ترجمة وإعداد حسين كركوش: المقال الذي سيطلع عليه القارئ كان قد نشر في صحيفة لوموند الفرنسية الواسعة الانتشار في 3 أكتوبر 2007 بعنوان (LE SIECLE DE LA PUISSANCE RELATIVE)، وكاتبه هو الباحث الفرنسي بير هاسنر Pierre Hassner.
ويعتبر هاسنر، الفرنسي من أصل روماني، أحد المتخصصين اللامعين في قضايا العلاقات الدولية والمسائل الجيوبوليتيكية والنزاعات الدولية، والأنظمة التوليتارية، مستعينا دائما برؤيا فلسفية وقراءة معمقة لمؤلفات هوبس، لوك، كانت، نيتشه وماركس. وإذا كانت هذه هي اهتمامات هاسنر منذ أن كان تلميذا داخل صفوف أستاذيه المفكرين الشهيرين، ريمون أراون وليو شتراوس، فإنها تعززت أكثر بعد سقوط جدار برلين وانتهاء حقبة الحرب الباردة.
ويرى هاسنر أن هجمات 11 أيلول الإرهابية وسياسة الحرب الوقائية التي أعقبت تلك الهجمات، والحرب ضد الإرهاب، عززت سلطات الدولة على حساب الحريات، مثلما كانت انتصارا لمفاهيم الأمن وفقا لمفهوم هوبس القائل أن الإنسان ذئب، ووفقا لمفهوم نيتشه الذي يرى أن الحرب هي سبيل للتأكيد على الهوية، مثلما هي اندحار لأفكار لوك التي تؤكد على الحرية كمبدأ أساس.
وفي مقابلة له أجريت في 24/4/2003، أي بعد أيام معدودة على حرب العراق وسقوط نظام صدام حسين، رأى هاسنر، ردا على سؤال فيما إذا كانت تلك الحرب قد غيرت العالم، أو هل ستغيره مستقبلا، أن هذه الحرب quot;ستغير، بالتأكيد منطقة الشرق الأوسط، إما ما غير العالم فهو، قبل كل شيء أخر، انهيار الاتحاد السوفيتي الذي ترك انهياره الولايات المتحدة طليقة اليد وأن تصبح القوة الوحيدة الأعظم، مثلما جعلها تواجه فوضى دولية، وتأتي بعد ذلك هجمات 11 سبتمبرquot;.
وفي رأي هاسنر أن الولايات المتحدة الأميركية كان شعارها في حقبة حكم كلينتون quot;نحن نؤمن بالتعددية بقدر ما نستطيع، لكن عندما تقتضي الضرورة فنحن القوة الوحيدة الأعظمquot;، لكن هذا الشعار تغير خلال حكم الرئيس بوش فأصبح quot; نحن القوة الوحيدة الأعظم قدر ما نستطيع، لكن عندما تقتضي الظروف فنحن قوة تؤمن بالتعدديةquot;.
وفي رأي هاسنر أن هناك محدودية للقوة العسكرية الأميركية، وهذه المحدودية تظهر في تعامل الولايات المتحدة إزاء إيران وسوريا، فهو يرى أن الولايات المتحدة راغبة في التدخل العسكري ضد سوريا وإيران وضد كوريا الشمالية، لكنها غير قادرة على ذلك بسبب محدودية قدرتها العسكرية.
يبقى أن نقول أن هاسنر يكتب كمؤلف غربي، لا تتطابق رؤيته ورؤياه وتوصيفاته، بالضرورة، مع ما نملكه نحن العرب، إذا لم تتقاطع تماما، بعض الأحيان. ولهذا، فأن دافعنا لترجمة المقال وتقديمه للقارئ العربي لا يعني تبيننا لجميع ما ورد فيه من أفكار وتوصيفات، بقدر ما يهمنا أن نعرف كيف يفكر (الأخر) المغاير. إذ لا يكفي، لكي نفهم العالم من حولنا، أن نكتفي بقراءة ما يعجبنا وما يلائم مصالحنا وتفكيرنا، ونرتضي، فقط، بمشاهدة وجوهنا في المرآة، وإنما نحن بحاجة أن نعرف كيف ينظر إلينا الأخر ون، خصوصا إذا كان هولاء من أصحاب الرأي المؤثر في بلدانهم.

