محكمة الجنايات العراقية العليا (المختصة) والمصالحة الوطنية 3-3

كما اشرنا، في الجزء الاول والثاني من هذا البحث فان محكمة الجنايات العراقية العليا (المختصة)، هي من افرازات العملية السياسية التي اعتمدت اسس المحاصصة الطائفية والاثنية، بالاضافة الى فقدانها المقومات والمعايير الضرورية للشرعية وتحقيق العدالة. وهذا ما جعلها اداة فاعلة في تأجيج الصراعات الطائفية والعنصرية، ومعول لهدم اي مشروع للمصالحة الوطنية.

لابد من التاكيد هنا بان المصالحة الوطنية هي من اهم اركان مشروع العدالة الانتقالية لان لها دور اساسي في التخفيف من حدة الصراع في البلدان التي تتعرض الى تغيير في اوضاعها السياسية، من حالة الفوضى والارباك التي تخلفها الانظمة الاستبدادية، نتيجة الارث الهائل لانتهاكات حقوق الانسان، الى حالة جديدة خالية من التميز لنتجنب اراقة الدماء بين ابناء الوطن الواحد كما حصل في راوندة والبوسنة.
ومن متطلبات المصالحة الوطنية عدم وجود احتلال اجنبي للبلاد، كما هو الحال في العراق، لان قوى الشعب التي ستنشغل بمقاومة الاحتلال وتطالب بخروجه حسب القوانين الدولية والسماوية، ستدخل بدل المصالحة في صراع مع القوى التي جاء بها الاحتلال وسلمها مقاليد السلطة لتطالب باستمرار وجوده في اروقة الامم المتحدة !

بالاضافة الى ذلك فأن متطلبات المصالحة لا يمكن ان تتحقق في ظل التوجه الطائفي / العرقي للنظام الحالي في العراق، ومثل هذه الانظمة تسعى دائما الى اقامة انظمة سياسية ثيوقراطية مستبدة، تعمل على تصفية خصومها باسم الله، وتعيد عجلة التاريخ الى القرون القديمة والوسطى وهي من اكثر الانظمة الدكتاتورية بطشا وبشاعة.

أن المصالحة الوطنية هي الطريق الامثل لبناء مؤسسات المجتمع المدتي التي من شأنها ارساء قواعد الديمقراطية الليبرالية على اسس سليمة. والاخيرة ليست بناء فوقي يبدأ من القمة بين القوى السياسية المتصارعة على السلطة، التي تعمل ضد مصالح الشعب العراقي لتحقيق مصالحا الفئوية الضيقة بل هي بناء تحتي، يشترك في بلورته جميع ابناء الشعب العراقي وخاصة ضحايا الانظمة الاستبدادية المتعاقبة، وبالتالي فان المصالحة لا يمكن اطلاقها من القوي للضعيف ومن موقع السلطة الحاكمة للمحكومين، لاننا سنكون امام شكل من اشكال عقود الاذعان الذي سرعان ما ينفرط في اقرب فرصة سانحة.
لذلك لا بد من تهيئة جميع الظروف الملائمة للمصالحة بين الضحايا ومخلفات الانظمة المستبدة، (كالمحاكمات العادلة) لمرتكبي الجرائم ضد الانسانية، وتشكيل لجان الحقيقة والمصالحة، وتعويض جميع المتضريين عن جميع الافعال المخالفة للقانون، وتوفير متطلبات الحياة الضرورية كالماء والكهرباء والمحروقات وغيرها، والقضاء على جميع مظاهر الفساد السياسي والاداري والاجتماعي، واصلاح القوانين ومؤسسانت الدولة على اسس سليمة، وتشكيل منظمات المجتمع المدني بشكل واسع لضمان الرقابة الشعبية على اعمال وسلوك المسؤولين في الدولة.

