كم اتمنى لو يتطوع فريق من طلبة الصف المنتهي في احدى الكليات المتخصصة فيتعقَب مسيرة مجموعة من الاسماء السياسية العراقية (السابقة والحالية) مع درس التربية الوطنية، فيرجع الى ارشيف المدارس الابتدائية

لماذا يصر السياسي العراقي على عدوى نفسه من مثله الاعلى بما لذَ وطاب من الصفات ويستثني هذه،فيستهدف دون وازع وطني ارواح مئات الالاف من الشهداء الذين امنوا (بشكل من الاشكال) انهم يستشهدون من اجل العراق ويحرم عوائلهم حتى من الشعور بالفخر في انهم قدموا أثمن مالديهم من اجل الوطن!
والمتوسطة التي امضى فيها اؤلئك التلاميذ انذاك (والسياسيون بعدئذ) تعليمهم فيها، ويلتقي بمن قام بتعليمهم مبادئ التربية الوطنية، إذا كان الله قد منحه طول العمر وبقي على قيد الحياة، ربما يساعد ذلك في وضع معادلة نستفيد منها لاحقا في إستنباط العلاقة بين درس التربية الوطنية والشخصية السياسية، مع ايماني الكامل بان هذا، اي الاداء في درس التربية الوطنية، لايمكن ان يكون المعيار الوحيد في الحكم على التصرف المستقبلي للشخصية على الصعيد السياسي ولكنه قد يشكل اضاءة ما في وصف ذلك التصرف كونه كان ميولا صافية في بداية مشوار الحياة ثم فعل الواقع والزمن فعلهما في انحرافه عن خط البداية او ان العمل السياسي لايمت بصلة بذلك بل هو مهنة لجأ او اضطر اليها بعض الاسماء بفعل عامل الوراثة او الهواية او الربح او فرض الذات او رد فعل لخيبة الامل في المجالات الاخرى.

لقد كان معلم التربية الوطنية يصول ويجول سنة دراسية كاملة يدور بتلاميذه حول ذلك المحور المفضل لديه ألا وهو موضوعة ( المواطن الصالح ) بصفاته و سماته، حقوقه وواجباته و شعاره الوطن اولا، يُجهد نفسه في الإتيان بامثلة طازجة تاريخية تُجسد شخصية ذلك المواطن الصالح فيغوص بنا ابتداءَ في التاريخ القديم والحديث ليحكي لنا قصصا عن ( مواطنين صالحين) قدموا كل شئ لبلادهم، بل كان الاستاذ المعلم يصِرعلى تعليمنا ويفرح عندما نعيد على مسامعه تلك العبارة المحببة الى نفسه وهي (ان اؤلئك المواطنين الصالحين بذلوا الغالي والرخيص وأنكروا ذواتهم من اجل الوطن)، وانتهاءَ بمرافقتنا الى الحديقة العامة ليغرز فينا اخلاق المحافظة على الملك العام وجمال الوطن ونظافته دون ان ينسى في الطريق التنبيه الى ضرورة التعاون مع شرطي المرور ورجال الاطفاء وتحية الجندي وغيرهم بالشكل الذي يكون فيه اهل البلد جميعا يدا واحدة رحماء فيما بينهم اشداءعلى المعتدين والغزاة.

لا ادري اذا كان البعض وخاصة من السياسيين قد اعتاد بين اونة واخرى ان يرتدي مقياس المواطن الصالح ليلاحظ مدى تطابقه او انحرافه مع المقياس فيعيد تعيير نفسه، لكن النتائج التي افرزتها العقود الماضية والتي تفرزها المرحلة الحالية تشير الى ان (بيدر الاداء السياسي) يتناقض الى حد كبير مع (حقل المواطن الصالح). ان معضلة قسم كبير من السياسيين العراقيين الذين امتلكوا او يملكون الان نفوذا فاعلا يكمن في ان هؤلاء يحاولون عبثا الامساك بطرفي العصا الطويلة بهدف الوصول الى الحالة المستقرة في الوقت الذي يتجاهلون او يجهلون ان مركز الثقل الاكبر لتلك العصا والذي يمكن ان يوصل الى موازنة مستقرة شبه دائمة يقع في وسطها، انه لعجيب حقا ان يتخذ هؤلاء من التقوقع الطائفي او المذهبي او العرقي قاعدة للانطلاق خارج حدود الوطن في طفرة غير مسبوقة لمساحة مهمة منه، طمعا في الامساك بالطرف الاخر من العصا عن طريق تأمين تحالف اقليمي او دولي، ان تجارب المرحلة السابقة والحالية تؤكد ان الاستناد الى مدينة مسقط الرأس او الطائفة او المذهب او الانحدار القومي ممزوجا بمحاولة استمالة طرف اقليمي او دولي ليس الطريق الصحيح لخدمة العراق كجزء موحد متماسك، ناهيكم عن ان هذا الطريق ليس سليما وأمينا لرواده بل محفوفا بالمخاطر والمتاهات التي تؤدي الى سقوط سياسي مريع. ان الأعجب في الامر يتلخص في ان اصحاب هذا الطريق من السياسيين او أشباه السياسيين لهم القدرة البارعة في إبقاء عيونهم مفتوحة تترقب اشارات الراعي الاقليمي او الدولي بهدف تنفيذها لكنهم مايلبثون ان يُحكموا غلق تلك العيون لكي لاترى مايثير الخجل و الحياء في نفوسهم من تصرفات ومواقف يتخذها ذلك الراعي الاقليمي او الدولي في المحافظة على مصالح بلده وكيف يميز بشكل واضح بين الشعارات الانتخابية والربح السياسي وبين افعال التطبيق في السلطة. بل الانكى من ذلك ان هؤلاء السياسيون يحاولون الوقوف حجر عثرة امام الاخرين الذين يرغبون في الخروج من شرنقة الانتماء القومي او المذهبي الى الخيمة الوطنية من اجل الاسهام بدور فاعل فيها، حيث مثلا الكثير يعتقد ان السيد مسعود البارزاني يتمتع بمواصفات شخصية وواقعية تسمح له باداء دور وطني كبير لو أُتيحت له الفرصة لذلك.