سوف لن يكون القرن الواحد والعشرون، quot;القرن الأميركي الجديدquot;، مثلما كان quot;المحافظون الجددquot; يتمنون ذلك، عند نهاية تسعينيات القرن الماضي. إذن، هل سيكون quot;قرن معاداة أميركاquot;، كما يرى الكاتب البلغاري إيفان كراستيف / هو باحث بلغاري في الشؤون السياسية، وهو رئيس مجلس الدراسات الإستراتيجية في صوفيا، ورئيس الطبعة البلغارية لمجلة فورن بوليسي. ألف، بالمشاركة مع أحد زملاءه، كتاب quot;قرن معاداة أميركاquot;، وفيه تتبع وحلل جذور وطبيعة مشاعر العداء ضد الولايات المتحدة في العالم بدءا من جنوب شرق آسيا حتى أوربا الوسطى ح. ك./(هو أحد المناصرين لأميركا)؟ وهل نؤيد ما قاله هذا الكاتب، وهو يعلن نهاية واحد من الأوهام هو، وهم quot;قرن الحريةquot;؟
هل ختم بالشمع الأحمر على القرن الواحد والعشرين، وأصبح مستقبله معروفا سلفا، ومقررا منذ الآن؟ الإجابة ستكون نعم، إذا كان سؤالنا يعني استحالة العودة من جديد إلى ما كان يسمى،فيما مضى، نظام quot;القطب الواحدquot;، عندما كانت السيطرة الأميركية أو الغربية، بالقوة أو الوسائل الشرعية، تجد لها قبولا من بقية العالم. إما إذا كان سؤلنا يعني بأن الخطرين الزاحفين ndash; الديكتاتورية والفوضى ndash; سينجحان، سوية أو على انفراد، في السيطرة على هذا القرن، وتفقد الولايات المتحدة وحلفائها الأوربيون، سوية أو منفردين، أي ورقة ضغط يملكونها، ويصبحون عاجزين عن إحداث تأثير مهم، وربما أي تأثير حاسم، لصالح بقاء كرتنا الأرضية وحضارتها، فأن الجواب سيكون بنعم.
إن الأسئلة الرئيسية التي تريد هذه المقالة التوقف عندها هي، بالضبط، ما يلي: كيف بمقدورنا الدفاع عن مصالحنا ومبادئنا، وكيف بمقدورنا العمل من أجل السلام والحرية، في عالم لم نعد نملك السيطرة عليه، وحيث موقعنا فيه يصبح، يوما بعد يوم، أقل أهمية، وحيث شرعيتنا كقضاة وكمعلمين للجميع، تلاقي الرفض، يوما بعد آخر؟
ومن اجل أن نبدأ بالإجابة على ما طرحناه من أسئلة، يتوجب علينا الأخذ بنظر الاعتبار التغيرات العاصفة التي حصلت خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة. إن السنوات 2003 -2006 تبدو لي وكأنها تمثل الفصل الثالث من دراما بدأت فصولها مع سقوط الاتحاد السوفيتي، واستمرت مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 و تسيد الإرهاب المعولم واجهة المشهد الدولي، ثم ما تضمنته تلك الدراما من مرحلة جديدة تتعلق بميزان القوة بين القوى العظمى، والإذلال الذي عرفته الولايات المتحدة في العراق وفقدانها بشكل عام لقوتها وهيبتها، والصعود اللافت للصين والهند، وصعود نجم روسيا من جديد، كمصدر تهديد لجيرانها وكمحاور غير ودي وضعيف بعض الشيء، لكن لا بد منه للغرب، في كل الأحوال.


2003-2006 فترة مفصلية

الفصل الثالث من الدراما، الذي أشرنا إليه توا، لا يقل أهمية من فصليها السابقين. بل،بإمكاننا القول أنه أكثر أهمية منهما. فالنتائج التي تمخض عنها الفصل الأول والمتعلقة بتطور روسيا نحو الديمقراطية، وبروز الولايات المتحدة كقوة مهيمنة لا تضاهى، بدأت تتلاشى، إلى حد كبير.
وفيما يخص هجمات 11 سبتمبر، فصحيح أن قيمتها الرمزية، ككارثة محتملة الوقوع على المدى البعيد نتيجة لتزاوج التعصب مع التكنولوجيا (طبقا لتعبير جورج بوش)، ما تزال قائمة تماما. لكن، من الناحية السياسية وعلى مدى منظور، إذا كانت تلك الهجمات قد قلبت المشهد السياسي رأسا على عقب، فأن ذلك عائد، وقبل كل شيء آخر، لرد الفعل الذي أظهرته الولايات المتحدة، وأكثر من هذا، لردود أفعال العالم على ردة الفعل الأميركية.
إن الموقف هذه الأيام تحدده، وقبل كل شيء أخر، ما تمر به الولايات المتحدة من أزمة تتعلق بقوتها وبنفوذها. إذ أن مصطلحي quot;القطب الأوحدquot;، وquot;القوة الأعظمquot; فقدا الكثير من مصداقيتهما. وعلى أي حال، فأن هذين المصطلحين لم يكونا في يوم من الأيام إلا مصطلحين نسبيين. ولكن الذي حل محل هذين المصطلحين هو، ليس نظام تناغم القوى المتعددة الأقطاب، أي على نمط ما كان سائدا في القرن التاسع عشر، كما يتمنى ذلك أصحاب المدرسة الواقعية وأصحاب الطريقة الديغولية التقليدية، ولا هو حكم المؤسسات الدولية التعددية، الممجد من قبل أصحاب المدرسة الليبرالية، الذي نجده في أداء الدبلوماسية الفرنسية في السنوات الأخيرة.
