الاغلبية الصامتة في مجتمعنا هم مواطنون آثروا على أن لا ينخرطوا في الاحزاب والدروب الخطرة للسياسة، لأسباب عدة ومن أهمها، لقناعتهم بأن السياسة في العراق تفتقر الى أخلاقياتها المتبعة في العالم مثل المنافسة العلنية والحصانة وشرعية المنخرطين بها، انها اصبحت بنظرهم مثل اللعب بالنار التي تحرق ولاترحم من يقع ضحيتها بسبب قسوة الحكام واستبدادهم،انها موجة لا يركبها الا المتحمسون البسطاء والمغامرون والانتهازيون و الطامعون في السلطة، حيث يقدم البسطاء المخلصون التضحيات الجسام و يقطف المغامرون والانتهازييون الثمار الوفيرة، وقد يكون بسبب شعورهم باللاجدوى من خوض مضمارها بسبب التجارب المريرة التي اجتاحت الحياة السياسية في العراق وعلى مدى قرن من الزمان، حيث أغرقت البلاد في بحر من الدماء و الحقت الدمار بها ولم تجلب الا الدكتاتوريات و العسكر الى السلطة. لذلك هؤلاء فضلوا أن يعيشوا على هامش الاحداث وتجنب نارها قدر الامكان، وانشغلوا بالكفاح من أجل توفير لقمة العيش لهم ولعوائلهم في ظروف صعبة من الناحية الأمنية والمعيشية.


اليوم وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على سقوط النظام الدكتاتوري البائد، عجت البلاد بمئات من الاحزاب والتجمعات والحركات السياسية، منها ذات طابع قومي ومنها ذات طابع ديني ومنها ذات طابع علماني .. والخ، كنا نتوقع وجود هذا الكم الكبير من التنظيمات السياسية سيكون قادراً على تحريك وتعبئة الاغلبية الصامتة للانخراط بالحياة السياسية ومنحها فرصة المشاركة في صنع القرار السياسي، والعمل بمبدأ المواطنة في العراق الجديد، ألا انها سرعان ما تبددت هذه الامال الخضراء، بسبب التهافت على المصالح الحزبية الضيقة و الهرولة نحو تحقيق المكاسب الشخصية، ضاربين بعرض الحائط المصلحة الوطنية العليا. ان هذا السلوك اللامسؤول من هذا الحزب أو ذاك، من هذا الطرف أو ذاك، قد أوصلت المجتمع العراقي الى حد التشرذم وجعلته على حافة الحرب الطائفية، بدلا من صيانة وحدته تحت مبدأ المواطنة و تكافؤ الفرص، واعادة تفعيله وحثه على نبذ حياة التهميش التي طالما أختارها لنفسه طيلة فترة الحكم البائد بسبب القهر والاستبداد التي تعرض له في تلك الحقبة المظلمة، و حث مواطنيه على التفاعل الجدي مع الاحداث بدلا من اخذ دور المتفرج المغلوب على أمره والانخراط الفعال في بناء الوطن والدفاع عنه ضد كل عدو شرس.

ان بقاء هذه الشريحة الواسعة من المجتمع على الهامش والتي تشمل كل من المرأة والعامل و الفلاح والطالب والمعلم والمهندس والطبيب والمثقف ورجل الدين، لهو خسارة كبيرة في القوىالبشرية التي نحن بأمس الحاجة اليها وخاصة في هذه المرحلة، مرحلة البناء واعادة الاعمار واصلاح البنية التحتية. لهو أمر مؤسف جدا وخسارة وطنية كبيرة، ان تتراجع مرة أخرى هذه الشريحة الواسعة والفعالة الى الحياة الهامشية وأخذ دور المتفرج من الاحداث وقلبها مليء بالألم والشعور باللاجدوى، بعدما حاولت الخروج من قمقم الصمت والانخراط في الحياة الجديدة الموعودة، يبدو انها قد أنتكست مجددا، بسبب غياب من يمثلها تمثيلا صادقا وحقيقيا في الحكومة والادارات، وعدم منحها الفرصة المناسبة للعمل والتفاعل و بسبب اهمال لمصالحها و طموحاتها المشروعة، من قبل القوى السياسية الناشطة على الساحة العراقية، التي غرقت في الصراع والتنافس فيما بينها من أجل فُتات المكاسب و اغراءا ت الكراسي و لذة ممارسة السلطة. كذلك غياب أو ضعف أداء المؤسسات المستقلة مثل النقابات والجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني بسبب عدم أستقلاليتها من ناحية التمويل والتوجيه ومحاولة خرقها من قبل الاحزاب وخاصة السلطوية منها لجعلها واجهة دعائية لها، وكذلك التبعية السياسية والفكرية وعدم استقلالية الاعلام، ايضا من الاسباب المهمة الامعان في تهميش هذه الشريحة الاجتماعية الكبيرة و جعلها تتجرع المرارة والالم والخيبة بصمت عميق. ويبقى التساؤل مشروعا الى متى سترضى لنفسها الاغلبية الصامتة أن تبقى صامتة ورياح التغيير قد أجتاحت البلاد و صناديق الاقتراع قد لاحت في الافق؟

روند بولص
[email protected]