ان النهوض بهذه المسؤولية لايمكن ان يتم الا بوجود حكومة رشيده تمتلك الشرعية الدولية، وان ما تراه الآن من ممارسة في العراق هو بعكس ما تتطلبه المصالحة الوطنية، بل هي اسوأ من اي نظام استبدادي سابق منذ نشوء الدولة العراقية ولحد الان وهو نكوص بالوضع السياسي والاجنماعي والاقتصادي الى ما كان سائدا في القرون الغابرة.
اذا كان الغرض من محاكمة اركان النظام السابق هو تحقيق العدالة وردع الحكام الجدد من ارتكاب جرائم مماثلة، واذا كان الهدف منها انهاء حقبة تأريخية مظلمة وجعلها درسا للاجيال القادمة، فان سلوك الحكام الجدد بعد الاحتلال واسلوب تشكيل هذه المحكمة، يتنافى مع ابسط المستلزمات المطلوبة لتحقيق هذه الاهداف.

فالجرائم التي ارتكبت بعد الاحتلال وفي ظل الحكومات المتعاقبة قد فاقت في بشاعتها وجسامتها تلك التي ارتكبت في ظل النظام السابق. وان ما ارتكب من جرائم خلال الاربع سنوات المنصرمة، تفوق بعشرات المرات تلك التي ارتكبت في ظل نظام البعث لمدة 35 سنة. وقد وصفت هذه الجرائم من قبل المنظمات الانسانية الدولية بانها جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية.
لقد استقر القضاء الدولي على ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية كما حصل في محاكمات يوغسلاغيا السابقة وروانده. وليس من المصلحة تأريخيا محاكمة رموز النظام السابق من قبل محاكم شكلت بارادة سلطات الاحتلال والحكومات التي شكلها الاحتلال وبالطريقة التي اوضحناها، لان التأريخ والعالم سيخلد هؤلاء المحكومين (كأبطال شهداء) ومها كانت جسامة جرائمهم السابقة.
وقد استقر القانون الجنائي الدولي على تحميل المسؤولية الجنائية للحكام والقادة عن الجرائم الدولية بغض النظر عن اصدارهم الاوامر بارتكابها من قبل المرؤوسيين الخاضعين لسلطتهم، فالمسؤولية الجنائية تبقى قائمة ولو لم يثبت اصدار هؤولاء الحكام الاوامر بارتكابها. ان استلام المسؤولية كحكام او قادة يحتم عليهم العلم بما يقوم به المرؤوسيين من افعال. لذا فان مسؤولية الحكام تظل قائمة وفقا للقانون الجنائي الدولي، حتى في حالة توفر جميع الادلة التي تؤكد عدم علم الحاكم او القائد بما ارتكبه مرؤوسيه من جرائم، لان واجبات وظيفته تملي عليه العلم التام بما يرتكبه مرؤوسيه. وخير مثال على ذلك هو: ادانة المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة كل من قائد جيش صرب البوسنة وقائد الجيش الكرواتي للبوسنة عن جرائم حرب، والحكم عليهم بالسجن لمدد تقترب من 40 سنة، بالرغم من عدم توفر اي دليل ضدهم على اصدارهم الاوامر بارتكاب تلك الجرائم، بل عدم وجود اي منهما على مسرح الجريمة عند وقوعها. وهذا المبدأ ماخوذ من محاكمات نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية وما قضت به محكمة طوكيو ضد قائد الجيش الياباني quot;rdquo;Yamashita عن جرائم الحرب والحكم عليه بالاعدام عن الجرائم التي ارتكبها جنوده في الفلبين، وبالرغم من ثبوت عدم اعطاءه الاوامر بذلك. فالمسؤولية الجنائية تتحقق بمجرد امتلاك الحاكم او القائد سلطة اصدار مثل هذه الاوامر، ولطالما ان هذه الجرائم قد ارتكبت بمنهجية وليس بشكل فردي من قبل احد الجنود او المنتسبين. كما ان هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم مهما طال الزمن.