صحيح، أن التوازنات الكلاسيكية، فيما يخص التحالفات الدولية، و موازين القوة والردع، وكذلك فيما يخص وجود المؤسسات الدولية العاملة، ما تزال تحتفظ بالحد الأدنى من العقلانية والاعتدال، على مستوى القضايا الدولية، لكن أثار هذه التوازنات لا تتسم، في أفضل الأحوال، إلا بالبعثرة والهشاشة. والآليات التي تعتمدها هذه التوازنات يتم حرفها باستمرار، وتتم عرقلتها أو يتم تطويعها بمجموعة من العواطف والتخريفات، ومن قبل أنبياء مدججين بالسلاح ومعهم أتباعهم ومريديهم المتعصبين أو اليائسين، وتعرقلها بنى تتسم بالهشاشة، وتطورات اجتماعية وثقافية خارجة عن السيطرة. إن النظام الدولي الحالي لا يستحق، أبدا، هذه التسمية: فهو نظام غير متجانس ومتناقض،بالكامل، سواء فيما يخص طبيعة وأبعاد الوحدات التي تشكله، أو فيما يخص المنحى الذي تعتمده علاقات التضامن بين هذه الوحدات وعلاقات الصراع بينها.

إن أحدى النزعات المهيمنة على هذا النظام الدولي هي، كما تبدو، المواجهة بشقيها، أي المواجهة العسكرية حينا، وحينا آخر المواجهة المستمرة والتي لم تتوقف بين الغرب والجنوب، وهي مواجهة تلعب فيها الآن الصين وروسيا دورا معقدا هو، في آن واحد، دور الوسيط الحكم، ودور كفتي الميزان. فهاتان الدولتان هما، بالنسبة للغرب، شريكتان لا يمكن الاستغناء عنهما ولكنهما، في الوقت نفسه، منافستان خطرتان، وفي حالات ليست قليلة، هما دولتان باديتا الخصومة، أو خصمان حقيقيان.
وعلى المستوى الاقتصادي، فأن هاتين الدولتين بإمكان النظر إليهما، رغم الخلافات الصارخة بينهما، باعتبارهما يشكلان جزءا من مجموعة الدول التي تطلق عليها تسمية quot;BRICquot; وهي (البرازيل وروسيا والهند والصين Breacute;sil,Russie,Inde,Chine)، أي هما جزء من مجموعة القوى الاقتصادية الصاعدة التي تتجاوز مصالحها وسياساتها، التعارض الحاصل بين الشمال والجنوب.
وإذا كانت هذه هي السمة الأولى التي تهيمن على النظام العالمي الحالي، فأن هناك سمة أخرى، تبدو جزئيا معارضة للأولى وهي، الانقسامات الدينية والعرقية والاجتماعية داخل دول (الجنوب) نفسها، وخصوصا داخل منطقة قوس الأزمات المتمركزة في الشرق الأوسط. هذه الانقسامات بإمكانها أن تنتج أصطفافات جديدة داخل الدول. وبإمكان الولايات المتحدة أن تحاول استغلال هذه الانقسامات، مثلما تفعل الآن فيما يخص الانقسام بين الشيعة والسنة، وذلك عن طريق بذل الجهد باتجاه قيام حلف عربي إسرائيلي بمواجهة إيران. ولكن محاولات كهذه تصطدم، في آن واحد، بالأوضاع الهشة التي تشترك بها هذه الأنظمة المعنية، وبعدم الثقة والعداء التي تكنها أجزاء واسعة من سكان هذه الدول، ولو بدرجات متفاوتة، إزاء الولايات المتحدة وإسرائيل والغرب بأكمله، مثلما تصطدم أيضا، بالمنافسة القومية لهذه الدول وانقساماتها المتعارضة.
إن السمة التي قد تصبح الأكثر إثارة للقلق في المشهد الدولي الحالي هي، بالضبط، تزايد الحروب الأهلية، المستمرة، والمتقطعة، والمضمرة، سواء كانت حروب دينية، عرقية، سياسية أو اقتصادية، وهي حروب مرشحة للتداخل فيما بينها، سواء عن طريق الامتداد والتوسع أو عن طريق العدوى، وهي مرشحة أن تشمل مناطق بأكملها، مثل غرب أسيا والشرق الأوسط والقرن الأفريقي أو منطقة البحيرات الكبرى. وإذا حدث هذا الأمر واشتعل الحريق، فأن أي جهد سيبذل من الخارج، سواء من القوى العظمى أو من المنظمات الدولية، للسيطرة عليه أو التحكم فيه أو إطفاءه، سيكون مهمة مستحيلة، وجهدا عبثيا لا نفع له.
بالتأكيد، أن هذا الوضع لم يظهر للوجود خلال السنوات الثلاث أو الأربع الماضيات. فهو نتيجة لعوامل كانت موجودة على امتداد سنوات طويلة، كالعولمة، وصعود أسيا، وتدهور أوربا ديموغرافيا وسايكولوجيا، وعودة روسيا بقوة إلى المشهد الدولي، بفضل زيادة أسعار الطاقة، وبفضل النظام النيوفاشي للرئيس بوتين.
