{وفيها وقعت فتنة عظيمة بين السنة والروافض، فقويت عليهم السنة وقتلوا خلقاً منهم ونهبوا الكرخ ودار الشريف المرتضى، ونهبت العامة دور اليهود لأنهم نسبوا الى معاونة الروافض، وتعدى النهب الى دور كثيرة. انتشرت الفتنة جداً، ثم سكنت بعد ذلك، وانتشرت المحنة بأمر العياريين في أرجاء البلد وتجاسروا على أمور كثيرة، ونهبوا دوراً وأماكن سراً وجهراً، ليلاً ونهاراً}. (ابن كثير {البداية والنهاية. حوادث سنة 422 هجرية).


يذكر وول ديورانت في المجلد الأول من كتابه الضخم {قصة الحضارة} انه في بعض الأزمان والممالك. كان اذا مات بعض الملوك الطغاة. يقوم أفراد الشعب كل بتسليح نفسه خشية القتل في الفوضى وعمليات الثأر التي تعقب وفاة الملك. والآن ndash; بعد زوال نظام الطاغية صدام حسين صنيعة النظام العربي والقوى الفاشية. مالذي يحدث في الشارع العراقي بعد أكثر من 40 عاماً من القهر والظلم والاعدامات والمقابر الجماعية وحملات الانفالات وعمليات التهجير القسري ؟ يطلق ساسة العراق الجدد الآن شعار {اخوان سنة شيعة. هذا الوطن ما نبيعه} نعم. هذا صحيح. لا يبيع الشعب العراقي المتعدد الأطياف والقوميات والأديان والمذاهب الوطن. وهنا يجب أن نعرف أن هذا الشعار رفعه أيضاً صدام حسين في أعقاب هزيمته في حرب تحرير الكويت بصيغة أخرى وذلك حين كشفت له انتفاضة الشيعة في الجنوب والكورد في الشمال في العام 1991 حجم الغضب الشعبي وقوة الثورة ضد مؤسساته وحزبه من جراء ظلمه وقسوته وتهميشه وتشكيكه في وطنية الشعب الذي ثار عليه. كان اعلام صدام قد أطلق هذا الشعار هكذا: {العراق وطن الجميع والحفاظ عليه مسؤولية الجميع}. نأمل أن لا تحدث الحرب الأهلية في العراق أبداً، وما دار من قتل على الهوية وعمليات تهجير متبادل بين السنة والشيعة. ليس جديداً في تاريخنا العراقي المليء بالدم والرماد، بداية من العصر الأموي فالعباسي فالمملوكي فالعثماني فالملكي الهاشمي الى عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن والبكر وصدام. في كل دورة من دورات تاريخنا تنهض شهوة القتل دائماً في مناسباتنا الدينية الاسلامية على وجه الخصوص، لتحرق أصحاب الأديان السماوية الأخرى التي تعيش على أرض العراق منذ ما قبل الاسلام. هذا القتل الذي يتم الآن على الهوية وعمليات تفخيخ السيارات في المدارس والمساجد والمقاهي والمطاعم وأمكنة العمال. ليست له علاقة بالاسلام ولا الجهاد ولا تحرير الوطن من قوات التحالف التي حررت الشيعة والأكراد والتركمان والسنة من أعتى نظام ديكتاتوري في تاريخ العراق. انه قتل طائفي تمتد جذوره الى تاريخ بعيد. ولكي تقترب الصورة أكثر فيتوجب علينا هنا أن نتذكر ما أعقب انقلاب 8 شباط عام 1963 ومادار في الشوارع العراقية من عمليات الذبح والسحل التي قامت بها عصابات حزب الذين قاموا بالانقلاب من البعثيين والقوميين الشوفينيين. ما أن بدا الانقلاب في اليوم الأول حتى انقسم الشارع البغدادي حسب المناطق الى بعثي ndash; شيوعي. وتكشفت لنا {الأعظمية} التي تحتضن ضريح زبدة الفقهاء الإمام أبي حنيفة النعمان منطقة بعثية بامتياز تقف بالضد من {الكاظمية} الشيوعية حاضنة ضريح الإمامين الجوادين. الآن بدلت دورة القتل الطائفي صورتها وتحولت {الأعظمية} الى سنية و{الكاظمية} الى شيعية. كان العراق الوطن الاكذوبة الذي يتشدق به