جبلت النفس البشرية على حب الحياة، وكانت كل الغرائز والمكتسبات اليومية والخبرات المتوارثة في الأفراد والشعوب من أجل quot;الحياةquot;، تلك الحياة التي يعيشها المرء مستمتعا فيها بلا عوائق، ولا منغصات، أن يعيشها حرا.
* لكن الحرية ليست ظاهرة أو حالة، بل هي quot;فعلquot;. تتبدى في تفاعل المرء مع quot;الآخرquot;، ومع quot;ذاتهquot;، وهو ما يتبدى في الحروب والإبداع. وكأننا في صراع دائم مع قلة الحيلة أو اليأس، بهذا تشترك الحرية مع الإبداع في كونه فعلا ينتقل من الإمكانية إلى الوجود. وان بدت الحرية السياسية أكثر أشكال الحرية شيوعا، فالتاريخ يجسد أفعال الإنسان نحو التحقق، وكثيرا ما يكون وجودنا استجابة لما يثيره الآخر فينا من أفكار وردود أفعال تجاهه.

*ليست كل المثيرات، محفزا ودافعا لفعل حر، فما الأفعال المرتبطة شرطيا (أو أفعال الارتباط الشرطي)، فهي ليست سوى ردود فعل، كما quot;العطسquot; وquot;الكحةquot;، التي هي فعلا في مقابل مثير quot;بيولوجيquot; لا ارادى، يفتقد إلى quot;الوعيquot;.. انه الوعي إذن!
وما quot;الوعيquot; المتوارث والمكتسب للأفراد والشعوب إلا معززا لquot;الحريةquot; التي هي فطرية الكائن البشرى، وما الأيديولوجيات السياسية والعقائدية السماوية وغيرها من الضوابط الفردية والاجتماعية من تقاليد وعادات ومفاهيم وأعراف وغيرها.. ليست سوى كوابح وضعتها السماء والجماعة على الفرد. بالممارسة وبالشواهد والنتائج وجدها المجتمع ضرورية وهامة لديمومته واستقراره. فكانت ضرورات الجماعة ضاغطة على ضرورات الأفراد، وأصبح الوعي بتلك الضوابط على الرغبات الخاصة والتنسيق بينها، والاختيارات اليومية للفرد والجماعة هي المعبرة عن quot;الوعيquot;.
ومع خبرة quot;التعزيزquot; (كما هو الطعام معززا للجوع) كانت quot;الإرادةquot; وبالتالي في المقابل quot;حرية اتخاذ القرار بما يعزز حياة الفرد/ الجماعة/ المجتمع/الأمة.. وكانت مفاهيم الحرية المتعددة، ومنها quot;الحرية الفكريةquot; أوquot;الحرية الابداعيهquot;
وتتعدد تعريفات الحرية عند الكثيرين من المفكرين، منها:
-قال quot;جون استيوارت ميلquot;.. هي أن يعمل المرء ما يريد.
-قال quot;فولتيرquot;..تتوفر الحرية بالنسبة لي حين أستطيع أن أفعل ما أشاء، لكن لا أستطيع أن أمتنع عن الرغبة فيما أريده حقا.
-قال quot;جوفنيلquot;..إن القدرة على أن نريد شيئا هي مسألة حرية داخلية، وتقع خارج لعبة quot;الحريةquot;.
-قال quot;ليبنتيزquot;..تتكون الحرية من قدرة المرء على أن يعمل ما يريد.
-قال quot;سكينرquot;.. أن من يريد شيئا يعمل على الحصول عليه حينما تلوح الفرصة، لكن الرغبة في شئ ليست شعورا به، وليس الشعور هو السبب الذي يجعل المرء يتصرف للحصول علي ما يريد. أن بعض الحالات الطارئة تزيد من احتمالات قيام السلوك(مثل الجوع والنزوع إلى تناول الطعام)، وفى الوقت نفسه تخلق ظروفا يمكن الإحساس بها.
وأضاف: quot;الحريةquot; هي مسألة الحالات الطارئة التي تعزز السلوك، وليست قضية المشاعر المنبثقة عند تلك الحالات. ولهذا التمييز أهمية خاصة، حينما لا تنجب الحالات الطارئة هروبا أو هجوما مضاداquot;.
*كما ارتبط معنى الحرية بالسعي إلى امتلاك quot;القوةquot;، وتعددت دلالات القوة على مر التاريخ، كان الحر هو من يملك أكبر عدد من العبيد، والحر هو من يملك أكبر قدر من الأراضي الخصبة والإقطاعيات، ثم من يمتلك عوائد منتجات الصناعة، أما القوة الجديدة هي quot;العلمquot; للسيطرة على الطبيعة، والمزيد من تحرير الإنسان. وعلى الإنسان القيام بعمليات إبداعية دائمة ومستديمة، كي تتحقق عملية التحرر (أيا ما يكون معنى الإبداع، سواء الفكر الابتكارى، أو الجمالي الذي يتضمن كل الفنون والآداب).