وبطريقة أكثر تعميما، يمكن القول أن الفكرة الأساس في هذه الدراما المؤلفة من جميع هذه التطورات والمتغيرات السياسية العميقة إنما هي، حصيلة لتلاقي سلسلتين من العوامل. فمن جهة، هناك العوامل التكنولوجية، كالثورة الحاصلة في وسائل الاتصالات وفي وسائل التدمير، وهي قضايا أصبح الوصول إليها متاحا، يوما بعد يوم، على النطاق العالمي. ومن جهة ثانية، هناك العوامل الثقافية والاجتماعية، مثل الصراع الدياليكتيكي الحاصل بين العولمة، من جهة، وبين الخصوصيات العرقية والقومية، من جهة ثانية. وهذا الصراع هو، في نهاية المطاف، صراع بين التحديث من جهة، وبين التقاليد من جهة أخرى، وهو صراع يجر إلى أتونه الحركات الأصولية، ويقودها إلى عقد تحالفات موضوعية.
إن النتيجة تصب، بشكل لا مفر منه، لصالح الشرق في علاقته بالغرب، مثلما تصب لصالح جماعات العنف المحلية أو العابرة للحدود، فيما يخص العلاقة مع الولايات المتحدة. ولكن هذه السمات شهدت تعاظما وتسارعا، بطريقة لا تصدق، بسبب الأفعال السياسية والعسكرية الغربية، وقبل أي شيء بسبب عملية غزو العراق، مع كل ما أعتمد عليه الغزو من مبررات زائفة، وما رافقه من فضائع، ووصوله إلى quot;عجز الانتصارquot;، الذي كان هيغل قد شخصه في حديثه عن تواجد نابليون في أسبانيا، والآثار المحدودة، وأحيانا العقيمة، لأستخدام القوة العسكرية.
من هنا، نحن أمام عالم أصبحت مراتبياته البطرياركية القديمة بحاجة لإعادة النظر فيها، بطريقة حاسمة، حتى لو أن هذه المراتبيات ما تزال تتمتع بحيوية. فالولايات المتحدة ما تزال حتى الآن البلد الأغنى في العالم، والأكثر تنوعا في مصادرها، على جميع الأصعدة، وهي ما تزال البلد الذي يسجل فيه النمو الديموغرافي مستويات استثنائية مقارنة بالبلدان المتطورة الأخرى، وهي ما تزال تمتلك حيوية تؤهلها التدخل في كل بقعة من العالم. وفضلا عن ذلك، فأن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة تهدف، بصدق، إلى إنقاذ العالم، حتى لو كلفها ذلك تعريض مصالحها للخطر.
ولكن، مع هذا كله، فأن أوهام الولايات المتحدة بقوتها الكلية وببراءتها، مع ما بدأ يرافق هذه الأوهام، ويا للتناقض، من شعور مستجد بالهشاشة، هي التي أملت عليها أن تتصرف بالطريقة التي تصرفت بها ردا على هجمات 11 سبتمبر. إن هذه الأوهام بدأت تتعرض إلى امتحان صعب.
إن الولايات المتحدة تجد نفسها بمواجهة عالم ليس بإمكانها أن تنسحب منه، ولكن ليس بمقدورها، أيضا، السيطرة عليه، مثلما ليس بمقدورها، كما يبدو، أن تفهمه.
وما من أمر يثير دهشة أصدقاء الولايات المتحدة في العالم، مثلما تثيرهم هذه الهوة التي تفصل بين المفاهيم التي تعتمدها ليست إدارة بوش وحدها، وإنما معها أيضا خصومها الديمقراطيون، في تفسير الحقائق والوقائع الجديدة، وبين تلك المفاهيم التي تبدو لبقية العالم واضحة ولا تحتاج إلى تفسير، مع أن هناك فوارق مهمة.
إن صعود القوى الجديدة التي تشكل تهديدا مضموما لتفوق الولايات المتحدة لم يأخذ الولايات المتحدة على حين غرة: فقد اعتادت الولايات المتحدة على مثل هذه التحديات التي تحدث بين فترة وأخرى، والقادمة من ألمانيا وروسيا ومن اليابان والصين، وأثبتت الولايات المتحدة، حتى الآن، أنها قادرة على الخروج منتصرة من هذه التحديات، سلما أو حربا. وليس هناك ما يمنعنا من الافتراض بأن الولايات المتحدة ما تزال تحتفظ بقدرتها على التحدي، فنقاط الضعف والهشاشة عند الصين وعند غيرها من القوى الصاعدة بالإمكان مقارنتها، على أي حال، بتلك التي عند الولايات المتحدة.

