في السياسة، عندما تتغلب العقلية الشوفينية والتعصب القومي على المنطق العقلاني والتعايش السلمي بين القوميات في البلد الواحد، تتحول قومية السلطة دائما الى الدكتاتورية.. ولدينا الكثير من الأمثلة الدالة على ذلك في عالمنا الشرق الأوسطي.. خذ تركيا مثلا، فهي على رغم نظامها الديمقراطي العتيد، لكن تلك الديمقراطية تحولت الى دكتاتورية مائلة الى الفاشية عند التعامل مع الشعب الكردي وقضيته العادلة. فيبدو أن الديمقراطية التركية إنحصرت فقط في الأحزاب التي يقودها بايكال ويلماز وأجاويد وديميريل وغيرهم من (الديموكتاريين) الذين أضاعوا هوية بلدهم طوال ثمانين سنة من قيادة جمهوريتهم، فلا أحد يمكنه تعريف نظام هذا البلد، هل هو ديمقراطي والعسكر يتحكمون بمقاديره، أم هو بلد علماني مع وجود حزب إسلامي على رأس السلطة؟؟. ناهيك طبعا عن الديمقراطية التركية العتيدة التي لجأت وتلجأ الى قمع شعب له قضية قومية مشروعة بالسلاح بدل الحوار السياسي، وهو الشعب الكردي في تركيا؟!.


وهناك أدلة كثيرة أخرى عن أنظمة عنصرية في المنطقة تدعي الديمقراطية وتتبجح بها في شعاراتها، ولكنها عندما تتعامل مع قضية القوميات أو الأقليات،لا تجد أمامها طريقا غير اللجوء الى القمع والتنكيل بالشعوب التي قدر لها أن تعيش ضمن خارطة جغرافية مشوهة فرضتها القوى الإستعمارية على المنطقة في بدايات القرن الماضي.. أنظر الى العراق وسوريا والجزائر والمغرب والسودان وهي دول عجزت حكوماتها عن حل جميع القضايا القومية في بلدانها بسبب تغلب العقلية العنصرية على حكامها، ولجأت جميعها في فترة من الفترات الى الأاساليب العسكرية والعنف الدامي لفرض إرادتها على الشعوب والقوميات الصغيرة المقهورة، ولكن ما يسعد القلب أن جميع تلك الحكومات فشلت في تحقيق أهدافها بالقضاء على تلك الشعوب والقوميات، أو على الأقل طمس معالم قضاياهم المشروعة.


حاول صدام حسين أثناء فترة حكمه أن يبيد الشعب الكردي في العراق.. دمر 4500 قرية كردية عن بكرة أبيها، قتل نصف مليون كردي في عمليات الأنفال و الإعدامات، أو أثناء القتال في الجبال، أعلن ثلاثة أرباع مناطق كردستان مغلقة عسكريا توجه البنادق فيها الى كل هدف متحرك حتى لو كان حيوانا.. أطلق يد إبن عمه علي الكيمياوي في كردستان يقتل من يشاء وأنى يشاء من دون محاسبة، ولكن ماذا كانت النتيجة؟ النتيجة ظهرت بعد أن أخرج رئيس الدولة وحامي حمى العروبة وبطل التحرير القومي وحارس البوابة الشرقية للأمة العربية ذات الرسالة الخالدة من جحر الفئران مرعوبا ليمد عنقه كالبقر لطبيب أمريكي يفحص أسنانه، ثم يساق الى سجن أنشأه بنفسه،ثم يعدم في نفس الزنزانة التي كان يعدم هو فيها ضحاياه بضمنهم الشباب الكردي؟؟!!!..


نعم حاول صدام بكل إمكانيات الدولة العراقية الغنية أن يبيد الأكراد، ولكن الأكراد بقوا ورحل صدام ومن كان معه، وأعلن فشل السياسة العنصرية في حل المشاكل القومية في لحظة إطلالة دكتاتور العراق على شاشات التلفزيون وهو مقيد بالسلاسل داخلا على قاضي التحقيق ليواجه عشرات التهم ضده وضد نظامه كلها تتعلق بممارسات عنصرية.