السؤال الذي يطرح نفسه الان: ما هي البدائل لغرض تحقيق مصالحة وطنية ونظام حكم مقبول في العراق:
اذا كانت هناك نوايا صادقة لانتشال العراق من محنته واعادته للحضيرة العربية والتمسك بوحدته لما لذلك من اهمية في تحقيق التوازن الامني في المنطقة والعالم اجمع، فان العملية السياسية القائمة بالوقت الحاضر مبنية على اسس خاطئة ولا تمت باية صلة بوحدة العراق وهويته العربية مطلقا، وانما تهدف الى تدمير وتمزيق العراق وخلق الفوضى بالمنطقة التي من شأنها ان تلحق الاذى بالعالم اجمع.
وارى بان الحل يكمن بالغاء ما يسمى بالعملية السياسية الحالية برمتها وبما فيها محكمة الجنايات العليا (المختصة) بقرار من الامم المتحدة (مجلس الامن)، والعودة بها الى المربع رقم (1) ما قبل 9/4/2003، ووضع العراق تحت وصاية الامم المتحدة، لان القوى السياسية الطائفية والعنصرية العابثة حاليا في العراق، قد اهلكت البلاد والعباد وهي غير قادر على ادارة الدولة كما تؤكد التجربة العملية على مدى الاربع سنوات الماضية.
ولغرض احتواء المشاكل الداخلية والخارجية لابد من تشكيل حكومة انقاذ وطني بقرار دولي (مجلس الامن) يكون ملزم وتحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة. وتكون عناصر حكومة الانقاذ الوطني من المستقلين التكنوقراط المعروفين بكفائتهم المهنية وولائهم للوطن فقط، لغرض ان يطمئن لهم الشعب بجميع مكوناته. على ان تمنح هذه الحكومة جميع السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية) لفترة انتقالية يحددها قرار مجلس الامن وعلى ان لا تقل عن خمس سنوات قابلة للتجديد.
وتحدد وظائف هذه الحكومة باعادة هيكلة مؤسسات الدولة على اسس وطنية وعلى وجه الخصوص (القوات المسلحة وقوى الامن الداخلي والقضاء والتعليم والاعلام) وتعمل على اشاعة الامن والطمأنينة وتشجيع مؤسسات المجتمع المدني للعمل بكل فاعلية وجدية من اجل اشاعة المفاهيم الليبرالية، وتحريم نشاط اي حزب او منظمة طائفية او عنصرية لا تهدف الى توحيد مكونات الشعب العراقي، كما حرم نشاط حزب البعث باعتباره حزبا عنصريا، والمباشرة الفورية والجدية باعمار العراق واعادة بناء جميع الخدمات الضرورية للحياة كالماء والكهرباء والمحروقات وغيرها. ويكون هدف هذه الحكومة العمل على تأهيل الشعب العراقي على كيفية ممارسة الديمقراطية الليبرالية وبالتالي لا يجوز لاعضاء الحكومة الترشيح لاية انتخابات مقبلة.
ولابد من الاخذ بنظر الاعتبار تطبيق مشروع العدالة الانتقالية الذي اشرفت عليه جمعية الحقوقيين العراقيين في لندن بالتعاون مع خبراء دوليين عام 2002-2003 لما فيه من مبادئ واسس سليمة للمصالحة الوطنية وما يتطلبه الوضع الراهن في العراق بعد سقوط النظام السابق وكذلك بعد خروج الاحتلال واستلام الامم المتحدة المسؤولية بشكل كامل.

ولا بد من التأكيد على تشكيل محكمة جنايات دولية لمحاكمة مرتكبي الجرائم الدولية في العراق من اركان النظام السابق واركان الانظمة المتعاقبة بعد الاحتلال، وبذلك ستمنح حكومة الانقاذ الوطني المصداقية اللازمة في تحقيق العدالة امام الشعب العراقي الذي عانى كثيرا من الظلم ويستحق اعادة حقوقه المسلوبة بالفعل وليس بالكلام فقط !.

د. طارق علي الصالح
مستشار قانوني ورئيس جمعية الحقوقيين العراقيين-لندن