هناك كثير من الأمور التي بدأت تثير قلق الأميركيين ودهشتهم. ومن هذه الأمور هو التعقيد وعدم الوضوح اللذان يلفان علاقتهم مع هذه القوى الجديدة. فهم يجدون أنفسهم عاجزين تماما عن تصنيف هذه القوى داخل خانة محددة وواضحة، هكذا وبكل بساطة: هل يضعونها داخل خانة الأصدقاء؟ خانة الأعداء؟ خانة المنافسين؟ ومن بين هذه الأمور هي، قوة التحدي ضدهم التي تبديها دول صغيرة يتزايد عددها، بما في ذلك بعض الدول التي تقع في منطقة نفوذهم في أميركا اللاتينية: يكفي أن نذكر هنا، هذا إذا امتنعنا عن ذكر كاسترو وشافيز ومورالس، كيف أن الولايات المتحدة عجزت عن إقناع دول مثل المكسيك وشيلي على التصويت لصالح قرار الحرب في العراق عام 2003. أكثر من هذا، فأن ما يثير قلق ودهشة الولايات المتحدة هو، العداء المستمر الذي تبديه جماعات وجماهير ضدها، والذي تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن معرفة أسبابه، مثلما يبدو لها محيرا هذا الاعتراض الذي تبديه هذه الجموع ضد الرفاهية الأميركية وضد ما تملكه أميركا من تصور إيجابي لنفسها، وضد الدور الذي تقوم به في العالم.

إن المشكلة المركزية هي أن عالم اليوم أصبح، وفي آن واحد، غير متساوق أو غير متجانس بدرجة كبيرة عن السابق، على مستوى الإدراك والعواطف (تحت تأثير العداوات والبعد الديني)، ولكنه أصبح أقل اتساقا وأقل مساواة، على مستوى القوة (بفضل فعالية quot;سلاح الفقراءquot; والصعوبة المستجدة التي يواجهها الأقوياء في استثمار ما بحوزتهم من تقنيات).

وحتى نبدأ في فهم عالم اليوم، فنحن بحاجة ليس فقط لما أسماه توماس سيشلنغ Thomas Schelling (اقتصادي أميركي وأستاذ لمادة السياسة الخارجية والأمن القومي والإستراتيجية النووية. حائز، مناصفة، عام 2005 على جائزة نوبل في الاقتصاد، يعتبر كتابه quot;إستراتيجية الصراعquot; واحدا من مائة كتاب هي الأكثر تأثيرا في الفكر الغربي بعد الحرب العالمية الثانية ح. ك.)،quot;نظرية الخصومة غير الكاملة والمشاركة الناقصة une theacute;orie de l'antagonisme incomplete et du partenariat imparfaitquot;، ولكننا بحاجة، أيضا، إلى نظرية اللاتكافؤ الناقص une theacute;orie de l'ineacute;galiteacute; incomplegrave;te (ما دام القوي لا يملك القوة الكافية التي تجعله يفرض نفسه كليا ويحصن نفسه ضد أي رد) مثلما نحن بحاجة إلى التناظر الناقص (ما دامت الأنانيات والأضطهادات مستمرة وأحيانا تتزايد باضطراد، مع أنها تحدث بصورة أكثر تعقيدا أو أكثر تخفيا). وفي عالمنا الحالي فأن القوة والدبلوماسية، وكذلك المؤسسات الدولية والخطاب الأيديولوجي المرافق، يجب أن تعمل بثبات من أجل إقامة تنظيم ربط محكم لما هو مختلف ولما هو متماسك.

الحروب المتحولة
إننا نشهد حولنا هذه الأيام ما نستطيع أن نطلق عليها quot;الثورة المضادة في الشؤون العسكريةquot;. فهناك عاملان استجدا وأثبتا محدودية التفوق التكنولوجي المنوط به تحقيق الحد الأدنى من النتائج بأقل ما يمكن من الخسائر البشرية والأضرار المادية. هذان العاملان هما، الإرهاب، وكذلك، ولو بصورة أقل، الإقرار بعجز أي انتصار عسكري مدوي وخاطف من تحقيق أي نتائج تذكر. وما نسميه الحرب quot;اللامتكافئةquot; إنما يعني أنك تنتظر ردا لا تستطيع التكهن بنوعيته ولا بالجهة التي يأتي منها، يسلطه عليك خصم أقل تقدما من الناحية التكنولوجية وأقل تطورا. وحرب كهذه لا تخضع للقواعد الجديدة للعبة: أي أنها حرب تبحث، ليس عن تهدءة الصراعات وإنما تصعيدها وهي حرب تستهدف، بالضبط، كل ما ترغب الأطراف القوية المهيمنة أن تحتكره لنفسها، أي رغبة هذه القوى المهيمنة في تدجين الحرب وإضفاء طابع حضاري عليها: فيما يخص مواطنيها هي، وفيما يخص ممتلكاتها. وهناك مسألة، هي الأخرى منطقية جدا، وتتمثل في أن إستراتيجية الضعفاء quot;الفقراءquot; إنما تهدف إلى دفع القوى العظمى للوقوع في تناقض مع مبادئها الخاصة بها (سواء كانت هذه المبادئ حقيقية أو مجرد إدعاءات)، ودفعها للوقوع في تناقض مع نواياها، عندما تجبرها، بكل عزم ممكن، على تعريض مواطنيها إلى الذبح، عن طريق ممارسة الدروع البشرية، أو عندما تجرها إلى ممارسات قمعية عنصرية.
