتابة فتبدو التجربة نسوية ويمكن لها أن تنتهج الشمولية والقضايا الوجودية فتتماهى مع الوجود الإنسانيّ الأكبر. الأمر كاملا يقبع في طبيعة القلم.
&
خيبة امل
وتعتري فاطمة خيبة أمل ضخمة بعد دخولها عالم النشر وقد حاولت التعبير عنها بالقول:أنا أكتب منذ أمد بعيد على هامش العمل الهندسي لكنني لم أفكر في النشر إلا منذ سنوات قليلة، تلك السنوات التي اكتشفت فيها كمَّ الأمراض الثقافية التي نحياها والتي جزء كبير منها، المثقفون ذواتهم مسؤولون عنها، وليس فقط الأحوال السياسية والمناخ العام الآخذ في التحلل، وكأن المثقف يسهم بمعول في الهدم. كنتُ قديما أتصور الكاتب نصف إله، لأنه من ينظّر للبشر ويكتب لهم حياتهم، ويصحّح مساراتهم. فهو كائن لا يخطئ ولا ينبغي له الخطأ. أعلم أن تلك النظرة المثالية هي نتاج لفقرٍ ما في المعرفة أو الخبرة، ولا أدعي العكس، لكنني أعترف بأن اتساع معرفتي وخبرتي قد جلب لي الحزن فصدمتي في المثقفين والكتّاب لم تجلب لي إلا الألم. لإن همَّ المثقف لم يعد الثقافة والكتابة والارتقاء وحسب كما ينبغي له، لكن شغلته أمورٌ قشرية كثيرة ألهته عن الحراك الحقيقي الذي هو منوط به، وقد نقول إن تلك ردّة فعل مباشرة لحال الإحباط والتأزم التي يحياها، ولكنني لا أعفيه من غفلة الوقوع في الشرك. قال لي مرة أحد الشباب مبررا كونه لا يقرأ، نحن محبطون!، لكنني أرى أننا تجاوزنا مرحلة الإحباط إلى ما هو أسوأ، نحن في مرحلة تشبه التماهي مع القبح.
واكدت فاطمة ان الإحباط مرحلة مهمّة لأنها تسبق الثورة، وهذا استنادا إلى عجلة الحراك التاريخي، فكل ثورة حقيقية ساهمت في تغيير شامل سبقتها مرحلة من الإحباط والانكسار، لكن تخطي تلك المرحلة إلى نقطة الالتقاء والتماهي يخلق المحنة الحقيقية وينتج درجة من السعادة والاتساق مع واقعٍ مأزوم، وأحسبُنا وصلنا تلك النقطة، وأرجو أن أكون مخطئةً في تلك التصورات العدميّة.&