أمجد ياسين
&
&
&
في مجمل رؤيتنا للوحات الفنان سلمان البصري التي شارك فيها مع عشرة فنانين عراقيين آخرين في مهرجان حضارة وادي الرافدين(لقطة على العراق)& 26-28 /5/2004 والذي أقامته مؤسسة أكد للثقافة في متحف العالم في روتردام ،أن تعامله مع الأشكال الهندسية هو عبارة عن إخضاع البعد الرياضي للفن ولطاقة الألوان التي تميزت بحرارتها الشرقية ورؤيتها المباشرة.
&يخضع الفنان سلمان البصري اللوحة في أعمالة إلى تنويعات رياضية عده تقف جميعها عند عتبات الشكل الهندسي، المربع والمستطيل غير المكتمل الأضلاع والقوس والهلال، وكذلك الحروف العربية أو الكتابة مستفيداً في كل ذلك من بنية العمارة بشكل عام والعمارة الإسلامية بشكل خاص. وهي طريقة لو نظرنا لها في مجمل أعماله نجدها قاسما مشترك عمل في ضوئها في السنوات الأخيرة مع أن الكثير من هذه الملامح كانت ملازمة لأعماله السابقة ولكنها بدت في السنوات الأخيرة أكثر وضوحا.
يشغل المربع حيزاً كبيراً في لوحته لأنه البنية التي يمكنها أن تملأ مساحات لونية تسهم في تجاور الكتل، لا بل أن المربع مع الهلال يشكلان الثيمة الأساسية في مجمل العمل الفني، وهي ثيمة فيما لو دققنا بها نجدها بجذور إسلامية. فهو ينتزع من المشاهد القسم الأكبر من الاهتمام لمحاولة تفسيره أو الإلمام بأبعاده ونهايات زواياه التي يعمل الفنان على أظهار أهميتها من خلال تقنية الرسم المستخدمة، الخطوط
الحادة وتباين الألوان وشفافية المرأى الداخلي، وكأن عاملا نفسيا يعيده إلى مكونات دينية قديمة والتي تبرز المربع) الشكل الهندسي ( إلى الواجهة بصفته حال لسان البعد الروحي المنعكس داخل اللوحة، فالمربع الذي يتوسط العمل الفني يقسم ويحدد الرؤية للمشاهد وكأنه يستدعيه لقبوله نفسيا فهو هادئ الألوان يستظل بطاقة روحية مشفعة باللون الأزرق المخضر وبخطوط متدرجة الكثافة كما لو أنها طرق خفية للمجهول، فيضفي بذلك على العمل نوع من التناسق اللوني يسبقه تناسقا في المساحات والأحجام للكتل اللونية، وكأنه يجبر المشاهد على التنقل بين هذه الخطوط والأضلاع ليكتشف مساحات واقعية تنتظم في إيقاع لوني مما يضفي على العمل أحساسا بألفة المكان، فهو لا يبتعد عن البيت أو الحاضنة التي تحيطك بأبعادها حيث المربع تكوين بيتي، تاركا لك فرصة التجوال في مكنونات الحاضنة اللونية. ورغم إن المربع يضفي نوعا من القسوة على العمل الفني إلا إن عدم اكتماله أو رسمه بأضلاع ثلاثة أحياناً هو إيماءه ذكية من الفنان بأن المسألة ليست محسومة أو مقيدة بل إنها مفتوحة لتفسيرات وعوالم أخرى يضفي عليها اللون والظل بعداً آخرا وهو قدسية ما تحتويه من كتابة. كما يضفي القوس أو الهلال المفتوح أبداً إلى سماء اللوحة بعداً هندسياً إسلامياً حيث يشعر المشاهد مع الألوان المجاورة له بنوع من الراحة والشعور بالطمأنينة، فهو الأمل وهو القرب إلى الله وهو الرجاء بفرحة قادمة، وهو قبل هذا وذاك الشكل الهندسي الأعلى في اللوحة الغائر في الوجدان الجمعي للناس، وكأنة وعاء الاستلام أو صلة الوصل بين ما تجود به السماء على هذا المخلوق الهندسي الشبيه بالإنسان وبين الخالق، فهو يمثل الرأس أو القمة في موضوع اللوحة بينما يشكل المربع والمستطيل باقي الجسم البشري أو الشكل الهندسي.
كما يأخذ شكل المربع أو المستطيل والهلال عند الفنان بعداً يتعدى كونه شكلاً معيناً يمكنك أن تعيد تصوره كلما مرت عيناك على اللوحة، بل هو موروث شعبي يحاكي الميثولوجيا القديمة في بلاد وادي الرافدين وخصوصاً الحضارة الإسلامية وهندستها المميزة التي يلعب فيها القوس والهلال والمربع والمستطيل دورا كبيرا، وظف الفنان هذا الموروث بجدارة ليستحضر مع عملة أشكالا ذات دلالات مفهومة ووقع نفسي راسخ
ومهيمن في الذات البشرية لا تحتاج إلى تفسير.