وما هو أبعد من هذه الإستراتيجية quot;العقلانيةquot; من وجهة نظر موازين القوة، فأن حربا كهذه تجد لها قبولا من مجاميع من المؤمنين، وتستند على قيم لا تفرق بين مقاتلين وبين مدنيين، أو بين السكان الأبرياء وبين العدو التي تريد تدميره; إنها حرب تهدف إلى إيقاع مزيد من الضحايا المدنيين داخل المجتمعات المصنفة في خانة الأعداء، سواء كان هذا التصنيف يقوم به الإرهابيون أنفسهم، أو يقوم به من يدافع عنهم ويمجد الانتحار والشهادة.
إن القوى الديمقراطية الليبرالية، بدءا من الولايات المتحدة وإسرائيل، تجد نفسها بمواجهة ورطة كلاسيكية: فهي أمام خيارين. الأول هو، أن تتبنى نفس الأساليب التي يتبناها أعدائها، فتكون أساليبها فعالة، وبالتالي عليها أن تتبارى مع أعدائها، إن لم يكن في حبهم للانتحار، فعلى الأقل في وحشيتهم وفي ازدرائهم لحياة البشر. إما الخيار الثاني فهو، أن تواجه أعدائها وهي مكتوفة اليدين. وهذه الورطة أصبحت أكثر تعقيدا وعصية على الحل، بسبب باعث حاسم، وجديد نسبيا: فالعامل الحاسم في هذه الحرب لا يكمن في القوة التي يتمتع بها طرفا القتال، بقدر ما يتعلق بالطرف الثالث، أي الشعوب، التي هي، في آن واحد، الضحية، والطرف الذي تتم المراهنة عليه، والحكم في هذا التحدي.
ومثلما يؤكد السير روبرت سميث في كتابه القيم (فائدة القوة: فن الحرب في عالم حديث The Utility of Force:The Art of War in the Modern World)، فأن الصراعات والمواجهات التي حلت محلquot; الحروب الصناعية بين الدولquot;، ويطلق عليها المؤلف تسمية quot;حروب وسط السكانquot;، لم يعد هدفها، بشكل رئيسي، تدمير العدو، أو احتلال أرضه، أو الاستيلاء على مصادره وثرواته، بقدر ما تهدف إلى التأثير على معنويات الشعوب وكسر شوكتهم. والشعوب المعنية هنا هي، تلك التي تدور الحرب على أراضيها، ولكن أيضا (في حال وجود حملة عسكرية) الرأي العام داخل المنطقة بأكملها، وفي العالم كله.
إن ثورة الاتصالات، التي لا تعتبر أقل أهمية من الثورة في ميدان القضايا العسكرية، هي التي يعود لها فضل نشر، في آن واحد تقريبا، عمليات التعذيب في سجن أبي غريب أو الضحايا المدنيين لتنظيم القاعدة، وذلك عبر الصور الرقمية الحديثة والتلفزيون، وإيصالها إلى كل مكان في العالم، سواء إلى تلك المناطق النائية المتخلفة، أو إلى المجتمعات التي ينحدر منها مسؤولو هذه الفضائع. إن الحسابات الدبلوماسية العسكرية على طريقة كيسنجر (وزير الخارجية الأميركي الأسبق(ح.ك.) باءت بالفشل في العراق، مثلما في فيتنام، وذلك بسبب هذا المعطى السوسيو- سياسي.
وبالمقدار نفسه، فأنه من الصحيح القول بأن النتيجة الحاسمة في الحرب التي نتحدث عنها لا تحددها الخسائر الأولية ولا يحددها الغزو، ولكن تحددها التطورات الحاصلة على مدى بعيد داخل البلد الذي تستهدفه الحرب، مثلما تحددها أيضا، ما ينتج عنها من تأثيرات دولية عامة. فالتجربة تكشف، على ما يبدو، إن أي انسحاب قبل الأوان يؤدي إلى كارثة، حتى لو تم الانسحاب بعد مرحلة من الانتصار. والسؤال الذي نطرحه هنا هو: ألا يكون الفشل هو مصير التدخل الذي تقوم به الديمقراطيات (الغربية)، عندما لا يكون هدف التدخل إقامة إمبراطورية دائمية؟ إن الديمقراطيات (الغربية) تريد من خلال التدخل أن تكون، في الوقت نفسه، مؤثرة، فتنجز أشياء قليلة في وقت قصير جدا،وأن تنجز الكثير الكثير في وقت طويل، لكي تكون أفعالها مقبولة دائما من قبل الشعوب التي تريد تحريرها أو تتظاهر بحمايتها، أو تكون أفعالها مقبولة من لدن الرأي العام عندها هي.