لقد انطلق الديموقراطيون في الولايات المتحدة في حملة انتخابية ساخنة فضحت السياسة الامريكية الخارجية وخاصة المتعلقة بالعراق في شعارات تؤكد ان غزو العراق كان خطأ قاتلا و قرارا يفتقد الى الحكمة فأدخل الولايات المتحدة في مستنقع لاتُحسد عليه بسبب الاخطاء والفضائع والجرائم التي أُرتكبت و تُرتكب بعد الغزو، لكن التساؤل الذي يبقى مشروعا، والذي ينبغي على كل سياسي عراقي ان يضعه نصب عينيه، يكمن في امكانية ان يدعو الديموقراطيون وهم الاكثرية في الكونغرس الان، اوعندما يفوزون في انتخابات الرئاسة القادمة الى محاكمة الرئيس الحالي باعتباره مجرم حرب مما يؤدي الى ان تتحمل الولايات المتحدة المسؤولية القانونية والاخلاقية عن كل عواقب غزوها للعراق، أم ان الديموقراطيون سيرون انفسهم مُجبرين بسبب الدافع الوطني الى ارتداء نفس الثوب الذي يرتديه الجمهوريون الان وإكمال المهمة بالشكل الذي يسسبب اقل الاضرار للولايات المتحدة ويعفيها من المسؤولية؟

ان مناسبة السطور اعلاه هي تلك التصريحات النارية وغير المسؤولة التي يُطلقها بين اونة واخرى بعض العناوين السياسية المسؤولة او النافذة حاليا في العراق بخصوص ملفي الحرب مع ايران او حرب الكويت حيث تضع تلك العناوينن يدها على صدرها ndash; دون تفويض وطني او شعبي ndash; لتعلن عن تحمل العراق لكامل المسؤولية فيما حدث عارضة بكرم مابعده كرم التعويضات على الدول المعنية، انطلاقا من ان تلك الحروب كانت مغامرات للنظام السابق وينبغي استثمارها لادانته حتى ولو كان ذلك يتعارض مع ابسط المعايير الوطنية، وكأن ملف الانتهاكات والجرائم وخرق حقوق الانسان العراقي لاتكفي لادانة من يستحق الادانة فاصبح لزاما علينا ان نرضي الجميع على حساب العراق من الذين لايمكن لاي منصف عادل ان يمنحهم حكما بالبراءة في تلك الاحداث. لماذا سيتجنب الديمقراطيون استخدام ورقة العراق في ادانة الرئيس بوش وهي الورقة االذهبية الرابحة بالنسبة لهم حيث لايملكون داخليا الكثير من مثيلاتها، ألا يفعلون ذلك من اجل امريكا وليس حبا بالرئيس بوش؟كم نتمنى ان يقوم السياسي العراقي باعطاء النظام السابق حقه من التشريح والاحكام على سياساته وممارساته الخاطئة بل والاجرامية تجاه شعبه، وينبري في الوقت نفسه مدافعا بشدة عن العراق وحقوقه في الحكم على احداث حصلت مع جيرانه، ليس تبييضا لصفحة النظام السابق ولكن حبا بالعراق واحتراما لتضحيات ابنائه. هل سسيقوم الديموقراطيون بانتزاع صفة البطولة والشهادة من اجل امريكا التي يسبغها الجمهوريون على قتلى الجيش الامريكي في العراق؟ لماذا يصر السياسي العراقي على عدوى نفسه من مثله الاعلى بما لذَ وطاب من الصفات ويستثني هذه،فيستهدف دون وازع وطني ارواح مئات الالاف من الشهداء الذين امنوا (بشكل من الاشكال) انهم يستشهدون من اجل العراق ويحرم عوائلهم حتى من الشعور بالفخر في انهم قدموا أثمن مالديهم من اجل الوطن!

ان الهدر والفساد في المال العام في العراق يشهد عصره الذهبي حيث تتوالى الضربات على جسم الدولة، كلُ وماتصل اليه يده او ساقه او اسنانه، ولذلك لن تتضرر الدولة كثيرا اذا اضيف لهذا الهدر هدرا بسيطا يتمثل في ان تقوم وزارة التربية مشكورة بتوزيع نسخ مجانية من كتاب التربية الوطنية على من هو بحاجة اليه من السياسيين العراقيين املا في ان نشهد في المستقبل القريب نفوذا فاعلا لامثلة حية صادقة تُجسِد حقا صورة وشخصية ( المواطن الصالح

د. وديع بتي حنا

[email protected]