العرب العنصريون والذي أنشأته الادارة الاستعمارية البريطانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى. عبارة عن 3 إيالات عثمانية يحيطها الخراب من كل الجهات، وكانت محافظة {الديوانية} الآن تابعة الى محافظة {الحسكة} السورية آنذاك وكانت محافظة {الموصل} مهددة بالاقتطاع من قبل تركيا. استدعت بريطانيا أحد أنجال الشريف الحسين الهاشمي من الحجاز وتوجته ملكاً على العراق، وكلفت الشخصية السنية ورجل الدين السيد عبد الرحمن النقيب ليترأس الوزارة العراقية الأولى. بعدها أصبح العراق يتكون من بضع محافظات ووزارات يشرف عليها رجال الادارة البريطانية، وغرفة تجارة يرأسها ويقود وزارة الاقتصاد أيضاً السيد ساسون حسقيل الشخصية اليهودية المتنورة والمنفتحة على التطورات العالمية التي أعقبت الحرب، وفوج عسكري {فوج موسى الكاظم} نواة الجيش العراقي وجندرمة ومحطة قطار توصل الجنوب بالشمال. يذكر السيد أمين المميز وهو أحد الشخصيات التي ترأست أمانة العاصمة العراقية في كتابه {بغداد كما عرفتها} أن الحكومة العراقية في فترة ما، ويبدو أنه يتحدث عنها أثناء سنوات التكوين. كانت تمتلك 7 سيارات فقط وكانت جورجينا باشا {أخت المطربة سليمة مراد وزوجة المطرب ناظم الغزالي} العاهرة والقوادة الارستقراطية بعد ذلك. تمتلك سيارة ماركة بونتياك سوداء اللون تتسع ل 7 أشخاص وكان سائقها صاحب أطول عفطة ببغداد. ما أود قوله هنا هو أن العراق الوطن الوهمي {تأسس في العام 1921} قد تم تكوينه على أسس خاطئة ومفبركة جداً من قبل وزارة المستعمرات البريطانية. ما الذي يجمعني أنا المولود في {الناصرية} الجنوبية العربية بعروبتي وإرثي ولغتي العربية بالكوردي المختلف واقليمه المختلف وثقافته المختلفة ولغته المختلفة سوى التاريخ المشترك والجوار والحب والاحترام ؟ أود من الأعماق وبسرور بالغ أن تكون للكوردي دولته مثلما أنا لي دولتي. ويجب على أولئك الذين يخافون من تقسيم العراق أن يذهبوا ويصنعوا وحدتهم العربية المنشودة مع سوريا أو الكويت أو الأردن أو السعودية طالما أن كل هذه الدول هي دول عربية ووهمية صنعها الاستعمار البريطاني والفرنسي. نعم. يجب أن نعلن الحقيقة بضمير حيّ ونقول: مرحى لدولة الكورد وإرادة الكورد ومستقبل ونضال الكورد. يجب أن يكف العرب عن المناداة في النضال من أجل تحرير فلسطين. طالما أنهم يستعمرون كوردستان ويقتلون الكورد ويستعمرون دولة البوليساريو الامازيغ في المغرب وجنوب السودان ويقتلون شعب دارفور من خلال ميليشيات الجنجويد التي تشرف عليها وتسلحها الحكومة السودانية. ولكي لا أشط في الاسترسال الأليم حول الظلم الذي نلحقه وألحقناه في الشعب الكوردي. أعود الى الحالة الراهنة وتداعياتها السياسية والطائفية. من المعلوم أن نظام الحزب الواحد والشخص الواحد حين سقط بعد دخول القوات الأمريكية بغداد. قد ترك فراغاً في شتى نواحي الحياة العراقية، وحين حاولت القوى والأحزاب والحركات المعارضة القادمة من الخارج بسبب طبيعة النهج الدموي في الاغتيالات والاعدامات وتكميم الأفواه والسجون ومحكمة الثورة سيئة الصيت التي كان يقوم بها نظام الطغيان. ملئ هذا الفراغ وبداية عهد جديد في نظام الحكم والدستور وترسيخ الديمقراطية ومبادئ العدالة الانسانية. كانت قد واجهت صعوبات كبيرة مع الإرث الديكتاتوري الذي خلفه ذلك النظام. ماالذي حدث بالضبط في عمليات الثأر والقتل والقتل المضاد ؟ تنفس الكورد والشيعة الصعداء بعد تاريخ من الظلم والقهر الاجتماعي والسياسي والثقافي والمذهبي، مثلما تنفس أخوتهم السنة الصعداء أيضاً، لكن التاريخ الطويل من الخدمة في مؤسسات النظام الحزبية والأمنية والوشاية وكتابة التقارير الحزبية والعمالة لدوائر الأمن والمخابرات والاستخبارات عند بعض فئات الشعب. جعلت عمليات الثأر وذكرى السنوات السود وفقدان الأهل والأحبة الذين غيبوا في المقابر الجماعية من الصعب السيطرة عليها على الرغم من فتاوى المرجعيات الدينية ونداءات رجال السياسة حول ضرورة العفو والتسامح. من جانب آخر كان لحل الجيش والشرطة العراقية من قبل الحاكم المدني الأمريكي السابق بريمر وقانون {اجتثاث البعث} الشبيه بقوانين نظام صدام في الاقصاء والتهميش والشبهات الذي تبنته قوى سياسية معينة من منطلقات ثأرية، الدور الكبير في شعور الكثير من الناس بالظلم والقسوة والنبذ في عهد جديد أريد له أن يكون ديمقراطياً وعادلاً لكل الشعب العراقي بعيداً عن ظلام الماضي ومآسيه السود. لماذا لا يتم انشاء قانون قضائي تتم فيه محاسبة من تثبت تهمته في الاجرام من البعثيين والحاق الأذى بالناس واصدار الحكم المناسب ضده؟ ألم يتصالح الكورد مع أولئك الذين كانوا {جحوشاً} ومخبرين للنظام السابق ؟ تحيرني دائماً القناة الفضائية العراقية التابعة الى شبكة الاعلام العراقي التي أنشأها بريمر وأرادها أن تكون على غرار قناة ال ب ب سي، ومن المفروض أن تكون قناة لكل الشعب العراقي وتمول من قبل مؤسساته الديمقراطية، لكنها أصبحت طائفية مقيتة بامتياز عبر ادارتها من قبل أشخاص لا شكوك في وطنيتهم العراقية لكنهم لا علاقة ولا خبرة لهم في مجال الاعلام ولا في التلفزيون. لقد حولوا هذه القناة الى بوق للحكومة التي يشكك البعض في نزاهتها ووطنيتها. لم أسمع ولم أشاهد حتى الآن من العوائل التي هجرها الارهاب سوى العوائل الشيعية، وكأن العوائل السنية لم تطالها عمليات القتل والتهجير الطائفي، علاوة على انها تحولت الى {حسينية} دائمة للطم والنواح بمناسبة ومن دون مناسبة، ولا أستطيع نسيان إجابة السيد مسعود البرزاني عن سؤال له في أحد برامجها حول رأيه فيها فقال: {انها قناة طائفية. تلعب الآن المساجد والحسينيات السنية والشيعية دوراً بارزاً في تأجيج الاحتقان الطائفي، وتغذي القوى السياسية المتصارعة هذا الاحتقان وتستغله في فرض شروطها وطموحاتها الطائفية بقوة. ضاربة المصالح الوطنية للشعب العراقي في الحضيض. يصرح السيد مقتدى الصدر علانية حول ضرورة القضاء على الوهابيين والبعثيين وتخليص العراق منهم، ومن جهة أخرى تصرح القوى السياسية السنية وتتهم الشيعة بالتبعية والعمالة لايران، وغير خاف علينا اتهامات عضو البرلمان العراقي السيد مشعان ركاض ضامن الجبوري للشيعة وتسميته لهم ب {الصفويين} وهو يدري أن شيعة العراق أقدم من الصفويين بمئات السنين. يجب الآن بناء عراق ديمقراطي فدرالي متحرر ومستقل بعيداً عن المصالح الفردية والطائفية والأنانية، كما يجب إعادة كل رجال الدين سنة وشيعة الى المساجد ليرضوا الله ويرضوا رسوله بعيداً عن التدخل في مراحيض السياسة العفنة واذكاء نار الحقد والطائفية بين أبناء الشعب العراقي عبر طروحاتهم التي تجاوزها الدهر منذ أمد بعيد.