إن هذا التعقيد وهذه التناقضات لا يمكن وجودها بهذا الحجم وبهذه الخطورة، إلا فيما يتعلق بالأسلحة النووية. وبإمكاننا أن نلخص المشكلة كالتالي:
1.إن خطر انتشار الأسلحة النووية أصبح يزدادا، يوما بعد يوم، لأسباب تقنية وسياسية وثقافية. فقد أصبح من السهولة الحصول على السلاح النووي، وقد يتم استخدامه بطريقة قد لا ترد على خاطر أحد، ما دامت هناك إمكانية أن يقع السلاح النووي بأيدي متعصبين لا يبالون بأي عملية ردع ضدهم، لأنهم، أصلا، يبحثون عن الموت أو الانتحار.
2.بإمكان عملية انتشار الأسلحة النووية، في أفضل الأحوال، أن تتباطأ، فتصبح نتائجها الكارثية أقل.
3.إن النظام النووي الحالي، مثلما تمت صياغته وفقا لمعاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، فقد شرعيته ومصداقيته في عيون العالم غير الغربي.
4.إن أي ضربات عسكرية وقائية ضد الدول السائرة في امتلاك السلاح النووي، ستكون أفعالا خطرة إلى أقصى حد. إذ من المحتمل جدا أن تقود هذه الضربات إلى نتائج كارثية، بدلا من وقف عمليات التسلح، وخصوصا للأطراف التي يراد حرمانها من السلاح النووي.

وإذا كانت النقطتان الأولى والثانية اللتان وردتا أعلاه لا تحتاجان إلى نقاش وتعتبران مقبولتين بشكل واسع، فأن النقطتين الثالثة والرابعة هما محل جدل ونقاش. فبالإمكان أن نتصور مواجهة أوضاع صعبة واستثنائية تماما تحتم، بشكل لا مفر منه، توجيه ضربة استباقية، لمنع وقوع هجوم قاتل، سيحدث بين لحظة وأخرى، وتم التيقن من حدوثه، بل هو حادث لا محال. حسنا، لكن التغيرات الحاصلة، في كل يوم، في ميزان القوى العظمى، وفيما يخص طبيعة القوة المستخدمة ذاتها، تتطلب وجود إستراتيجية تتسم بأكبر قدر من الصبر وبأكثر قدر من التأني وبأكثر قدر من التنوع، وقبل كل شيء، إستراتيجية غير مباشرة. إن إيجاد حل، للصراعات السياسية المناطقية، أو على الأقل تخفيف حدتها، يعتبر واحدا من المكونات الأكثر أهمية في هذه الإستراتيجية.وهنا بالإمكان الحديث عن إجراءات خلق ثقة، وكذلك تواجد مناطق منزوعة السلاح النووي، حيث بإمكان ذلك أن يقود، لاحقا، إلى خلق نظام نووي جديد، يبنى على التعامل بالمثل وعلى إجراءات تطبق على الجميع، أكثر من اعتماده على مراتبية بطرايكية هرمة، بين من يملك ومن لا يملك السلاح النووي. وبانتظار أن يتحقق هذا الأمر، يتوجب تحقيق حماية متزايدة للدول الصديقة المهددة من قبل القوى النووية الجديدة، ويجب أن تترافق هذه الحماية مع تطبيق سياسة تأثير غير مباشر، تهدف إلى تفضيل المعتدلين داخل دول تشكل تهديدا، كإيران.

الأساليب المراوغة للديمقراطية
إن الحاجة الماسة لإستراتيجية متعددة الجوانب وغير مباشرة، يجب أن لا تتهرب من المواجهات بسبب الضعف أو الوهم، وإنما عليها أن تعرف كيف تتحاشى المواجهات، عندما تكون هذه المواجهات ذات نتائج كارثية،وأن تكشف عن نفسها، خصوصا في مجرى الكفاح من أجل الديمقراطية والحرية، وداخل عالم تسوده اللامساواة الاقتصادية، والاختلاف الثقافي، وتمزقه الاحباطات والعداوات والمخاوف والشكوك. وما من شيء يدعو إلى العبث، عندما يراد التأثير في بلد أجنبي، غير الإعلان بأن الهدف هو تغيير النظام القائم في هذا البلد، أو الإعلان، مثلما فعل ذلك المحافظون الجدد في أميركا، بأننا مقبلون على حرب عالمية أيديولوجية رابعة، هدفها تغيير جميع الأنظمة وتحويلها إلى أنظمة ديمقراطية.
إن المطالبة بإملاء نظام داخلي وفرضه فرضا على دول أجنبية، لا يمكن أن تكون سوى عجرفة إمبراطورية وساذجة، في آن واحد، خصوصا عندما تصدر هذه المطالبة من قبل الأمة الأكثر اعتدادا بمؤسساتها، والأكثر غيرة على سيادتها، أو تصدر من قبل قوى استعمارية سابقة دأبت على تبرير فتوحاتها باعتبارها quot;مهمة حضاريةquot;.