* لذا حدد البعض درجة القرب أو البعد عن الحرية الإبداعية بدرجة القرب أو البعد عما هو سائد في المجتمع. وعلى المبدع أن ينتبه إلى ذلك، بعدم الابتعاد (بشدة) عن الغالبية المتلقية للفعل الابداعى (كما في بعض التيارات الفنية/التجريبية).. وهو أيضا ما يعنى أن المنتج لأفعال الحرية (كلها) لا تنفصل عن جوهر quot;الهويةquot;.
.*وإذا اتجهت الآراء حول اعتبار quot;الانتماءquot; سلوك فطرى، إلا أن الانتماء في حاجة إلى الصقل بالخبرات اليومية المضافة والتدريب. فتكون البداية بتحديد قضية/قضايا الجماعة، والتدريب على حب الجماعة وقبولها بكل تناقضتها (إن وجدت)، وهو ما عبر عنه البعض بالتدريب على الولاء عند الأطفال أولا. وفى فترة المراهقة يعتمد على الولاء للجماعات الطبيعية، مثل الأسرة والفصل وفريق الرياضة..وهكذا. وبذا يمكن قياس الفعل الحر بقياس معطيات الانتماء للجماعة، معبرا عن هويتها. تداخلت الأدوار إذن، وتتفاعل بحيث تصبح quot;الحريةquot; وسيلة للتحقق بعدما كانت هدفا، أو يظنها البعض أنها كذلك.

*ومفاهيم الحرية، نظرا لتشابكها مع مفاهيم أخرى، تثير الكثير من الأسئلة..منها: quot; وماذا عن النظم الشمولية والتي حارب أهلها وانتصرت تلك الأنظمة السياسية في حينه، كما الاتحاد السوفيتي القديم وانتصاره على قوات النازي في الحرب العالمية الثانية؟؟
كما أشار quot;جو فنيلquot; سلفا، بأن القدرة على أن نريد شيئا هي مسألة حرية داخلية، وتقع خارج لعبة quot;الحريةquot;..هل تكفى تلك المقولة لتفسير ما حدث مع السوفييت والنازي؟!
أما مقولة quot;سكينرquot; تضيف دلالة أخرى هامة، بما يعد تفسيرا مقنعا.. حيث أكد أن quot;الرغبةquot; في شئ ليست quot;شعوراquot;.. بل الشعور ليس بدافع حقيقي أو لنقل الدافع الوحيد للسلوك.. لأن بعض (الحالات الطارئة تزيد من احتمالات قيام السلوك) وهذا هو المهم الآن. quot;المقاومةquot; ولدت عند الشعوب السوفيتية ليس بسبب الحرية لأنظمتها، بل لأنها عاشت حالة طارئة (عدوان).

*ماذا لو سلبت الحرية؟ إنها محنة الاغتراب، بسبب الشعور باغتصاب حياة الإنسان وأفكاره، فكانت مشاعر السلب والتشيؤ، مع التبرم من المعطيات الاجتماعية بعامة، وربما السياسية والاقتصادية في الكثير من دول العالم. عبرت تلك المحنة (أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية) عن نفسها في أعمال الأدباء.. أمثال quot;تشيكوفquot;، quot;كافكاquot;، وquot;ت.س. اليوتquot; وغيرهم. كما توقف أمامها المفكر quot;كيركيجورquot;،quot;جان بول سارترquot;. أما في الأعمال الموسيقية فقد عبر عنهاquot;شونبيرجquot;، quot;سترافنسكىquot; وغيرهما. حتى عبر quot;كافكاquot; عنها بقوله: quot;إن سير الحياة، يحمل الواحد منا ولا ندرك إلى أين، لقد أصبح الواحد منا، شيئا جمادا، أكثر مما هو مخلوق حيquot;.