ولم يتعظ من جاؤا بعده بما حصل لبطل تحريرهم القومي، فأخذوا في ظل إنهمار المعاول من كل حدب وصوب لتدمير العراق يرددون نفس الشعارات السخيفة ضد الشعب الكردي ووصمه بالخيانة العظمى لرغبة هذا الشعب بالنظام الفدرالي الذي يعتبر الحل الأمثل لمشاكل العراق القومية والمذهبية، فإتجهت سهام الحقد من الأطراف الشوفينية مجددا نحو الأكراد بتهمة سعيهم نحو الإنفصال وتقسيم العراق!!.
وكأن الشعب الكردي هم وحدهم الذين طالبوا بالفدرالية للعراق، مع أن معظم الأحزاب العراقية كانت ترى في ذلك النظام الحل الأمثل لحماية وحدة العراق وليس لتفتيته وتقسيمه، بدليل أن ممثلي جميع الأحزاب العراقية الذين شاركوا في صياغة الدستور العراقي وافقوا على إدراج الفدرالية في الدستور..ونصف مواد الدستور تتحدث عن الإقاليم وسلطات االأقاليم والحكومة الإتحادية، وأن هناك بابا كاملا هو الباب الخامس من الدستور كرس للحديث عن سلطات الأقاليم، فعن أية أقاليم يتحدث الدستور إذا لم تكن أقاليم فدرالية تنشأ بموجب ذلك الدستور؟؟!..


ألم يكتب الدستور باللغة العربية التي يتكلم بها من يتهمون اليوم الأكراد بالسعي لتقسيم العراق، أم أن ممثليهم في لجنة صياغة الدستور كانوا من أصول هندية أو من أبناء المهجر الذين نسوا لغتهم الأم، فلم يلحظوا كل تلك الإشارات الدستورية الى الحكومة الإتحادية وسلطات الأقاليم وكيف تتشكل بموجب الدستور؟؟!!..
أين الدور الكردي في تقسيم العراق، وثلاثة أرباع أعضاء لجنة صياغة الدستور الإتحادي كانوا من العرب الإقحاح المتباكين اليوم على مصير العراق العربي؟؟!..


والسؤال الذي يكرر نفسه دائما هو: كيف يمكن وصف الفدرالية بالتقسيم وهي تجمع ولا تفرق؟!.
ثم هل يأتي الأكراد بسنة جديدة في المنطقة وهناك عشرات الأمثلة الناجحة للإنظمة الفدرالية في العالم، بينها تجارب عربية كدولة الإمارات مثلا.. فهل خسر الإماراتيون عندما توحدوا في نظام إتحادي ( فدرالي) أم أن تقدمهم الذي أصبح مثار إعجاب العالم بمن فيهم المعارضون العراقيون للفدرالية الإتحادية القابعين على رأس السلطة في بغداد، بل الأنكى من ذلك، هو لجوء معظم القيادات العراقية السابقة الذين يتباكون اليوم بدورهم على مصير العراق الى دولة الإمارات المتحدة ينعمون في ظل نظام إتحادي ( فدرالي) بالحماية والأمن ورغد العيش!!..


ماذا كانت الإمارات قبل توحدها غير بعض الإمارات الصغيرة المتناثرة في الصحراء لا تقوى على رد حتى غارات قبلية، وها هي اليوم تتقاسم السلطة بنظام نموذجي رائع حقق للبلاد إزدهارها وتقدمها في شتي المجالات بما يحسد عليه من الشرق والغرب؟..فهل خسرت الإمارات شيئا بعد أن توحدت في كيان واحد ترنو الى المستقبل بخطى ثابتة وتحقق لشعبها المزيد من الرخاء والتقدم؟.