بالتأكيد، أن هذه المطالبة تهدف بشكل خاص لدعم الحركات الديمقراطية التي تواجه القمع، مثلما تهدف للاستجابة للتطلعات الواقعية للشعوب في الحرية والرخاء. وأنه لأمر بعيد عن التصور بأن هذه الشعوب غير قادرة على التحول إلى الديمقراطية واقتصاد السوق. ولكن الشعوب مثلما بمقدورها، التشبث بالحرية، فأن بمقدورها التشبث بالتقاليد، أو بروح الجماعة التي تنتمي إليها، خصوصا عندما تكون هذه الأمور مقدسة دينيا. إن الديمقراطية مرتبطة بالحداثة، بكل ما تتضمنه الحداثة من تبعات اجتماعية وثقافية، وهناك كثير من الناس ينظرون للحداثة باعتبارها إحدى علامات الخراب، هذا إذا لم يعتبرونها مؤامرة ضد مجتمعاتهم وعاداتهم وأديانهم.

هناك قوة معارضة أخرى هي، المشاعر الوطنية، أو مقاومة الاحتلال، ومناهضة أي تدخل أجنبي، مهما كان. ومهما كانت مقبولة ومؤقتة، فإن المحاولة لquot;بناء أممquot;، عندما يتم فرضها من أعلى أو من قوى خارجية، لا يمكن أن ينظر إليها إلا بعين الريبة واعتبارها استعمارا جديدا. والمقاومة التقليدية أو الوطنية بمقدورها أن تتخذ، هي نفسها، طابعا هجوميا، أي على هيئة أصولية عالمية تبحث عن تدمير عالم فاسد واستبداله بنظام حكم يديره المؤمنون الحقيقيون. وهكذا نرى، أن عملية التحديث بإمكانها، أيضا، أن تؤدي إلى إعادة تمسك عدواني بثقافات تقليدية، وهذا بدوره يقود إلى حرب أهلية أو إبادة بشرية. وهذا من شانه أن يجعل تدخل القوى الغربية ضد ما هو لاإنساني، مسألة مرغوبة فيها تماما، وقضية أخلاقية لا بد منها. ولكن هناك عنصر آخر داخل السياق العالمي، بإمكانه أن يجعل هذا التدخل أكثر صعوبة، وهذا العنصر يتمثل في قدرة روسيا والصين على سد الطريق أمام محاولات القوى الغربية، عن طريق دعمهما للحكومات التي تضطهد شعوبها، لقاء حصولها على امتيازات اقتصادية وإستراتيجية، بدءا من أوزبكستان وحتى زامبيا، ومن سيبريا حتى السودان.

إنه بالعكس من فترة التفاؤل التي سادت في تسعينيات القرن الماضي، فأن القوى الغربية يجب أن توطن نفسها على مفاوضات صعبة، ومساومات مزعجة، مع منافسين تعتبر موافقتهم أو رفضهم مسائل حاسمة، خصوصا داخل الأمم المتحدة. لقد حاولت هذه القوى الغربية أن تشتري دعم بوتين في مواجهة السياسية النووية الإيرانية، مقابل إطلاق يد روسيا في أوكرانيا وجورجيا وكوسوفو، هذا إذا أهملنا سكوتها في ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان داخل روسيا نفسها. وهكذا، فإن المعارضة بوجه quot;الدول الخارجة عن القانونquot; أو التأثير على تطورها الداخلي أصبح عنصرا من عناصر عملية تفاوض عالمية ودائمة، قد تكون فيها المعايير القانونية والمبادئ الأخلاقية جزء من مساومات صريحة أو مبطنة، تماما مثلما هي القواعد العسكرية أو الوصول إلى المصادر الاقتصادية. وهذه المساومات تعتمد، بدورها، على سلسلة من المراهنات فيما يتعلق بمستقبل لا يمكن التبوء به تماما.
إن هذا الثالوث المؤثر أو الضغط المباشر، والمساومات غير المباشرة، بالإضافة إلى إبحار حذر داخل التيارات الثقافية السيكولوجية والاجتماعية، هو ما يطبع المرحلة الحالية، أي مرحلة عالمنا اليوم، حيث لا تقوى القوى الغربية فكاكا منه، ولكنها لا تستطيع، أيضا، أن تطرد منه دولا أخرى أو تقوم بعزلها. بالعكس، فأن المقابلة بالمثل حتى لو كانت غير مكتملة، والتداخل حتى لو كان جزئيا، بين الأمم والثقافات، يحظيان بحظ من النجاح، باتجاه عزل أعداء التسامح داخل كل مجتمع من المجتمعات، وباتجاه تشجيع روح التضامن العابر للقارات، بكل أشكاله وأنواعه، فهذا التضامن هو، بالضبط، الفرصة المثلى للبشرية، في هذا الزمن، زمن القوميات الهوياتية.