*في المقابل يرى كثيرون اقتران الحب بالحرية، أن كل الأعمال الإبداعية الباقية والتي ترصدها الأقلام والعقول، شعرا ونثرا، تلك التي تجمع بين العاطفة الإنسانية الباقية quot;الحبquot; في تزاوج وامتزاج مع مفاهيم ومعطيات quot;الحريةquot;.
إن عشق عنترة بن شداد لابنة عمه quot;عبلةquot; بات قصيدة/قصائد في الحرية. وكان دافعه إلى
المقاومة من أجل الحرية، وتمسكه بالحرية من أجل المقاومة.. هو quot;الحبquot;.
ليس التراث العربي وحده، هو الذي يذكى تلك الفكرة، فالتراث العالمي ملئ بها. المتابع للإلياذة
والأوديسة، ول quot;الفيدراquot; الهندية..وغيرها، سوف يخلص إلى النتيجة نفسها.
وفى الشعر العالمي: أراجون، بول ايلوار، أندريه شديد، آنا أخماتوفا، رسول حمزاتوف، أحمد
بن كاملة، مريم بان، محمد سحابة، مع قصيدة من التراث الشعبي في الهرسك...وغيرهم.
quot;أغنية المرأة الهاربةquot; للشاعر الفرنسي quot;لويس أراجونquot; (ولد في باريس سنة 1897م، وهو
أحد مؤسسي المذهب السريالي. وقد اختير عضوا في الأكاديمية الفرنسية سنة 1957. له
العديد من الروايات والمجموعات الشعرية، من أشهرها وذات صلة مباشرة بالموضوع..
ديوانه quot;عيون الزاquot;. ومنها تلك القصيدة التي نقتطف منها قوله:
quot;أين أنت يا من تخفقين في كياني
أنت التي في قرارة النفس تشتعلين فجأة
وهذه الحركة من يدك
إذ تضعين صبغة الشفتينquot;
هل يتساءل الشاعر عن حبيبته؟ أم يبحث عن الحرية..حيث منعتها المعارك والحروب؟؟!

quot;حينما تتنفسينquot; للشاعر الفرنسي quot;بول ايلوارquot;. ولد الشاعر في مدينة quot;سانت دينيسquot; سنة 1895.
يعتبر من أشهر شعراء المقاومة الفرنسية، بل والإنسانية في التراث العالمي. برز أثناء فترة
احتلال باريس أثناء الحرب العالمية. من أشهر قصائده، قصيدة quot;الحريةquot; التي أهلته لشغل
مكانته الشعرية المعروفة. وله عديد من الدواوين، منها ديوان quot;الشعر والحقيقةquot;.
quot;حينما تتنفسين
أحيط نفسي بنبات الظل
ببراعم الطفولة الجاحدة وبالحرير
بكل ما يتيح لي مباغتتك
في الشارع المنخفض
حيث تتهدج أنفاسكquot;
حلم هو بلقاء الحبيب في دلال وخفة ومرح..لكنها الحرب التي منعته، ومن أجلها سيقاوم!

وعلى الجانب الآخر، الحرية هي الهدف الرئيسي للتنمية.. إذا شئنا الوصول إلى فهم كامل عن الرابطة بين التنمية والحرية، أن نتجاوز حدود هذا الاعتراف (مع الإيمان بمحوريته)، ثمة دليل قوى على أن الحريات الاقتصادية والسياسية تساعد في تعزيز بعضها البعض. تلك كلمات قدم بها الاقتصادي quot;أمارتيان صنquot; الهندي الأصل، كتابه quot;التنمية حريةquot;.
حيث يرى التنمية باعتبارها عملية توسيع في الحريات، كما أن الحرية أمر محوري للتنمية لسببين: الأول هو السبب القيمى، لأن معيار التقدم هو السؤال ما إذا كانت الحرية تحظى بالتأيد أم لا؟ والثاني هو انجاز التنمية، لأن التطوير يتوقف على الفاعلية الحرة للشعب. وقد أورد أمثلة عديدة توضح الربط بين التنمية والحرية، مثل ذلك العامل الفقير المسلم الذي طعن بسكين حتى الموت أثناء الصراع بين المسلمين والهندوس في الهند الكبرى قبل التقسيم.. فلو كان الرجل يملك مالا ومستوى اقتصادي أفضل، ما كان اضطر لليسير في منطقة الهندوس لكي يقتات لتعيش أسرته، أي أن افتقاده للحرية الاقتصادية كان سببا في هلاكه!
وقد خلص إلى أن الحريات ليست فقط هي الغايات الأولية والأساسية للتنمية والتطوير، بل أيضا من وسائلها.

السيد نجم
........................
[email protected]