ثم هنالك النموذج الأمريكي الذي كان وما زال مثار إعجاب شعوب العالم،. فهل يستطيع منصف أن ينكر مدى التقدم الذي تحقق للولايات المتحدة بعد إنشاء نظامها الفدرالي وأصبحت اليوم سيدة العالم بلا منازع، وكل البلدان ترضخ لها؟. مع العلم أن الولايات المتحدة عانت أيضا من القتال والتناحر لسنوات طويلة قبل أن تتوحد كياناتها في إطار الدولة الواحدة التي حققت لمزيج شعوبها التوحد والتقدم طوال القرنين الماضيين.
في البلدان المتقدمة تسقط الحدود وتتشكل كيانات سياسية وإقتصادية موحدة، ونظل نحن متمسكين الى أبد الآبدين بقدسية الأرض وبحدودنا الجغرافية المصطنعة شبرا بشبر وكأنها حدود رسمت في السماء ووضعت خارطات دولنا من أعلى العليين، من دون أن نفكر ولو للحظة أن تلك الحدود رسمتها دول الإستعمار لمصالحها الإستعمارية، فبعد أن كنا دولة واحدة أصبحا أكثر من عشرين دولة متناحرة ومتصارعة بفعل تلك الحدود المشوهة. ثم لماذا عندما يحرص النظام السوري على أشبار من أرضه تحتلها إسرائيل وتحارب لخمسمائة سنة لإسترداده، ويستكثر على الشعب الكردي أن يسترد بعض مناطق منزوعة قسرا وظلما عن أرضه؟؟..


لماذا يحق للعربي العراقي أن يتمسك بأرضه في الأنبار وتكريت والبصرة والديوانية ولا يحق للكردي أن يتمسك بأرض آبائه وأجداده في كردستان؟!.


في سفر لي من السليمانية الى بغداد عام 2004 كان برفقتي أحد الأخوة العرب من البغداديين الإصلاء.. إنطلقنا من السليمانية والثوج تهطل عليها وتغطي الطريق الخارجي المؤدي الى كركوك، بحدود خمس كيلومترات عن كركوك تحولت الثلوج هناك الى أمطار، وما أن وصلنا الى قرب طوز خورماتو حتى بدأت الشمس تطلع وتنعدم الأمطار، ولما هممنا بدخول بغداد كادت العواصف الرملية أن تطيح بسيارتنا، فقلت لصديقي البغداديquot; أنظر على مدى ثلاث ساعات فقط من السفر داخل البلد، مررنا أنا الكردي وأنت العربي العراقي بثلاثة أجواء طقسية مختلفة، ألا يدل هذا على خصوصياتنا على رغم إرتباطنا بأرض واحدةquot;؟.
وأعيد بهذه المناسبة قولا سمعته من أحد الإصدقاء القياديين الأكراد يحتل اليوم منصبا كبيرا في بغداد سبق أن ذكرته في مناسبة أخرى، وهو قوله لأحد القيادات العراقيةquot; لا تتصوروا أننا جئنا الى بغداد بكل هذه المشاكل الأمنية والعواصف التي تعصف بها والصراعات الدائرة فيها من أجل إحتلال منصب وزاري أو برلماني، فهناك في السليمانية أوضاعنا أفضل ألف مرة، على الأقل أستطيع زيارة صديق لي ولا أتحسس رأسي على كتفي، أو أن أنزل الى شوارع مدينتي من دون جيش من الحماية، وهنا لا أكاد أبرح المنطقة الخضراء اللهم إلا الى القبر، لقد جئنا لنعاونكم في بناء العراق على أنقاض الدكتاتورية، عراقا جديدا يتطلع الشعب في ظله الى مستقبل أفضلquot;.


من المفارقات المضحكة المبكية أن يعترض رئيس الوزراء نوري المالكي على قرار تقسيم العراق الى ثلاث فدراليات ويعده كارثة، وأعتبر هذا الموقف منه رياء واضحا، لأني لا أختاله قد نسي دعوة أقرانه في الإئتلاف العراقي ( المجلس الإعلى للثورة الإسلامية ) بإنشاء إقليمي الوسط والجنوب، أو أنه نسي توقيع زعيم حزبه على نص الدستور العراقي الذي كرس نصف مواده للحديث عن العراق الإتحادي الذي تفتتت عاصمته في ظل رئاسته للحكومة الى كانتونات شيعية وسنية، وإفترق كرخها عن رصافتها بفعل الحرب الطائفية التي يقودها المالكي بنفسه عبر مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية، والحليم تكفيه الإشارة...

شيرزاد شيخاني

[email protected]