&أما الكتابة أو الحروف التي يستخدمها الفنان في لوحاته فهو يتجاوز بها أطر الشكل المألوف للحروف فهي طاقة من الخطوط المتحركة على السطح تتيح للوحة مرونة التجربة وحرية التعبير، لينقل المشاهد إلى أزمنة وأمكنة يستطيع فيها ملامسة الحس الديني لديه بأسلوب يعكس نمطا صوفيا في التعامل مع الحرف كي يغمر النفس والعين بموضوعة، بل هذا المشاهد يستقدم ما كان مخبوءاً فيها ليحاور اللوحة بلغة يفهمها عامة الناس.
&ففي لوحته المسماة الوقت الضائع (TIMELOOS, 86x66 cm ) يشغل المربع الحيز الأكبر فيها،حيث اختار الفنان اللون الأزرق الفاقع ليجعل منه لونا لحركة المربع في محاولة منه لإبراز هذا الشكل الهندسي وما يحتويه على غيرة من الأشكال، فنجده مقسما بدورة إلى تسعة مربعات تحتوي على كتابة وحروف وأشكال هندسة أشبة ما تكون بالطلاسم، تحتكر الدوائر والأهلة وعلامات الضرب والرقم سبعة مضامينها، لكن لم يفت الفنان أن يجعل من نهاية الخطوط التي تلتقي لتشكل نهاية هذا المربع الكبير مستمرة والشيء نفسه بالنسبة إلى الخطوط الأفقية التي تقسم هذا المربع إلى مربعات اصغر فهي تمتد خارج الأضلاع وكأنها مفتوحة وقادرة على استيعاب مربعات وعوالم أخرى، يستطيع المشاهد أن يسقط عليها ما يشاء من خصوصيته وكأنها دعوة للمشاركة في إضافة رمز أو شكل هندسي آخر مادام المستقبل مجهولا والحياة مستمرة.
يعلو هذا المربع مربع آخر غير مكتمل أجبرت أحدى زواياه على الانحناء ليحل محلها الهلال الذي يصل مضمون اللوحة وهو المربع بالسماء أو بعالم الرجاء الذي ننتظر منه كل شيء،ولذلك ترى الفنان قد اختار لونا افتح كخلفية في هذا الجزء من اللوحة في دلالة على السماء، بينما أحتل اللون الغامق البارد وهو الأخضر المزرق باقي مساحة اللوحة في دلالة على مستوى أدنى مرتبط أكثر بالواقع
المعاش فهو مجهول المعالم لا يتضح منه إلا رموزا طلسمية عاقداً الأمل على تحقيقها.
أما في لوحة ( Symbols from the life,86x66 cm ) رموز من الحياة، فأن مضمون اللوحة يكشف عن كائن بشري تتجسد تفاصيله بأشكال هندسية، يحتل فيها القوس أو الهلال مكان الرأس وهو أشبه ما يكون بوعاء تتجمع فيه ذكريات إنسانية متنوعة مايز بينها الفنان باللون والشكل والمكان، فهي تأخذ لوناً غامقاً عند شكل الحروف دلالة على مفردات معاشه تأخذ شكل ولون ومعنى قار في الذاكرة، وكأنها ترمز لمحطات بارزة في الحياة،تراكمت عليها أحداث وأفكار أخرى فأختار لها أن تكون في أسفل الوعاء )الهلال(، فالحرف هو أول الحلم الفني وهو المخلوق الأكثر التصاقاً بالذاكرة وبحركة الجسد، فتراه لا يُنسى مهما تقدم العمر بالإنسان بينما يٌنسى المروي وتُنسى الأشياء الحياتية، وهذه عبر عنها الفنان بأن جعلها بيضاء اللون وضبابية تحتل أعلى الوعاء وهي دلالة على عدم الرسوخ وسرعة التغيير.
أما باقي الجسم فهو محصور بين شكلين هندسيين شكلا الخلفية والمقدمة له، أما الخلفية فقد اختار لها لوناً تحس معه بالقدم فهو الأساس او الخلفية التي أتى منها هذا الجسم،الذي حجبه عنا مربع آخر مائل في دلالة على تأرجح القادم من الأمور وعدم ثباته، وهو أكثر بهجة وإشراق وشفافية في دلالة على لحظة الحاضر او المستقبل المنتظر عند الفنان رغم انه ضمنه رموز وحروف ترتبط بالغيب وبالسماء في دلالة على ارتباطه بالماضي والحاضر.أن اختلاف الأزمنة التي عبر عنها الفنان باللون وبالموضوع وبالحجم أيضاً،رافقها تدرج أيضا في أحجام الكتل) الخلفية،الإنسان، الحاضر أو المستقبل( التي تمثل بدورها سلسلة لونية متناسقة، أريد منها أن تكون ذات أبعاد ومضامين مختلفة فلعب فيها اللون دوراً مهما، فهو شبيه بلون الأرض عند الخلفية او الماضي وازرق مخضر عند الجسم او الشكل الهندسي،والفنان يعطي هنا الجسم أهمية خاصة لأنه يربطه بالمقدس على الأقل لونياً ومن ثم سترة بالحاضر او المستقبل للمحافظة على خصوصيته، أما الحاضر او المستقبل فهو يحوي جميع الألوان التي استخدمت لرسم اللوحة، فهو يتضمن لون الخلفية والإنسان والحاضر والمستقبل والكتابة، كما ان حدة زواياه ووضوح لون أضلاعه وصغر حجمه تعطي أحساساً بأن القادم أقل واصغر وبالتالي فانه مضطرب وغير واضح المضمون.
هولندا
[email protected]
&